شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 26

شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 26

الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سقوط الإثم والضمان بالجهل والإكراه والنسيان

القاعدة الفقهية تنص على سقوط الإثم والضمان بالجهل والإكراه والنسيان وتختلف باختلاف نوع الحقوق. الحقوق المتعلقة بحق الله تسقط بالتوبة بينما تختلف حقوق المخلوقين حسب نوع الفعل.

تفصيل أحكام النسيان في العبادات والحقوق المالية

النسيان في العبادات مثل الصلاة والصوم لا يوجب الإثم ويجب إتمامه. في المقابل، إتلاف مال الغير ناسيا لا إثم فيه لكنه يستوجب الضمان لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة.

أحكام الإكراه وتأثيره على الإثم والضمان

الإكراه الملجئ يلغي الإثم في حقوق الله وقد يسقط في بعض الحالات، بينما يبقى الفعل المطلوب تنفيذه. حقوق الله مبنية على المسامحة بينما حقوق المخلوقين قد تبقى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. من ولا مبعد والنفل جوز قطعهما، لم يقع حجا وعمرة فقطعه امتنى، هذا أخذناه. النفل يجوز أن يقطع، لكن إذا كان حجا وعمرة، ولو كان نفلا لا يجوز. قال رحمه الله تعالى: والإثم والضمان يسقطان بالجهل والإكراه والنسيان. هذه أيضا قاعدة من القواعد الفقهية، وهي من أسباب التخفيف، وتدخل في قاعدة المشقة تجلب التيسير. فقال: والإثم والضمان يسقطان، يسقط الإثم والضمان بالجهل والإكراه والنسيان. إذا أكره الشخص على شيء لا يضمن؛ لأنه فعله بغير اختياره. والنسيان كذلك، إذا فعله ناسيا. ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. وجاء في حديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان والإكراه»، عليه لكن فيه ضعف. والحقوق على نوعين: حقوق لله عز وجل، وحقوق تتعلق بحق المخلوقين. فما يتعلق بحقوق الله، فالحكم التكليفي يسقط بالنسيان أو بالإكراه، لقوله جل وعلا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. لكن الحكم الوضعي في الضمان، هل يسقط بالنسيان أو لا؟ هناك تفصيل. ما كان من باب الأوامر فإنه يضمن ولا يسقط. فأنا لابد أن يأتي به، ولا يسقط عمدا. وما كان من باب النواهي والتروك فإنه يسقط ولا يضمن. لو صلى الإنسان مثلا محدثا، الوضوء شرط من شروط الصلاة، لو صلى إلى غير القبلة بغير اجتهاد، لو صلى مثلا في غير الوقت، صلى قبل أن يدخل الوقت الصلاة، فهنا صلاة غير صحيحة، ويجب عليه أن يأتي بهذه الصلاة، سواء كان فعل ذلك نسيانا أو مثلا جهلا، فإنه يجب عليه أن يأتي بهذه الصلاة. النبي صلى الله عليه وسلم قال لذاك الذي أسرع في صلاته: «ارجع فإنك لم تصلي، ارجع فإنك لم تصلي». فإذا نسي مثلا شيئا، صلى بغير وضوء كما قلنا، أو ترك شيئا من أركان الصلاة ناسيا، فإنه لابد أن يأتي به. أما إن كان من باب النواهي والتروك، فلا ضمان عليه ولا إثم. مثل الذي يأكل ويشرب ناسيا في نهار رمضان، يأكل ويشرب، الأكل والشرب منهي عنه للصائم، فهذا يأكل ويشرب نسيانا، فهنا لا إثم عليه ولا ضمان. «إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». فمسألة التروك إذا تركها نسيانا، فإنه لا إثم عليه. هذا في حق الله. الأمر الثاني في ما يتعلق بحقوق الناس، بحقوق المخلوقين. فلو أتلف مال شخص ناسيا، يظن أن هذا المال ماله، فأنفقه أو لبس ثوب غيره يظن أنه ثوبه، فهذا لا إثم عليه، لكن الضمان لا يسقط. الضمان لا يسقط، هناك يسقط الإثم، لكن الضمان لا يسقط. مع أن حق الغير لا بد أن يؤديه. الله عز وجل يقول: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾، ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله، ﴿وما على من أخطأ قتلته﴾، لكن الدية تلزمه، وإن كانت تدفعها العاقلة، لكن تلزمه الدية، وكذلك الكفارة. فهنا لم يسقط هذا الأمر. فحق المخلوقين مبنية على المشاحة كما يقول الفقهاء. ولهذا قال هنا الشيخ: إن كان ذا في حق مولانا، ولا تسقط ضمانا في حقوق المخلوقين. هنفرق بين حق الله وحق المخلوق. فما يتعلق بحقوق المخلوقين يجب فيه الضمان؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والمقاضاة. أما الإثم فيسقط. مثل إنسان قتل إنسانا خطأ، ما يأثم، لكن يدفع الدية، كفارة القتل. قال لهذا لما أصاب عائشة رضي الله عنها، وضربت يد الخادم، فانكسرت القصعة، ضمنها النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل فيها الطعام. ثم قال: «طعام بطعام، وإناء بإناء». ففرق بين حق الله عز وجل وحقوق المخلوقين. فحقوق المخلوقين مبنية على المشاحة، وحق الله عز وجل مبنية على المسامحة. «طعام بطعام، وإناء بإناء»، أنا فعلته خطأ لأجل مثلا غيرتها وغضبها، فأخذت الصحفة ورمتها فكسرت، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الطعام وقال: «الطعام بطعام، والإناء بالإناء»، أنا تأتي بالطعام وبالإناء، فضمنها النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الإكراه، فالإكراه عند العلماء ينقسم إلى قسمين: إكراه ملجئ، وإكراه غير ملجئ. الإكراه الملجئ الذي لا اختيار له فيه ولا قدرة له على الامتناع، يسمونه إكراه ملجئ. والإكراه غير الملجئ أن يكون مجبرا مكرها، لكن له نوع اختيار، مثلا يقال له: إن لم تفعل كذا نقطع ما لك، ما سنعطيك حقك إن لم تجلس مثلا إلى المغرب، يعمل مثلا عندهم، يقول له: إن لم تجلس إلى المغرب ما سنعطيك حقك، فهذا إكراه غير ملجئ؛ لأنه له اختيار، ممكن أنه يفرق في هذا الذي يقولون حقه. لكن الإكراه الملجئ الذي لا يجد له اختيار: تفعل كذا وإلا قتلناك. والإكراه يكون في حقوق الله وحقوق المخلوقين. فأما ما كان في حقوق الله، فلا يأثم صاحبه. وأيضا هنا في الإكراه، إذا حصل إكراه ما كان في حق الله، فإنه لا يأثم، وليس عليه ضمان. ما كان من باب الأوامر لا يسقط هذا الشيء، ممكن يسقط الإثم، الإثم يسقط، لكن الفعل لابد أن يعيده، مثل الصلاة. من أكرها أن يصلي بلا وضوء، فهذا لا يأثم عليه، لكن يعيد الصلاة؛ لأن هذا من باب الأوامر. أما إذا كان من باب النواهي، يكراه على شيء فيه نهي، أكراه مثلا يتكلم في الصلاة أو يضحك مثلا أو يأكل وهو صائم، فمثل هذا ممكن أنه معذور، معنى هذا معذور إذا كان بالنسبة لله عز وجل؛ لأن الله عز وجل حقوقه مبنية على المسامحة. وأما ما يكون في حق المخلوقين، فإن الإكراه يسقط الإثم، لكن الضمان يبقى.