الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 113، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف بالحديث عن أهمية العناية بالنفس وإصلاحها، ويحذر من إهمالها وتسليمها للشهوات. يشير إلى أن فلاح المؤمن ونجاحه في الدنيا والآخرة يكمن في تزكية نفسه وتهذيبها.
يوصي الخطيب بإصلاح النفس أولاً قبل النظر في عيوب الآخرين، ويشدد على أهمية التمسك بالأثر والسنة النبوية. يوضح أن أهل السنة والجماعة يسمون بأسماء متعددة منها أهل الأثر والسلفيين.
يناقش المقطع معنى التقليد في قول المؤلف 'فإن الدين إنما هو بالتقليد' ويوضح أنه يعني الاتباع للنبي وأصحابه. يتناول آراء العلماء حول صحة استخدام لفظ 'التقليد' بدلاً من 'الاتباع' في هذا السياق.
يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء، ويُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد -يعني- للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ومن قبلنا لم يدعونا في لبس، فقلدهم واسترح، ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر. في هذه الفقرة، إخواني في الله، عدة مسائل نبه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، وغالب هذه المسائل قد مرت معنا في دروس ماضية، لكن نعرج عليها من باب التذكير. أولًا، قوله رحمه الله تعالى: فالله الله في نفسك، هذه وصية إخواني في الله من أعظم الوصايا، لو عقلها الناس وتفطنوا إليها. الله الله في نفسك، النفس إخواني في الله التي بين جنبيك متى ما تركت من غير عناية ولا من غير رعاية ولا من غير تزكية ولا تهذيب، فإنها تضل صاحبها إلى سواء السبيل. قال جل في علاه: ﴿وَمَا أُبَرِئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، النفس التي بين جنبيك عدو، عدو لك، تأزك أزا إلى الوقوع في الحرمات والمحرمات. ومن ثم جاءت الآيات الكثيرة المبينة أن فلاح المؤمن ونجاحه في الدنيا والآخرة إنما يكمن في إصلاح نفسه. قال جل في علاه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، فالذي يهذب نفسه ويصلحها ويجعلها أمارة بما أمر الله جل وعلا، منتهى عمنها الله جل وعلا جعلها مستقيمة وقاف على شرع الله وقاف عند حدود الله، فحينها يسعد العبد في دينه ودنياه وأخرى. ومن نظر إلى أحوال الناس إخواني في الله، ونسمع من بعض الجرائم والمبيقات العظيمة، لو ربما المبيقات ما يتصورها العقل البشري، فجور وخروج عن سمت الإنسان، حتى بلغ البعض إلى أن يكون كالحيوان في فعل الرذائل والفواحش، ذاك الذي يأتي الفاحشة مع محارمه، يفعل بأمه ويفعل بابنته ويفعل بأخته، وغير ذلك من المآسي الذي لا يتصورها العقل البشري. لكن هذه إخوان نتيجة حتمية، نتيجة ضرورية، إذا كان العبد سلم لنفسه أن تفعل ما تشاء، فإنها ترده وتجره إلى سواء السبيل، وهذه المآسي عبارة عن ضلالات في الدنيا ونار حامية في الآخرة. فالمسلم إخواني في الله ينبغي أن يعتني بنفسه، الله الله في نفسك، وقبل المؤمن قبل أن يهتم بإصلاح الآخرين، أن يهتم بإصلاح نفسه. وهكذا تأتي أمر آخر، أن بعض الناس إخواني في الله للأسف قد أشغله النظر والتصيد في عيوب الآخرين، أن يقوم بإصلاح نفسه، وهذا بلية، وهذا من تلبيس إبليس لكثير من عباد الله الصالحين. حتى من أهل الصلاح ما تبرأ وما برئ من هذه المزلة، أنه ربما ينشغل بالنظر في ذاك كيف هو في السنة، هل هو صلب في السنة أم ليس في صلب السنة، ويتبع عيب ذاك كيف هو في العلم الشرعي، هل تلقى العلوم عند أهلها، كيف هو في تأصيله، كيف هو في تطبيقه، كيف هو في ترقيه للعلوم، أو ينظر في عبادته، هل هو مفرط في العبادة، هل هو متاهام في العبادة، ينظر في ذا وينظر في ذا وينشغل بذا، بينما هو فيه وفي نفسه ليس بذاك. فما هذا الذي سيضيع إخواني في الله، الذي يبحث عن عيوب الآخرين وينظر في عيوب الناس ويتصيد في كلام الناس ويقوم الناس ويجعل الناس مراتب، فهمه ناس في ناس في ناس، أما هو في نفسه فلا، لا زكاها ولا أنقاها ولا هذبها، ولا جعلها أمارة على ما أمر الله جل وعلا. كل الناس خطاء، كل ابن آدم خطاء، لكن حنانيك الذي يفلح ويسعد هو الذي يسارع إلى إصلاح نفسه وإلى تهذيبها، قبل أن تسارع يا عبد الله إلى إصلاح ما عند الناس، إصلاح ما في نفسك، إصلاح ما في قلبك يا عبد الله، فإن دين العبد نفسه، إن صلحت أنت يا عبد الله صلح الذي معك، وإن فسدت أنت يا عبد الله فأن يأتيك الصلاح لغيرك. وكما يقال في المثل: لا تكن كالشمعة التي تضيء للناس وتحرق نفسها، الشمعة هكذا تضيء لغيرها نعم، نفع الناس بما عندها، لكن هي في نفسها تذوب وتذوب وتضمحل حتى تحرق نفسها بنفسها. فهذه وصية إخواني في الله عظيمة جدًا لمن تأملها، وقوله رحمه الله تعالى: الله الله في نفسك، فإخواني في الله، فالواحد يا ماذا يراجع نفسه، وما منا من له أخطاء وله من الزلات، وله الناس ما نسأل الله جل وعلا أن يسترها علينا في الدنيا والآخرة، وأن لا يفضحنا فيها. لكن الله الشأن كل شأن، تسارع يا عبد الله بنفسك بإصلاحها وتهذيبها، وأن لا تنشغل بعيوب الناس لدرجة أنها تنسيك عن عيوبك، فإن ذلك من أعظم الخزي للعبد الذي يصيبه في هذه الدار. قال مؤلف رحمه الله تعالى: فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر، مر معنا إخواني في الله أن الأثر وقد تكرر ذلك يطلق على الأحاديث المرفوعة، والمقصود بها السنة النبوية، ويطلق كذلك على الآثار الموقوفة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فتسمى السنة بالأثر، ويسمى كذلك ما ثبت وما نقل عن الصحابة بالأثر. قال: وعليك بالأثر وأصحاب الأثر، من هم أصحاب الأثر؟ هل هي فرقة جديدة غريبة سميت بأصحاب الأثر؟ لا، أصحاب الأثر هي من المسميات التي سميت بها الفرقة الحقة، الفرقة التي استحقت النجاة في الدنيا والآخرة. سميت بعدة أسماء، وهذا التسمية جاءت من كبار علمائنا من سلفنا صالح، سموا هذه الفرقة بعدة أسماء لوجود مناسبات اضطرتهم إلى اتخاذ هذا الاسم حتى يتميزوا عن أهل البدع، فهم سموا أنفسهم بأهل السنة والجماعة، فسموا بالجماعة لأن النبي وصفها وصفها أهل الحق بالجماعة، قال عليه الصلاة والسلام: «هي الجماعة»، فتسموا بهذا الاسم، فهو اسم شرعي. ويسمون كذلك تارة بأهل السنة من غير ذكر الجماعة، ويسمون كذلك بالطائفة المنصورة لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق»، وتسمى كذلك بالفرقة الناجية، وهذا كذلك من المسميات المتأخرة التي جاءت بعد زمن النبوة، سموا أنفسهم أي أهل السنة باسم الفرقة الناجية. وهكذا يسمون بأهل الأثر كما سماه المؤلف رحمه الله تعالى، ويسمون كذلك بالسلفيين، فهذه من المصطلحات الشرعية، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ولا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقًا». فقول الرجل: أنه سني أو أنه سلفي أو أنه أثري، فإن ذلك من الألفاظ الشرعية التي تواترت عن علمائنا وعن سلفنا الصالح. فقوله: أصحاب الأثر، هي من المسميات التي سميت بها الفرقة الحق. قال: والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد، المؤلف رحمه الله تعالى هنا رفع من شأن التقليد وبيّن أن الدين هو التقليد، وقد استغل البعض كيف المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر هذه العبارة، وهي صحيح لأن التقليد عند العلماء معروف، اتباع من ليس بحجة بغير حجة، اتباع من ليس حجة بغير حجة، هذا هو التقليد، وهو مذموم، وقد جاءت أدلة كثيرة من علمائنا ومن قول سلفنا على منعه. بل حتى بلغ البعض إلى تحريمه، إلى تحريم التقليد إلا في إطارات ضيقة في نطاق معين أجازوه لحال من انقطعت به الطرق وانقطع به السبيل في الأخذ من الأدلة، لكن الأصل أنك تتعبد إلا بالتقليد، فهذا مما لا يجوز. فيشكل مثل هذه التقريرات والأصول الثابتة الراسخة عند أهل السنة بمثل عبارة المؤلف رحمه الله تعالى، قال: فإن الدين إنما هو بالتقليد، لكن يزال الإشكال بتتمة العبارة، إذ قال رحمه الله تعالى: إنما هو بالتقليد -يعني- للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. فبين أن التقليد ليس التقليد الذي يعنيه العلماء من المتأخرين، وهو اتباع من ليس حجة بغير حجة، وإنما أراد بالتقليد هنا هو الاتباع، أراد بالتقليد هنا هو الاتباع، وضح ذلك سياق الكلام، هو اتباع للنبي وما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعًا. فمعنى المؤلف رحمه الله تعالى: فعليك بالتقليد، معناه عليك بالاتباع، إذن هذا معنى المؤلف، بقي هل تعبيره سليم هنا؟ اختلف العلماء، نحن علمنا ما أراده المؤلف، أراد المؤلف بالتقليد والاتباع، لكن بقي هل هذه اللفظة سليمة؟ ترك بعض العلماء سلم المؤلف وقال: لا مشاحة في الاصطلاح، والمؤلف أراد التقليد أو الاتباع معناه واحد. فإن أتى بالاتباع فذاك، وإن أتى بالتقليد فذاك، فنحن نسلم له لأن معناه واضح وهو الذي أراده، ونحاكم على المعنى، فبعضهم مرر هذه العبارة وأنه لا غبار عليها. بالمقابل يرى جماعة من أهل العلم أن هذا خطأ لفظي، وأنه لا يقال في الحق الاتباع أنه تقليد، وهذا الصحيح، لا يسمى الاتباع تقليدًا، فأدلة الشرع من الكتاب والسنة جاءت بلفظ الاتباع، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال كذلك جل في علاه: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. تجد اللفظ الشرعي يأتي بالاتباع والاتباع والاتباع، ولهذا اهتم العلماء قديمًا وحديثًا بلفظ الاتباع، فقالوا: تغييرها إلى لفظ التقليد هذا خروج عن اللفظ الشرعي، وهو الأصرح والأفضل والأوضح للناس، وكان فيه إيهام إيهام للناس بأن هناك سيدخل في التقليد، هل هو مخصوص بالتقليد اللغوي أم التقليد الاصطلاحي عند المتأخرين؟ فيقع الإشكال عند الناس. فقال: فالأولى والأحرى للمؤلف رحمه الله تعالى ومن أراد أن يتكلم في هذا الباب أن لا يستخدم لفظة التقليد، الأفضل يقول ما هذا الاتباع، خروج من هذه الإشكالات، وكذلك وفاقًا لكتاب الله جل وعلا بلفظ الاتباع، جاءت ذكر وتكرار ومران في كتاب الله جل وعلا. قال: ومن قبلنا لم يدعونا في لبس، وقلدتهم واسترح، ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر، وهذه الكلمات قد مر كثير منها في دروس الماضية، وشرح ما يتعلق بوجوب اتباع منهج النبي عليه الصلاة والسلام ومنهج صحبه الكرام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.