شرح السنة للإمام البربهاري 150

شرح السنة للإمام البربهاري 150

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 150، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الإعراض عن أهل البدع

يشرح أهمية الإعراض عن أهل البدع وإنكار منكرهم لزيادة الإيمان وامتثال شرع الله. يعتبر ذلك من أصول أهل السنة والجماعة.

ضوابط التعامل مع أهل البدع وإهانتهم

يجب إهانة أهل البدع وعدم تمكينهم من المناصب العليا مع مراعاة الحكمة وعدم الإسراف في الإهانة. يُستخدم اللين والعلم لإقامة الحجة عليهم.

ختام الرسالة المباركة والدعاء بالقبول والفقه في الدين

يختتم الرسالة بدعاء الله أن يفقهنا في دينه وينفعنا بما قلناه، ويطلب الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال الفضيل بن عياض: إذا علم الله عز وجل من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له وإن قل عمله، ولا يكن صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا نفاقا، ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيمانا، ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مئة درجة، فلا تكن صاحب بدعة في الله أبدا. قلنا: يا أخواني في الله، في درس الماضي هذه الفقرة الأخيرة من هذه الرسالة المباركة، وقد ذكرنا ما يتعلق بأوائل هذه الفقرة، وأنها محمولة على مسألة الولاء والبراء، وأن أهل البدع يغضون ويعادون على ما جاءوا به من التأويلات ومن المحدثات في دين الله جل وعلا، وتمام هذه العبارة في قوله رحمه الله تعالى: «ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيمانا». قلنا: وهذا هو السر في هجران أهل البدعة، أنك تعرض عنهم، وذلك حتى يسلم لك الدين ويسلم لك الإيمان، لأن الإعراض عن أهل البدع هو مما أمر الله جل وعلا به، وهذا مما يزيد في إيمان العبد، لأن الإيمان عبارة عن قول وعمل واعتقاد، فكل قول وكل عمل وكل اعتقاد أمر الله جل وعلا به وحث عليه شرع، فقمت به فإن ذلك يزيد في إيمانك. ومما جاء في الشريعة هو الإعراض عن أهل البدع، كما جاء في قول نبينا عليه الصلاة والسلام في قوله: «يا عائشة، إذا رأيت الذين يتشابهون منهم فأولئك الذين سمى الله، فإياك وإياهم»، وفي رواية: «فاحذروهم، فاحذروهم». فنبينا أمر بترك هؤلاء من المرضى وممن يتبعون المتشابه من القرآن، فهو لا حقهم أن يحذر منهم، وكونك تعمل بما أمر به نبيك عليه الصلاة والسلام هذا امتثال لشرع الله جل وعلا، ومن امتثل شرع الله جل وعلا فإن الله يزيد في إيمانه. وهذا قوله رحمه الله تعالى: «ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيمانا»، وقوله: «ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر». وكذلكم هذا يحمل على إنكار المنكر، ومن انتهر صاحب بدعة فإن صاحب بدعة هو صاحب مخالفة، ومن فعل شيء يخالف الشريعة فهذا حقه أن يزجر، وحقه أن ينهر، وحقه أن ينكر عليه. قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فهذه مراتب إنكار المنكر، فالمنكر ينبغي أن يغير أول ما يغير باليد، وذلك لمن كان عنده قدرة ومن كانت عنده سلطة. ومن المنكرات إخواني في الله المحدثات، بل مر معنا على أن المخالفات والإحداث في الدين أشد وأخطر وأعظم ضررا من المعاصي والموبيقات والكبائر، وهذا أمر يخفى على الناس، الكثير من الناس إذا رأى منكرا من المنكرات لربما تشأم منه ولربما أنكره ويشكر على هذا البذل ويشكر على هذا الإنكار، إلى أنه بالمقابل إذا رأى المحدثات وإذا رأى البدع والخزعبلات والمضلات لربما هول من أمرها وهول من شأنها، وهذا خلط في المقاييس. فقد أجمع العلماء، وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وعليه إجماع السلف والأمة على أن البدع أخطر وأشد وأشر من المعاصي والموبيقات، شر من المعاصي والموبيقات، كما ذكر ذلك العلماء في كثير من المواقع، ومما صرح بذلك شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى. لذا فالمحدثات والبدع ينبغي أن تنكر، ينبغي أن تنكر وينبغي أن تمنع وينبغي أن تغير، وكل على قدر دينه وكل على قدر قدرته وسلطته. فقال رحمه الله تعالى: «ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر»، أي له جزاء الأوفى عند الله جل وعلا، والجزاء من جنس العمل، وفيه كذلك الفضيلة العظيمة لمن نصب نفسه لأن يكون آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وخاصة في حمى حياض الدين. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مئة درجة، فلا تكن صاحب بدعة في الله أبدا». قول رحمه الله تعالى: «ومن أهان صاحب بدعة» هذه من الأصول التي عليها أهل السنة والجماعة، أنهم يكنون لأهل البدع البغض والكراهية وعدم التعظيم وعدم التوقير، بل لهم الإهانة، وذلك لما اقترفته أيديهم من التلاعب بدين الله جل وعلا. فكم من أصول دين قد تبدلت، وكم من عقائد قد تغيرت، بل وكم من نفوس قد ارتدت وانحرفت عن دين الله عز وجل، عندما جاء هؤلاء من الحدثاء من المبتدعة من الزنادق من أهل الضلال، فأخرجوا الناس عن الصراط المستقيم وجروهم إلى سواء الجحيم بما افتكرت أيديهم وبما تلقفته ألسنتهم وبما تمليه عليهم أهواءهم، فظلوا الناس عن سواء السبيل. فهل هؤلاء حقهم أن يبجلوا أو يعظموا أو يبقروا؟ كلا والله ليس لهم ذلك، ولهذا أجمع العلماء على هذه المسائل. يقول إمام الصابوني رحمه الله تعالى في كتابه عقيدة السلف: لما أصبح يعدد ويذكر عقائد السلف ذكر هذه العقيدة، قال رحمه الله تعالى: واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم والتباعد عنهم. هذا القول ليس قول لشخص معين، بل هذا إجماع واتفاق الأمة على أن يتعامل أهل البدع بشتى أنواع الإهانة. قال رحمه الله تعالى: واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم والتباعد عنهم، فهذا الذي ينبغي عبد الله أن يتعامل المسلمون مع أهل البدع بهذه المعاملة. لأن هذا الذي يلق بهم يلق بهم من سوت له نفسه أن يضيع دين الله جل وعلا، فحقه في الدنيا أن يضيع، لا يؤبه له ولا تكترث به ولا ترفع له رأسا ولا تلقي له بالا. وكان السلف رحمه الله تعالى على هذا المنوال، وهذا قد مر معنا كثيرا، كيف كان أهل السنة والجماعة تفانونا في إهانة أهل البدع. ذكر من ذلك ما ذكره اللالكائي رحمه الله تعالى: أن طاوس بن كيسان اليماني عندما كان يطوف بالبيت لقي معبد الجهني وهو رأس من رؤوس أهل البدع، لقي معبد الجهني فقال له طاوس: أأنت معبد؟ قال: نعم أنا معبد. فقال: يا أيها الناس هذا معبد فأهينوه، هذا معبد فأهينوه، أمر بإهانته، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة أن يجعلون الذل والهوان لأهل البدع. بل هذا هو صريح السنة، قال عليه الصلاة والسلام: «وجعل الذل والصغار لمن خالف أمري»، فكل من خالف أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، وأعظم المخالفة المعاندة أن تعاند سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، يأمرك النبي بأمر كونك لا تفعل هذا الأمر، هذه مخالفة، لكن أقبح أقبح من ترك المخالفة أنك تعاند هذا الأمر بأمر آخر. تقول بلسان حالك أو بلسان مقالك: أنت يا رسول الله تقول هذا القول وأنا أقول بهذا القول، نبينا عليه الصلاة والسلام مثاله شرع لنا شرع، مثال في الأعمال السلوكية شرع لنا أذكار وأوراد أن تذكر وتؤتى في أماكنها، أذكار قبل الصلاة أذكار بعد الصلاة أذكار عند الأذان أذكار كذا، فيأتي أحد الناس لا يترك هذه الأذكار بل يعاند، يقول: لا بل لي أذكار أفضل من أذكار نبيك عليه الصلاة والسلام، فيأتي بذكره ويأتي بورده، هذه معاندة، بل هذه مشاقة ومصادمة لأمر نبينا عليه الصلاة والسلام. وقسها عبد الله حال المبتدعة، فإن المبتدعة هذا أمر بخلاف العصاة، العصاة يتركون الأوامر، لكن أهل بدع ماذا؟ يؤمرون بأوامر تصادم الشريعة، فهي طريقة تضاهي الشريعة، ومن هنا كان شؤم المبتدعة أخطر أعظم من فعل أهل المعاصي ومن فعل أهل المجون، وها كان حقهم أن يذلوا وأن يهانوا وأن يقصوا كما قال علماء رحمه الله تعالى. ويقول علماء: أن صور الإهانة كثيرة جدا التي نستخدمها في إهانة المبتدعة، من ذلك يقول علماء: عدم المجالسة في مجالسهم وعدم التكثير من سوادهم، وهذا لابد منه، فما يجوز بحال، وقد مر مع عبارات السلف الناهية عن الجلوس مع أهل البدع، فإن هذا السبب لمقت الله جل وعلا لمن جائس أهل البدع. وكذلك عدم الحفاوة وعدم البشر وعدم السرور والفرح باستقبالهم، فهذا ليس لهم ولا ينبغي لمسلم أن يقع في قلبه شيء من هذا الاحترام والإجلال لأهل البدع. يذهب العلم أنه لا يجوز ولا ينبغي أن تطلق الألقاب الحسنة لهم، فلا تزكيهم ولا تمدحهم، تقول: وهذه مقالة قال بها الشيخ الفلاني الحبيب العلامة الحبر، وأنت تعلم أنه مبتدع، فلا يستحق هذه الألقاب، فلا تزكيه، وكذا لا ترفع بمدحه ولا تطري عليه. وإنما تذكره باسمه، بل حتى من أهل العلم قال: أن أهل البدع لا يكنون، لا تكنيه بكنيته، لأن الكنية فيها نوع مدح ونوع إطراء، فبل تذكره باسمه: فلان، معبد الجهني، جعد بن درهم، بشر المريسي، تذكره هكذا من غير ألقاب ولا كنى، فهذا أمثل احتقارا له وأمثل إهانة له. وعلى هذا كان عمل سلفنا الصالح، وهكذا قال العلماء: من صور إهانتهم أنك لا تمكنهم من المناصب الكبرى العليا، لأنك لها نفوذ، فلا يمكنون، ومن مكن أهل البدع فإنك يا عبد الله سترى الويلات والويلات، ويكفي عبرة لأهل الإسلام ما مضى في تاريخ الأمة: كيف أن بعض الأمراء عندما لم يتفطنوا لشؤم المبتدعة وإلى خطر المبتدعة، فعندما مكنوهم من بعض الولايات ومن بعض المناصب، ما الذي أحدثوه للإسلام والمسلمين؟ خانوا المسلمين وخانوا الإسلام، ومكنوا لأتباعهم ومكنوا لأهوائهم أن تسيطر على بلاد المسلمين. ما الذي وقع في زمن العباسيين عندما مكنوا المعتزلة؟ ما الذي فعلوا في رقاب المسلمين؟ وما الذي وقع عندما مكن الروافض؟ ما الذي فعلوا لبلاد المسلمين؟ فلا تسل عبد الله، فحدث ولا حرج عن المآسي والمخازي والويلات والظلمات التي تقع على بلاد المسلمين إن مكن من أمثال هؤلاء، فلا يمكنون، وإنما يبعدون. أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه عندما استعان بكاتب النصراني بكاتب النصراني، فنهره عمر رضي الله تعالى عنه: أنك كيف تمكن لنصراني؟ ألم يكن حنيفيا من المسلمين؟ فقال أبو موسى: يا عمر، لي ما كتب عليه دينه، أنا ما أريد شيء من دينه، أريد كتابة لأنه رجل حرف وثقف، صاحب كتابة، وقال: لي كتابته وعليه دينه. فقال عمر: لا والله لا أقربهم بعد أن أبعدهم الله، ولا أرفعهم بعد أن أهانهم الله. فمن كان مهانا في الدين لا يرفع، فإن كنت يا عبد الله على هذا الحال فلا تمكن لأمثال هؤلاء، وغير ذلك من صور الإهانات التي ينبغي أن تسلك مع أهل بدع، ومن كان عنده قدرة وسلطة، فإن استطاع ماذا؟ أن يطبق فيهم الحدود الشرعية، فعلا، كأن يضربوا من عنده قدرة، كما فعل عمر رضي الله تعالى مع صديق، ضربه وضربه حتى سالت دم من رأسه. بل هذه فتوى الشافعي رحمه الله تعالى في عبارته المشهورة: حكمي في أهل كلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ثم قال في آخر مقولته: ويقال هذا حكم من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام. فكان من أقوال سلفنا أن من كان عنده سلطة في ضرب هؤلاء يضربوا، كذلك إن استطاع عبد الله أن يحبس يحبسوا، كما فعل الأئمة في زمن الأول، عندما حبسوا الحلاج ثم قتل بعد ذلك. ومن كان عنده سلطة وقدر على أن يقتلهم يقتلهم ليريح الناس من شرهم، كما فعل خالد بن عبد الله القسري مع جعد بن درهم عندما قتله، وهكذا يا عبد الله لابد لأهل بدع يعرف من هم، وأنهم شر على الأمة، وأنهم قد أضروا في دين الله أيما إضرار. فهذا إخواني في الله فيما يتعلق بإهانة أصحاب بدع، مع التنبيه قلنا إخواني في الله: لأن الإهانة وإن كانت أمر مشروع قد جاء ذكره من أقوال سلفنا وعليه عقيدة أمتنا، لكن ينبغي أنك عند الإهانة أن تستخدم الإهانة بما لا يخرجك عن الهجر الجميل، فإن بعض الناس لربما يتجاوز أمر الإهانة لأن يبلغه إلى ما لا تحمد عقباه. فقلنا: وقد وجد هذا معمولا عند بعض الناس ممن يتفطن لدين الله عز وجل، يرى أن الإهانة أن بابها مفتوح، أن بابها مفتوح لأي صورة أو في أي صورة، فتجد يأتي من يأتي ويبصق في وجه المبتدع، هذا ما يجوز، أو يرطم في وجهه هذا لا يجوز، أو أنك تؤذي في صلاته كما قلنا وقع هذا عند بعض الناس يصلي عند بعض المخالفين، وفي أثناء الصلاة وهو يتزاحم معه، هذا منكبه وذاك منكبه، هذا منكبه، أي شخص يقول: هذا أهينه، أي شخص يهان، هذا ضيعة للصلاة، هذا ليس من الإهانة الذي عليه عمل سلفنا الصالح. أو أنك تستبيح عرضه، تسبه وتلعنه، وقد سمعنا من بعض من لم يفقه في دين الله في مثل هذه الأزمان أنه يلوغ ويولوج في أعراض المسلمين، وإن كان من المخالفين، يسميه بأسماء الحيوانات وأسماء الدواب وأسماء الحشرات، تقول: ما هذا يا عبد الله؟ يقول: هذا إهانة، هذا ليس إهانة، هذا إثم، هذا إثم، فما يجوز ولا تنابز بالألقاب. سمعنا الألقاب التي تقشعر منها الأبدان، هذا ككلب، هذا كحيوان، هذا كحمار، أي شخص يقول: هذا إهانة، هذا ليس إهانة، ما كان عليه عمل سلفنا الصالح، ليس المؤمن بالطاعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء، تريد أن تهين أهين عبد الله المخالفين، لكن بما جاء به شرع، وكل على قدر بدعته وكل على قدر مخالفته، لا تساوي، لا تأتي لفعل عمل سلفنا الصالح مع رأس مرؤوس، ثم تطبق هذه الإهانة مع ذنب لا ما فعل شيئا، أو أنك تطبق ما فعله السلف مع رجل داعية، تطبق هذه المعاملة مع رجل ليس بداعية، هذا ما يستوي. أو فعل فعله سلفنا الصالح مع رجل وقع في كبيرة مكفرة، ثم تطبق هذه الأفعال والسلوكيات على من فعل كبيرة ليست مكفرة، بل خلاف فقهي أو خلاف شخصي، هذا ما يمكن، فلا تقيس يا عبد الله، وهذا من سوء الفهم في انزال عبارات السلف وأقوال السلف، فلابد أن تراعي مثل هذه المسائل. فالإهانة وإن كانت مطلوبة من المخالف، لكن بمقدار، بمقدار الشرع، ولا تجاوز الشرع بذلك، فهذا الذي ينبغي إخواننا في الله في هذا الباب. وقبل هذا وذاك، قبل يا عبد الله، أمر الإهانة، إهانة المبتدعة وهجر المبتدعة، لا تجعلها عبد الله هي الطريقة الأوحد أو السبيل الوحيد للتعامل مع البدعة، لا، إنما هذه المقولات الواردة عن سلفنا الصالح تفعل فيما لا يرجى خيره، لمن لا يرجى خيره، للمعاند، لمن تصدر للمخالفة، دين الله عز وجل، من كان رأسا، من كان داعيا. لكن هناك ما هو دون ذلك، هناك أشياء ما دون ذلك، من ذلك قبل الإهانة من قبل كذلك الهجر، هناك ما يقال: المعاملة الحسنة، عل وعسى أن بهذه المعاملة الحسنة مع المخالف، لعلها تفتح لك باب خير، أظلم أن تقحمك في باب ليس له مرد، بعد ذلك ماذا فعل نبينا مع اليهود والنصارى؟ نعلم أعداء الدين، لكن كان نبينا قبل أن يستخدم معهم هذا الأسلوب، ماذا؟ من تركهم وإبعادهم وإقصائهم، استخدم أسلوب اللين. دخل نبينا كما في البخاري على رجل يهودي على رجل يهودي كان على سكرات الموت، حتى جلس على رأسه فقال له: أسلم، أسلم. فقال هذا اليهودي: ونظر لأبيه معنا أشهد أفعل؟ فقال هذا اليهودي الأب لابنه الذي في سكرات الموت: أطع أبا القاسم. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فمات على الإسلام. فقال جنبيه مستبشرا قائلا: الحمد لله الذي أنقذه من النار، بيه أو كما قال عليه الصلاة والسلام. هذه معاملة تختلف، تطرق إلى الشدة من أول وهلة، العمود، ومتأتي بما أورد عن السلف في هذا الباب، لا يجعل هذه الألفاظ والعبارات والمقالات فيمن هذا أمر للمعاند، للمشاكس، لمن لا يرجى خيره، لكن في أول وهلة، عندك صبر، عندك قرابة، عندك صداقة، عندك أسلوب، عندك قدرة على جذب هؤلاء، جذبهم بما تستطيع. وكذلك هناك طريقة ثانية، كذلك العلم والتوجيه، إقامة الحجة، ابن عباس رضي الله تعالى عنه لما سمع بأمر الخوارج، ستة آلاف خارجي، هل تركهم من أول وهلة؟ لا، استأذن علي بن أبي طالب أن يناظرهم أن يناقشهم أن يعلمهم أن يرشدهم، ففتح له المجال، فناقش، ناقش بالمناقشة العلمية الصحيحة، حتى كانوا ستة آلاف، قال: منهم أربعة آلاف يرجع خيرهم. فأخواني في الله، فبعض الناس ربما في التعامل ما يرى إلا هذا السبيل، لا، يا عبد الله، هناك سبل، فلهذا من أهل العلم قال لك: أنك تزور أهل بدع، لك أن تجلس مع أهل بدع، إذا كان ذلك بقصد ماذا؟ التأليف، إذا كان بقصد التأليف، وعندك قدرة وعندك سلطة عليه، وعندك أسلوب في جذبه، ففعل هذا يا عبد الله. أما أن تغلق الأبواب من أول حال، فإذا ما سيبقى أحد مع السنة، لأن القصد الترك، وقصد الهجر، وإنما تفتح قنوات لمن يرجع خيره، وهذا أخواني ما يتأتي إلا من تفقه في دين الله، ويعرف أنماط المخالفين، ويعرف طرق المخالفين، ويعرف كذلك مقامات المخالفين، هناك الرأس وهناك الذيل، هناك الداعية وهناك غير الداعية، هناك البدع المغلظة وهناك البدع غير المغلظة، هناك البدع المكفرة وهناك ما دون ذلك. فهذا أسأل مولاي جل وعلا أن يفقهنا في دينه سبحانه وتعالى. وبهذا إخواني فلقد انتهينا من هذه الرسالة المباركة، فأسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.