كتاب الأيمان والنذور 6

كتاب الأيمان والنذور 6

الدرس في كتاب الأيمان والنذور 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب القضاء: تعريفه ومشروعيته وفضله وخطره وشروط القاضي

يُعرّف القضاء لغةً واصطلاحاً وتثبت مشروعيته بالقرآن والسنة والإجماع، مع بيان فضله العظيم في نصرة المظلوم وخطر وزره على المقصرين. ويشترط في القاضي أهلية العلم والأمانة، وقد حدد علي بن أبي طالب خمس خصال ضرورية هي العفة والحلم والعلم والمشاورة والثبات على الحق.

شروط تولية القاضي وآدابه وقاعدة رد المحدثات

يستعرض المقطع شروط تولية القاضي الثمانية وآلية تقديم الأصلح عند عدم توفرها، مع تفصيل آداب القاضي في العدل بين الخصوم. ويؤكد على قاعدة رد المحدثات المستنبطة من حديث عائشة، وأن حكم القاضي المخالف للسنة مردود.

مناقشة حديثي هند بنت عتبة وأم سلمة في أحكام القضاء

يناقش المقطع حديث هند بنت عتبة في أخذ النفقة من مال زوجها الشحيح والخلاف في كونه قضاءً أو فتوى، مبيناً جواز الأخذ بالمعروف. ويستعرض حديث أم سلمة محذراً من الحكم بالظاهر، وأن قضاء الحاكم لا يغير حقيقة الحلال والحرام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول باب القضاء، وقلنا: القضاء في اللغة يأتي بمعنى الفراغ من الشيء، وهكذا الإحكام، يقال: قضاء يقضي قضاء إذا حكم وفصل. وأما في اصطلاح أهل العلم، فالقضاء هو: تبيين الحكم الشرعي، تبيين الحكم الشرعي والإلزام به، وفصل الخصومات، وقطع النزاعات. وسُمّي القضاء حكماً؛ قالوا: لما فيه من منع الحكم الشرعي الظالم، وهو مأخوذ من الحكمة التي توجب وضع الشيء في موضعه الصحيح، في موضعه الصحيح. والقضاء كما سبق معنا دل على مشروعيته آيات القرآن، وأحاديث السنة، وهكذا إجماع علماء الأمة. أيضاً القياس الصحيح يقتضيه، القياس الصحيح يقتضيه؛ فأمر الناس لا يستقيم بدون القضاء، فالحقوق تضيع، والظلم يشيع، وهكذا تحصل من المفاسد وتعم الفوضى في البلاد وبين العباد. والقضاء يعتبر من الأمور العظيمة التي تقرب من الله تبارك وتعالى، فكم فيه من نصرة المظلوم، وإقامة الحدود، وإعطاء كل مستحق حقه. كذلك أيضاً ما يكون من الإصلاح بين الناس، وهكذا أيضاً قطع المخاصمات والمنازعات لكي يستتب الأمن ويقل الفساد في الأرض. ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ﴾، ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ﴾. وهكذا أيضاً مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا الأنبياء قبله، كانوا هم الذين يتولون القضاء. النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً، وبعث معاذاً وغيرهما إلى اليمن قضاة. وهكذا كان الخلفاء يقضون بين الناس، يقضون بين الناس. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لأن أجلس قاضياً بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة، أحب إلي من عبادة سبعين سنة». ونقل ذلك الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى. وقد ذكر الإمام ابن قدامة ما يدل على فضل القضاء، قال رحمه الله تعالى: «قال: وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداء الحق فيه. قال: ولذلك جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ؛ ولأن فيه أمراً بالمعروف، ونصرة للمظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، وردعاً للظالم عن ظلمه، وإصلاحاً بين الناس، وتخليصاً لبعضهم من بعض. قال: وذلك من أبواب القرب، أي: الأمور التي تقرب إلى الله تبارك وتعالى. قال: ولذلك تولاه النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم». إلى أن قال رحمه الله تعالى: «قال: وفيه خطر عظيم، فيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤدي الحق فيه. قال: ولذلك كان السلف رحمة الله عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم خطره، ويخشون على أنفسهم خطره». وكما جاء عن سفيان الثوري وغيره عجائب في الفرار من تولي القضاء، من تولي القضاء، وكل ذلك خوفاً من عدم أداء الحق فيه، والوقوع في هذا الخطر والوزر الكبير. ومر معنا حديث عبد الله بن بريد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار». قال: «رجل علم الحق فقضى به»، قال: «فهو في الجنة». «علم الحق وقضى به»، قال: «فهو في الجنة». «ورجل قضى للناس على جهل»، قال: «فهو في النار». «ورجل جار»، أي: لم يعدل، ظلم، «ورجل جار في الحكم»، قال: «فهو في النار». والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح الجامع. وجاء كذلك عند أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين، فقد ذبح بغير سكين». وهكذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح الجامع. ومر معنا أنه لا يجوز للمسلم أن يسعى، وأن يستشرف، وأن يطلب القضاء، وأن يطلب القضاء. في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم ستحرصون على الإمارة». وهذا يا إخوان هو الحاصل في كثير من المجتمعات، وعند أكثر الناس: الحرص على الولايات وعلى الإمارات. قال: «وستكون ندامة يوم القيامة». لكن يا إخوان، كما قيل: «حبك الشيء يعمي ويصم، يعمي ويصم». بسبب حب الرئاسات والولايات وتولي المسؤوليات، لربما، لربما يغفل الكثير عن المخاطر التي تحف هذه الولايات وهذه المسؤوليات، ومنها القضاء، ومنها القضاء. وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها». وقلنا: معنى «وكلت إليها» أي: لم تعن على القيام بها. وإذا لم يعن الله عز وجل العبد كان عرضة لي... لآماذا... لي الخسارة والفشل، والفشل. قال: «وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، أعنت عليها». وقد ذكر العلماء أن الناس مع القضاء على أحوال مختلفة. بعض الناس يا إخوان يجب عليه أن يقبل القضاء إذا عرض عليه، يجب عليه. متى يكون ذلك؟ قالوا: إذا كان هو من أهل العلم والأمانة والاجتهاد، وليس هناك من يصلح للقضاء غيره. بحثوا، ما وجدوا إلا جاهلاً، وإلا فاسقاً، وإلا خائناً، وغيرهم ممن لا يصلح لتولي القضاء. قالوا: هنا يجب على الإمام أن يوليه القضاء، ولا يجوز له أن يمتنع، ولا يجوز له أن يمتنع؛ لأن القضاء كما مر معنا يعتبر من فروض الكفايات التي متى ما قام بها البعض سقط الإثم والحرج عن الآخرين، وإذا لم يقم بها أحد أثم من كان مستطيعاً على القيام بذلك. الحالة الثانية: قالوا: هناك من لا يجوز له أن يتولى القضاء، أن يتولى القضاء، فلا يصلح له أن يكون قاضياً. وهذا في حق من ليس عنده أهلية للقضاء، كأن يكون جاهلاً أو فاسقاً، أو غيرها من الأمور التي تمنع من... ماذا؟ من أن يتولى مثله القضاء، كما سبق معنا في شروط القاضي، في شروط القاضي. الحالة الثالثة: قالوا: يجوز له، أي: يجوز له أن يتولى القضاء، ولا يجب عليه، أي: قبول المنصب، منصب القضاء. وهذا في من كان أهلاً للقضاء، لكن يوجد غيره كذلك ممن يصلح للقضاء، يوجد غيره ممكن يقوم بهذا الأمر ويؤدي هذا الواجب، ويؤدي هذا الواجب. وسبق معنا يا إخوان الكلام حول شروط القاضي، شروط القاضي. جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «لا ينبغي أن يكون القاضي قاضياً حتى تكون فيه خمس خصال، حتى تكون فيه خمس خصال». قال: «عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، والخامس قال: لا يخاف في الله لومة لائم، لا يخاف في الله لومة لائم». إذن: عفيف، حليم، عليم بما كان قبله، الرابعة: يستشير ذوي الألباب، الخامس: لا يخاف في الله لومة لائم. وهذا الأثر ذكره ابن قدامة في المغني، وعلّق العلامة الألباني رحمه الله تعالى بقوله: «لم أره لعلي». الألباني في الإرواء يقول: «لم أره لعلي». وأخرج البيهقي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، يقول: «أخرج البيهقي نحوه»، أي: نحو هذا الأثر، لكن عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. وسبق معنا ذكر مجموعة من شروط القضاء، فمن يأتي بشيء منها؟ نعم: مسلم، عاقل، بالغ، أن يكون حراً، أن يكون من أهل الاجتهاد للتقليد، أن يكون عدلاً، أن يكون... أحد... من ذكراً أو رجلاً. نعم، بقي شيء. ذكرنا ثمانية شروط، هذه الشروط التي... ماذا اشترطها العلماء في القاضي؟ أحياناً يا إخوان تبحث في المجتمع عن شخص تتوفر فيه هذه الشروط مجتمعة فلا تجد، فما هو الحل؟ الحل يا إخوان كما ذكر العلماء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال: وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، يعني: إذا وجدت كلها فبها ونعمة، لم توجد كلها فماذا نحاول أن... ماذا... أن ننظر في أكثرها؟ قال: وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل. قال: قال فيولى لعدمي، أو فيولى للعدم أنفع الفاسقين. إذا لم يكن هناك عندنا عدل، الموجودون فسقة، ماذا نعمل؟ هل يبقى البلاد بدون قاض؟ الجواب: لا. إذا لم يوجد القاضي عمت الفوضى، وأخذت الحقوق، وكثرت المظالم. لكن... أخفوا الضررين، أخفوا الضررين. قال: فيولى للعدم، أي: بدلاً من أن لا يكون هناك قاض، ننظر أنفعوا الفاسقين وأقل لهما شراً. قال: وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد». أكد ذكر، وذكر نحوه كذلك العلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى. ومما ذكر كذلك أيضاً في من يتولى القضاء ما ذكره ابن قدامة، قال: «ينبغي أن يكون القاضي قوياً، ليناً، أميناً، حليماً، متأنياً، ليس عجولاً. قال: وإنما متأنياً ذا يقظة، لا يؤتى من غفلة، ولا يخدع لغرة، صحيح السمع والبصر، عفيفاً، نزهاً، ورعاً، يستشير أهل الصلاح، لا يخاف في الله لومة لائم. قال: وله أن ينتهر الخصم ويعزره إذا احتاج إلى ذلك، إذا احتاج إلى ذلك». وذكروا كذلك أيضاً في آداب القاضي، آداب القاضي. وممن ذكر ذلك أيضاً الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى. وكتاب ابن قدامة المغني يعتبر من أنفس الموسوعات فيما يتعلق بالفقه، فيما يتعلق بالفقه، ولاسيما المذاهب وأقوال العلماء وغير ذلك. ذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى، وكلامه في المغني في المجلد الرابع عشر من ذلك الكتاب النفيس، قال رحمه الله تعالى: «قال: على القاضي، على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء، العدل بين الخصمين في كل شيء: في المجلس، والخطاب، واللحظ، النظر، واللفظ، والدخول عليه، والإنصاف إليهما، والاستماع منهما. قال: وهذا قول شريح وأبي حنيفة والشافعي. قال: ولا أعلم فيه مخالفاً، ولا أعلم فيه مخالفاً». يعني: هنا القاضي ينبغي بل يجب أن يعدل بين الخصوم، بين الطرفين، سواء في المجلس: ليس يجلس هذا بجانبه والآخر يجلس هناك، لا، ساوِ بينهم في المجلس. وهكذا في الخطاب: ليس «يا سماحة الوالد وسعادة الشيخ»، وأنت «يا خسيس اسكت»، لا، عدل في ماذا؟ في الخطاب. وهكذا في اللحظ: ماذا؟ اللحظ، الملاحظة بالعين، ماذا؟ ينظر لهذا بعين طيبة، وذاك يجعل عينه حمراء إذا نظر إليه يخيفه، لا، يعدل بينهما. وهكذا في اللفظ، في الألفاظ. وهكذا في الدخول عليه: ماذا؟ يسمح لهذا بالدخول متى شاء، وذاك يأمر الحارس أن يمنعه من الدخول، لا، اعدل بينهم. وهكذا في الإنصات إليهما والاستماع منهما. لكن نص جماعة من أهل العلم أنه يشرع للقاضي أن يرفع المسلم على الذمي، من هو الذمي؟ أن يرفع المسلم على الذمي، من هو الذمي؟ يا أبا طاهر، من هو الذمي؟ المسلم معروف، الكافر الذي يعيش في بلاد الإسلام: يهودي، نصراني، وغيره، يعيش في بلاد الإسلام، يقول لهم أهل الذمة، يدفعون للمسلمين الجزية وغير ذلك. قالوا: يجوز أن يرفع القاضي، يرفع المسلم على الذمي عند... عند... عند التحاكم، إذا حصل خصام بين مسلم وذمي، لا بأس، يعز المسلم، يقربه منه، ويبعد ذاك. فهذا رُخّص فيه جماعة من أهل العلم، رخصوا في مثل هذا. والمصنف رحمه الله تعالى استفتح أحاديث باب القضاء بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، قال رحمه الله تعالى: «قال: باب القضاء. قال: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ﴾، ﴿ فَهُوَ رَدٌّ ﴾. قال: وفي لفظ: ﴿ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ﴾». وهذا الحديث يعتبر من الأحاديث العظيمة الجامعة، قال فيه العلماء: «هذا حديث جليل، وأصل عظيم في الشريعة، وقاعدة من قواعد الإسلام العظمى، وهو يعتبر من الأحاديث التي مدار الإسلام عليها، من الأحاديث التي مدار الإسلام عليها، فهو يعتبر ميزاناً ظاهراً للأعمال وقبولها». وذكر النووي رحمه الله تعالى قائلاً ومعلقاً على هذا الحديث: «قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، ومن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم». ونقل هذا عنه العلامة البسام رحمه الله تعالى كما في تيسير العلام. وهكذا نقل عنه أنه قال: «فإنه، أي: هذا الحديث، صريح في رد البدع والمحدثات». وهكذا نقل عنه أنه قال: «وفيه دليل على من ابتدع في الدين بدعة لا توافق الشرع، قال: فإثمها عليه، وعمله مردود عليه، وأنه يستحق الوعيد». ونقل كذلك أيضاً عن شيخه العلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى أنه قال: «ووجه مناسبة هذا الحديث لهذا الباب: أنه إن تبين حكم القاضي مخالف لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يرد حكم القاضي. إذا تبين أنه مخالف لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يرد... ماذا يرد؟ حكم القاضي. قال: وأن القضاء يترتب على أحكام الشرع، فلا يلتفت إلى ما يحدثه القضاء. القاضي مأمور أن يحكم بين المتنازعين والمتخاصمين بحكم الله عز وجل وحكم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهنا في هذا الحديث بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن كل أمر ليس من شرع الله تعالى، وكل عمل لا يقوم على أمر الله، فإنه يعتبر مردوداً باطلاً، لا يعتد به ولا بما يترتب عليه». فهذا يا إخوان كما سبق من جوامع الكلم التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم، يتكلم بالكلام القليل الذي يحمل المعاني الكبيرة والكثيرة، الكثيرة. وكلامه عليه الصلاة والسلام يعتبر مقياساً لجميع الأمور والأعمال، فما كان منها على مراد الله وشرعه فهي تعتبر مقبولة، وما كان على غير أمره ولا شرعه فإنها تعتبر مردودة. ولهذا ذكر العلماء أن للأعمال، وهكذا للعبادات ميزانين: ميزان ظاهر، وهو ما جاء في حديث عائشة هذا الذي بين أيدينا، وهناك ميزان باطن، وهو ما جاء في حديث من؟ الميزان الباطن، نعم يا بتميم، أحسنت: في حديث عمر بن الخطاب، ألا وهو: ﴿ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ﴾. فصحة العمل وفساده على حسب نية صاحبه، ﴿ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ﴾، أي: يجازى على حسب نيته، إن كانت صالحة أو كانت فاسدة، أو كانت فاسدة. وهذا الحديث الذي بين أيدينا يستفاد منه ماذا؟ يستفاد منه: نقض الأحكام الباطلة، وهكذا رد الجور، ردوا الأحكام الجائرة، فإنها ترد ولا يعتدوا بها، ولا يعتدوا بها. وقد اهتم العلماء بهذا الحديث، وأنه يدخل في جميع الأبواب الفقهية. قال رحمه الله تعالى: «قال: عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح». قلنا: إيش معنى شحيح يا سيد؟ وماذا يسمى هذا؟ بخيل، بل شديد البخل، يقال له: شحيح، شديد البخل، يقال له: شحيح. قالت: «لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه». ما يعطيهم مصروفاً ونفقة إلا ما تأخذه منه وهو لا يعلم بذلك، وهو لا يعلم بذلك. قالت: «فهل علي في ذلك من جناح؟» يعني: هل علي إثم؟ هل علي حرج؟ هل علي ذنب إذا فعلت ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك، ويكفي بنيك». وهذا الحديث يدخل في أبواب كثيرة، وحسبنا أن نركز على ما يتعلق ببابي القضاء. فما هو الشاهد من إيراده ها هنا؟ لماذا المصنف رحمه الله أورد هذا الحديث في كتابي القضاء؟ يا أبا خان، ها، فكر: مناسبة إيراد الحديث في بابي القضاء. سعيد يرفع، وأبو فواز يرفع، ومن يرفع أيضاً ترفع يا أبا سعيد، فضل... ها، هذا سيذكر في بابي كتاب النفقات، لكن نحن في باب القضاء، نحن في باب القضاء يا إخوان. نعم يا محمد، أحسنت، هذا هو الشاهد يا إخوان. قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند: ﴿ خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ ﴾. لكن هذا من الأمور التي اختلف فيها العلماء: هل هذا الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم من باب القضاء، أو من باب الاستفتاء؟ هل هو قضاء وحكم، أم أنه فتوى؟ ويترتب على هذا الخلاف يا إخوان ما يلي: أولاً: إذا قلنا أنه قضاء، يعني: قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المرأة وزوجها، فهذا يستدل به على جواز الحكم على الغائب. أين أبو سفيان؟ حاضر؟ الجواب: لا، غائب. قالوا: هذا دليل على جواز الحكم على الغائب. وعليه، أي: على أنه حكم، وأنه حكم على غائب، قال العلماء: لا يجوز لغير هند أن تستقل بنفقة أولادها من غير علم زوجها إلا بإذن القاضي، مثل ما فعلت هند. واضح يا إخوان؟ على القول بأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم قضاء، يعني: لا يجوز لغير هند أن تعمل بهذا إلا بعد الرجوع إلى القاضي، تأخذ حكماً من القاضي ثم تأخذ من مال زوجها. وعلى الأمر الثاني: أنها جاءت تستفتي، «يا رسول الله، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز أن آخذ أو لا يجوز لي الأخذ؟» وهذا هو الأقرب يا إخوان، أنه من باب الفتوى، وليس من باب القضاء. فعلى هذا ليس فيه دليل على جواز الحكم على الغائب، على الغائب. وعليه يجوز... آماذا للمرأة التي حالها كحالي هند، زوجها لا يعطيها نفقتها أو نفقة أبنائها، أن تأخذ من ماله وهو لا يعلم، لكن بالمعروف، لكن بالمعروف. وكما سبق: الأقرب أنها فتوى، وليست قضاء، وليست قضاء. وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث في هذا الباب، في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «قال: عن أم سلمة رضي الله عنها». ما اسمها يا أبا مصطفى؟ ما اسمها أم سلمة؟ هذه أمنا، هذه أم المؤمنين جميعاً، وأزواجه أمهاتهم. ما اسمها؟ أه، لا، وإن شئت أخبرتهم بما قلت، لكن من ستر مسلماً ستره الله. يا أبا... يا أبا محمد، طيب، أحسنت. نعم، أبو جعفر يرفع. يا أبا الفاروق: رملة؟ لا، تلك أم حبيبة. أبو حذيفة يرفع. نعم، هند... هذا من الذاكرة أو من الكتاب سجل؟ طيب، لا بأس. هند بنت من؟ نعم، هند أو هند بنت أبي أمية المخزومية. قال: «عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع... سمع جلبة، أو جلبة خصم بباب حجرته، بباب حجرته». وقوله: ﴿ سَمِعَ جَلْبَةَ خَصْمٍ ﴾، أي: سمع اختلاط أصوات بسبب خصوم حاصلة بينهم، بينهم، بينهم. وهنا «جلبة»، وفي بعض روايات الصحيح جاء بلفظ «لجبة»، وهما لغتان فصيحتان، يقال: جلبة، ولجبة. قال: «فخرج عليهم، فقال: ﴿ أَلَا إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبَ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِيَ لَهُ ﴾. قال: ﴿ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ، مِنْ نَارٍ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ لِيَذَرَهَا ﴾، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ لِيَذَرَهَا». وهذا الحديث يا إخوان فيه موعظة الإمام والقاضي للمتخاصمين، وهكذا أيضاً فيه الحكم بالظاهر، الحكم بالظاهر. وذكر العلماء أن هذا الحديث فيه: أن حكم الحاكم لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، ولا كذلك أيضاً يحرم حلالاً. البعض يعرف أنه ظالم، ويقضي له الحاكم والقاضي بالظلم والجور، فهل هذا الحكم يجيز له أن يأخذ هذا الذي لا يستحقه؟ الجواب: لا، يبقى الباطل باطلاً، والحرام حراماً، والحق حقاً. وإذا لم تؤد الحقوق في الدنيا، وإذا لم يفصل بين الخصومات ويقطع في النزاعات في الدنيا على الوجه المطلوب وهو العدل، فليعلم أن هناك محكمة أخرى تكون يوم القيامة، ولا يظلم ربك أحداً، إلى الديان يوم الدين. نمضي، وعند الله تجتمع الخصوم، وعند الله تجتمع الخصوم. والفرق يا إخوان: أن اليوم في الدنيا ممكن مسامحة وعفو، ممكن أن ترد الحقوق دنانيراً ودراهم، لكن في يوم القيامة ليس إلا الحسنات والسيئات، ليس إلا الحسنات والسيئات. وهذا الحديث اجتمل على فوائد كثيرة، ومنها: إجراء الأحكام على الظاهر، وأن الله تعالى هو الذي يتولى السرائر، هو الذي يتولى السرائر. وفيه يا إخوان: أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾. وهذا الحديث يا إخوان فيه تسلية للقضاة والحكام: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد يحكم للشخص على حسب حجته وبيانه، وقد يكون ظالماً لغيره، فغيره من بابي أو لا؟ فغيره من بابي أو لا؟ طيب، نكمل ما تبقى من الأحاديث في الدرس الماضي، أو في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، مع ما يتعلق بكتابي الأطعمة. أفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. الله أكبر. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.