الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور أن أصل الشرك يكمن في التشبيه بين الخالق والمخلوق، مما يؤدي لإعطاء غير الله خصائص الربوبية أو منازعته فيها كفرعون. كما يوضح أن دعوة الأموات والأصنام للتوسل والشفاعة هو شرك المشركين القائلين ﴿ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴾، وظن عدم استجابة الله إلا بواسطة هو ظن السوء الذي لا يغفره الله.
ينقل المحور كلام ابن القيم في الرد على من يظن أن الله لا يسمع الدعاء إلا بواسطة، مبيناً أن هذا ينفي كمال علم الله أو جوده وإحسانه. ويؤكد أن الله قريب مجيب الدعاء بغير واسطة، وأن اعتقاد الحاجة للأولياء للشفاعة هو من الشرك الواقع قديماً وحديثاً.
يوضح المحور أن ظن حاجة الله إلى وسطاء للاستجابة هو إساءة ظن عظيمة وكفر بنعمته، مستدلاً بالآيات وكلام ابن القيم. ويبين الفرق بين الله الغني عن خلقه والملوك المحتاجين للوسائط، مؤكداً وجوب حسن الظن بالله السميع المجيب بغير واسطة.
يذكر المحور آيات قرآنية تؤكد قرب الله من عباده وإجابته لدعائهم، مع التحذير من الاستكبار عن عبادته. ويشير المتحدث في ختامه إلى نيته مواصلة الدرس في وقت لاحق.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فذكر الشيخ رحمه الله في كتاب تجريد التوحيد أن أكثر ما يحصل الشرك في جانب التشبيه: تشبيه الخالق بالمخلوق فيحصل بذلك الشرك، أو تشبيه المخلوق بالخالق فيجعل لهذا المخلوق ما يكون من خصائص ربوبية الله وألوهيته، أو أنه يشبه بالخالق جل وعلا فيتكبر ويتعاظم، وأيضا ينازع الله عز وجل في ربوبيته، مثل ما جاء عن فرعون وغيره. قال رحمه الله: «وبالجملة فالتشبيه هو التشبه، هو حقيقة الشرك». التشبيه كما قلنا: ما ذكره المؤلف من إعطاء غير الله عز وجل خصائص ربوبية وألوهية. والتشبه: هو أن يتشبه العبد بالخالق جل وعلا العظيم سبحانه وتعالى، فيتكبر ويتعاظم، ويدعو الناس إلى إطرائه وعبادته. قالوا: كذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما يقربه ذلك الغير إليه تعالى، فإنه يخطئ لكونه شبهه به، وأخذ ما لا ينبغي يكون إلا له، يعني جعل هذا الشخص أو هذا الميت يجعله كالرب جل وعلا، أو كما يقول هؤلاء: يجعله كالملك الظالم الذي لا يأتي بحقوق الناس ولا يراعي الناس إلا بالواسطة، إذا جاءه الواسطة فجعل له كذلك أو قام بحاجاته، فلهذا جعلوا أن من يدعو هذا القبر ويدعو الميت فالميت يتوسل لهم عند الله، هكذا يقولون. وهذا هو ظن أهل الشرك، هذا ظن أهل الشرك أن هؤلاء الأصنام سيشفعون لهم يوم القيامة عند الله، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: ﴿ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴾. وأيضا قال الله عز وجل في سورة الزمر، وقال على لسانهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ﴾، فنحن نعبدهم، صحيح نعبدهم، لكن نعبدهم لأجل أنهم يقربون إلى الله، هم سيشفعون لنا، ثم يؤتونهم العبادة، يصرفون لهم العبادة، فهذا شرك المشركين من قريش وغيرهم. قال: «فأشرك معه سبحانه فيه غيره فبخسه سبحانه حقه، فهذا قبيح عقلا وشرعا، ولذلك لم يشرع ولم يغفر»، فاعلم: أي لم يغفر الله عز وجل لمن أشرك به. قال: «وعلم أن الذي ظن أن الرب سبحانه وتعالى لا يسمع له أو لا يستجيب له إلا بواسطة، تطلعه على ذلك أو تسأل ذلك منه، فقد ظن بالله ظن السوء. فإنه إن ظن أنه لا يعلم أو لا يسمع إلا بإعلام غيره له وإسمعه، فذلك نفي لعلم الله ولسمعه وكمال إدراكه، وكفى بالله ذنبا، أو كفى بذلك ذنبا، وكفى بذلك ذنبا». وهذا كلام ابن القيم رحمه الله. فيبين أن من ظن أن الرب سبحانه وتعالى لا يسمعه ولا يستجيب له، فهذا ظن باطل. الله عز وجل يقول: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾، والله عز وجل قريب من عباده، لا يحتاج إلى واسطة، لا يحتاج إلى أن يتوسط له أو أن يدله على هذا الذي يدعو. لكن المشركين لما ظنوا هذا الظن، عبدوا غير الله جل وعلا. وهكذا أيضا مشركو زماننا، بل قد صرح كثير منهم، قالوا: نحن أهل الذنوب وأهل سيئات، فالله عز وجل لا يستجيب لنا ولا يسمع لقولنا، وإنما نأتي لهؤلاء الأولياء وندعوهم، فهم يتدخلون على الله، هكذا قالوا، قاله المالكي وغيره. وهذا كلام باطل، وهو ظن سوء بالله جل وعلا. قال: «فإنه إن ظن أنه لا يعلم أو لا يسمع إلا بإعلام غيره له وإسمعه، فذلك نفي لعلم الله». وهذه مصيبة عظيمة: إذا ظن أن هذا أن الله عز وجل لا يسمعه ولا يعلم بما يريد إلا إذا توسط له، وإذا جعل هذا الولي بينه وبين الله حتى يعلم الله أن هذا له حاجة وأن هذا العبد له حاجة، فهذا نفي لعلم الله، فهذا أعظم. «وإن ظن أنه يسمع ويرى ولكن يحتاج إلى من يلينه ويعطف عليهم، فقد أساء الظن بإفضال ربه وبره وإحسانه وسعة جوده». وهذا لا شك لا يخرج بأحد الأمرين: إما أنه يظن أن الله عز وجل لا يسمعه ولا يعلم بمكانه ولا يعلم بحاله، فهذا نفي العلم من الله جل وعلا، وهذا عظيم. أو أنه يظن أنه يسمع ويرى، يعتقد أنه يسمع ويرى، لكن يحتاج إلى من يلينه ويعطف على هذا المخلوق، فيدعو غير الله ويعبد غير الله ويصرف العبادة لغير الله حتى يتدخل هذا. انظر إلى الشيطان أين لعب بعقولهم، فجعل لهم أنهم يستبيحون ويستحلون عبادة غير الله لأجل أنه يدخل على الله هذا الولي، يقولون: هكذا يدخل على الله فيدعو الله عز وجل فيستجيب له، على مثل الواسطة التي تحصل. فهذا ظن أن الله عز وجل يحتاج إلى تليين وأيضا عطف، فيجعل هذا العبد المخلوق هو الذي يلين الله ويعطف على الداعي، وهذا أيضا إساءة ظن. قال رحمه الله: «وبالجملة فأعظم الذنوب عند الله إساءة ظن به». وهذا كلام للإمام ابن القيم أيضا. ولهذا يتوعده في كتابه على إساءة الظن به أعظم وعيد، كما قال الله تعالى: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. وقال تعالى عن خليل إبراهيم عليه السلام: ﴿ أَفَكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. انظر إلى الجهل إلى أين يؤدي بصاحبه. هم أرادوا أنهم بهذا يعظمون الله، يقولون: الله عز وجل عظيم ولا يستجيب لنا، نحن أهل الذنوب. انظر إلى هذا الكلام الباطل، فيتوسطون إليه سبحانه وتعالى، فهذا خطأ. هذا إنما يكون عند الملوك الظلمة الذين يحتاجون إلى توسط، يحتاجون إلى واسطة، يحتاجون إلى شفعاء يشفعون لهم. أما الملك العادل فما يحتاج إلى واسطة، ما يحتاج إلى أحد يشفع لأحد، لأنه لي مع الناس. فكيف برب العزة سبحانه وتعالى الذي سبقت رحمته غضبه عليه جل وعلا، سبقت رحمته جل وعلا غضبه سبحانه وتعالى؟ فكيف بعد ذلك يقال أو يظن به هذا الظن، ظن السوء؟ فالواجب أن يظن بالله الخير والعظمة والرحمة، وأنه سبحانه وتعالى يرحم عباده إذا أقبل إليه وإذا عبدوه سبحانه وتعالى. فما ظنكم أن يجازيكم إذا عبدتم معه غيره، وظننتم أنه يحتاج في الاطلاع على ضرورات عباده لمن يكون بابا للحاجات إليه ونحو ذلك؟ وهذا بخلاف الملوك، فإنهم محتاجون إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم عن إدراك حاجات الناس، أن هذا يحتاجه ممكن حتى الملك العادل أحيانا. لكن الله عز وجل غير محتاج لمثل هذه الأشياء، لأنه سبحانه وتعالى الكامل القادر على كل شيء، فلا يحتاج إلى أحد، فهو الصمد الذي يحتاج إليه الناس ولا يحتاج إلى أحد جل وعلا. قال: «فأما من لا يشغله سمع عن سمع، وسبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة، فما تصنع الوسائط عنده؟ فمن اتخذ واسطة بينه وبين الله تعالى فقد ظن به أقبح ظن، ومستحيل أن يشرعه لعباده، بل ذلك ممتنع في العقول والفطر». فلذلك فهذا من أقبح ما يظن بالله جل وعلا: أن الله عز وجل يحتاج إلى وسائط وشفعاء أبدا. ربنا جل وعلا قد فتح باب رحمته لعباده: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾. إن شاء الله وتعالى نكتب هذا ونكمل في درس الله. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر