الدرس في كتاب الأطعمة 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشيخ كتاب الأطعمة مبيناً أن الأصل في المأكولات والمشروبات الحل والإباحة ما لم يرد دليل للتحريم، مستدلاً بقاعدة ابن تيمية والفوزان في طهارة الطعام وسلامته. ويختم المحور بالتحذير من الشبهات والورع عنها استناداً لحديث النعمان بن بشير.
يشرح الشيخ حديث النعمان بن بشير مشبهاً الشبهات بالراعي حول الحمى، ومبيناً أن حمى الله محارمه وصلاح القلب بصلاح العمل. ويفرق بين الزهد والورع مستدلاً بأقوال شيخ الإسلام وابن القيم، مختتماً بحديث أنس في أكل النبي للأرنب.
يستدل المقطع بحديث أنس بن مالك في صيد الأرنب بمر الظهران وإهدائه للنبي صلى الله عليه وسلم على جواز صيده وأكله بإجماع العلماء. كما يسوق حديث أسماء بنت أبي بكر في نحر الفرس وأكل لحمه دليلاً على إباحة لحوم الخيل.
يبرز المقطع شجاعة أسماء بنت أبي بكر في مواجهة الحجاج، ثم يشرح الفرق بين النحر والذبح ويستعرض أقوال العلماء الثلاثة في لحم الخيل. ويرجح القول بالجواز استناداً للأحاديث الصحيحة مع الإشارة لأكل النبي صلى الله عليه وسلم لحم الأرنب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول باب القضاء، وهو ضمن كتاب الأيمان والنذور، وبفضل الله عز وجل كان الانتهاء منه. وحديثنا في هذه الليلة حول كتاب آخر جديد من كتب عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى، ألا وهو كتاب الأطعمة. وكتاب الأطعمة يتضمن باب الصيد، ومنه الذبائح، وهكذا أيضاً يتضمن باب الأضاحي. قال رحمه الله تعالى: «كتاب الأطعمة». والأطعمة جمع طعام، وذكر أهل اللغة أنه جمع قلة، أطعمة جمع قلة وليس بجمع كثرة، لكنه لما عرف بالألف واللام أفاد العموم، أي عموم الأطعمة. والمقصود بالأطعمة هو ما يؤكل، وهكذا يشرب. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾. قال القرطبي رحمه الله تعالى: دل على أن الماء طعام. ويطلق الطعام ويقصد به ما يأكله الإنسان ويتغذى به من الأقوات وغيرها، أو يشربه من الأقوات وغيرها. والأصل في هذا هو الحل والإباحة، الأصل في الأطعمة والأشربة، وهكذا أيضاً قل في الألبسة وغيرها هو الحل والإباحة، إلا إذا جاء الدليل الذي يدل على حرمة ذلك وأنهى عنه. ربنا عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾. ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾. إلا أن الأصل هو الحل إلا ما جاء الدليل الذي يدل على أنهى عنه وتحريمه. قال: ﴿ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾. إذا أدركنا ذكاة هذه الأشياء قبل موتها تكون حلالاً. ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾. وهذا التفصيل الذي جاء في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يدور على ثلاثة أمور: الأمر الأول: النص على المباح، على الأشياء المباحة كبهيمة الأنعام، وهكذا أيضاً غيرها من الأمور الطيبة كالحبوب والفواكه والخضروات وغير ذلك. الصنف الثاني: النص على الحرام، جاء النص على تحريم بعض الأشياء: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ الآية. النوع الثالث: ما سكت عنه، سكت الشارع عنه، وما سكت فهو عفو، وماذا الأصل فيه؟ الحل والإباحة، الحل والإباحة. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: «الأصل فيها الحل، الأصل فيها الحل»، أي الأصل في هذه الطيبات والمأكولات وغيرها هو الحل، هو الحل. قال: «لمسلم عمل صالحاً لأن الله تعالى إنما أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته»، أحل الله الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا على معصيته، لقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا ﴾. قال رحمه الله تعالى: «قال: ولهذا لا يجوز أن يستعان بالمباحات على المعصية». قال: «كمن يعطي اللحم والخبز لمن يشرب الخمر، لمن يشرب عليه الخمر ويستعين به على الفواحش، ويستعين به على الفواحش». ومن أكل الطيبات ولم يشكر، قال: «فمذموم، من أكل الطيبات ولم يشكر فمذموم». قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾، قال: أي عن الشكر عليه، عن الشكر عليه. وذكر الشيخ العلامة الفوزان رحمه الله تعالى كما في كتابه القيم «الملخص الفقهي» وهو كما سماه تلخيص للمسائل الفقهية، أجاد وأبدع وأفاد، قال حفظه الله تعالى: «قال: والقاعدة في ذلك أن كل طعام طاهر لا مضرة فيه، أن كل طعام طاهر لا مضرة فيه فهو مباح، فهو مباح». قال: «بخلاف الطعام النجس كالميتة والدم والرجيع». ما هو الرجيع؟ قال: «كالميتة والدم والرجيع، ما هو الرجيع؟ ما هو الرجيع يا أبا طاهر؟ ما هو الرجيع؟ نعم، الخارج الذي يخرج من الحيوان، وهكذا من الإنسان رجيع». فرجيع، فرجيع، فرجيع الإنسان غائطه يعتبر نجساً كما مر معنا في كتاب الطهارة، وهكذا بول وروث ما لا يؤكل لحمه فهو كذلك أيضاً يعتبر نجساً. وبول وروث ما لا... أو ما يؤكل لحمه وإن كان طاهراً إلا أنه مستقذر. ومن هذه الأشياء المستقذرة ما يعتبر طاهراً كالمخاط والنخامة والبزاق، وهكذا المني، هذه مستقذرة لكنها طاهرة. قال: «بخلاف الطعام النجس كالميتة والدم والرجيع والبول والخمر والحشيشة والمتنجس، والمتنجس». قال: «وهو الذي خالط النجاسة، المتنجس الذي خالط النجاسة». قال: «فإنه يحرم». لماذا؟ قال: «فإنه يحرم لأنه خبيث مضر، لقوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ﴾ الآية». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وهذا من الأمور المهمة جداً التي ينبغي أن يتنبه لها المسلم فيما يتعلق بالأطعمة، وهكذا الأشربة التي يتناولها. قال: قال رحمه الله تعالى، قال رحمه الله تعالى: «عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول». وأهوى النعمان، وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه، إلى أذنيه. وهذا فيه تأكيد سمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله. وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه فيه تأكيد سماع النعمان بن بشير لهذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الحق الذي عليه الجماهير من أهل العلم، خلافاً لمن نفى سماع النعمان رضي الله تعالى عنه لهذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يؤكد سماعه بإشارته بأصبعيه إلى أذنيه، إلى أذنيه. قال: «إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه». ومعنى استبرأ يعني طلب البراءة، السين سين الطلب، استبرأ أي طلب البراءة لدينه وعرضه، لدينه من النقص، ولعرضه من الطعن، ولعرضه من الطعن. قال: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي». وهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم من الواقع الذي يعيشه الناس. قال: «كالراعي يرعى حول الحما، حول الحما». والمقصود بالحما هو ماذا؟ المكان الذي يحمى من قبل الملوك وغيرهم. كان الملوك من العرب يجعلون مواضع هذه محمية، أي لا يجوز الدخول فيها، لا يجوز الرعي فيها، أو محمية لا يجوز الصيد فيها إلى غير ذلك، إلى غير ذلك، فيمنعون الناس من الدخول فيها، ومن دخل فإنه يعاقب، فمن دخل فإنه يعاقب. قال: «كالراعي يرعى حول، يعني قريباً من الحما، يوشك أي يقرب أن يرتع فيه، يوشك أي يقرب، ولربما يسرع في ماذا أن يرتع فيه، أي أن الماشية تدخل إلى المكان المحمي الذي يمنع دخول الماشية فيه». وماذا؟ قوله: «يوشك أن يرتع أو ترتع فيه بسبب وجود الخصب والخضرة والمرعى الجيد فيها». قال: «يوشك أن ترتع فيه، وإذا دخلت الأغنام يا إخوان إلى المكان الذي يمنع الدخول فيه، من الذي سيعاقب؟ هل سيعاقب الأغنام؟ لا، الأغنام ما ستعاقب، وإنما سيعاقب من له ولاية على الغنم، إما الراعي أو المالك، أو المالك». قال: «يوشك أن ترتع فيه، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حما، ألا وإن حما الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة». وقوله عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة»، المضغة هي عبارة عن قطعة من اللحم، قطعة من اللحم، قيل بقدر ما يمضغ في الفم، وقيل سميت مضغة لأنها تمضغ في الفم لصغر حجمها، لصغر حجمها. قال: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، ألا وهي القلب». وهذا الحديث يا إخوان أبين، ظاهر في أنه بين فيه الحلال والذي يجوز أخذه أو أكله، وبين الحرام الذي يجب تركه والبعد عنه، وهناك أمور مشتبهات، ومعنى مشتبهات أي بها شبه بالحلال البين وشبه بالحرام البين، ولأجل هذا الاشتباه، ولأجل هذا الاشتباه يخفى حكمها على الكثير من الناس. قال: «لا يعلمها الكثير، كثير من الناس». طيب، ما هو المطلوب من المسلم إذا وجد هذا الاشتباه؟ المطلوب من المسلم هو أن يبتعد عنها، هذا هو الورع، هذا هو الورع، فيبتعد عنها، «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». دع ما يريبك أي ما تشك فيه أو في حله، إلى ما لا يريبك، أي إلى ما لا شك فيه. على سبيل المثال: الدجاج المستورد من فرنسا، البرازيل، وغيرها، هناك فيه شبه بماذا؟ شبه بالحلال، وفيه شبه بالحرام. بالحلال من حيث أنه الأصل يجوز أكله، دجاج، كما سيأتي معنا في أحاديث الباب، وأنه يأتي من أهل الكتاب، من أهل الكتاب الذين أحل ربنا عز وجل لنا طعامهم. وشبه بالحرام أنهم لا يتحرون الذبح الصحيح، فبسبب ماذا؟ الطمع والجشع والبحث عن المكسب والمغنم الكثير، فيلجأون إلى ماذا؟ إلى الذبح بطريق غير مشروع. طيب، ماذا يفعل المسلم؟ عنده دجاج عماني وسعودي ويمني، وعنده دجاج فرنسي برازيلي إلى غيره، ماذا يفعل؟ أقل الأحوال في الفرنسي والبرازيلي أنه شبهة، أقل الأحوال، وإلا أثقات في تلك البلدان يشهدون أن القوم لا يتحرون الذبح الصحيح. نعم، يوجد بعض المؤسسات لكنها قليلة جداً بالنسبة لغيرها، بالنسبة لغيرها. فـ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». يقول: هذا أرخص بينما ذاك أغلى. إذن ماذا؟ إذن الواحد يتحرى لدينه، يتحرى لدينه، ولو كان يوجد شيء من الفارق بين الأمرين. ﴿ فَلَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾، ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. فهذا الحديث كما ذكر العلماء أنه حديث عظيم جليل، وقاعدة من قواعد الإسلام، وأصل من أصول الشريعة، وعليه لوائح أنوار النبوة صاطعة، وعليه لوائح أنوار النبوة صاطعة، ومشكات الرسالة مضيئة. فهو من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتاج استيفاء الكلام عليه إلى مصنف مستقل طويل، كما ذكر العلامة البسام وغيره، ذكر في تيسير العلام، وهكذا أيضاً ذكر غيره. وهذا الحديث يا إخوان، حديث «إن الحلال بين والحرام بين» هو من الأحاديث العظام التي عليها مدار، مدار الإسلام، مدار الإسلام، لعظم موقعه وكثرة فوائده، وكثرة فوائده. وهو من الأحاديث العظام التي اشتملت على أصول الشريعة كلها ظاهرها وباطنها، مثله مثل «الأعمال بالنية»، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وهكذا غيرها من الأحاديث التي نص العلماء على أن مدار الدين والإسلام عليها، مدار الدين والإسلام عليها. فحديث النعمان هذا اشتمل على بيان الحلال والحرام والمشتبهات، والمشتبهات، وهكذا اشتمل على ما يصلح القلوب وما يفسدها، وما يفسدها، وهكذا بين تعلق الأعمال بالجوارح. ولهذا قالوا: أنوار النبوة عليه صاطعة، عليه صاطعة. وهذا الحديث يا إخوان يعتبر من الأصول الدالة على الورع والزهد الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم. قال: «وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، قال: فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام». ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما نقل عنه العلام البسام رحمه الله تعالى أنه قال: «الفرق بين الزهد والورع». الفرق بين الزهد والورع أن الزهد، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. ما هو الزهد؟ ترك ما لا ينفع في الآخرة. والورع، والورع تركوا ما يخاف ضرره في الآخرة. الزهد قلنا: تركوا ما لا ينفع في الآخرة، ما لا ينفع أي لا يعمله، «فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز». بينما الورع في باب الأمور المتروكة وهو تركوا ما لا ينفع، أو ماذا؟ تركوا ما يخاف ضرره في الآخرة. علق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قال: «إن هذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها». وهكذا قال: «التحقيق». وكل ذلك نقله العلامة البسام رحمه الله تعالى. قال ابن القيم: «التحقيق أنها أي النعم، إن شغلته عن الله تعالى فالزهد فيها أفضل، أفضل. وإن لم تشغله عن الله بل كان شاكراً فيها، قال: فحاله أفضل، فحاله أفضل. والزهد فيها تجريد القلبي عن التعلق بها والطمأنينة إليها». وهذه تعتبر من النفائس التي ذكرها العلماء فيما يتعلق بمثل هذه في التعليق على مثل هذه الأحاديث العظيمة. قال رحمه الله تعالى، قال رحمه الله تعالى: «عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال: أنفجنا أرنباً بمر الظهران». ومعنى أنفجنا أي أثرناها من مكانها ونفرناها عن موضعها من أجل أن تخرج منه وتعدو. قال: «أنفجنا أرنباً بمر الظهران، قال: فسعى القوم، فلغبوا، وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذها، فقبله». وفي بعضها: «وفخذيها»، وفي بعضها قال: «بوركها أو فخذها، فقبله». وجاء في الصحيح كذلك أيضاً قال: «وَأَكَلَ مِنْهُ، قَبِلَهَا وَأَكَلَ مِنْهُ». وهذا الحديث يتعلق بجواز وإباحة صيد الأرنب وأكلها، إباحة صيد الأرنب وجواز أكلها. وهنا يخبر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا في سفر من الأسفار، وأنهم بموضع يقال له مر الظهران. ومر الظهران هذا يقع شمال مكة، يعني بين مكة والمدينة، لكنه إلى مكة أقرب. قالوا: بينه وبين مكة قرابة ثلاثين كيلو، ثلاثين كيلو، وهو يقع على طريق المدينة القديم، طريق الدواب وركاب، فيمر على مر الظهران، واليوم يطلق عليه وادي فاطمة، مشهور بوادي فاطمة. قال أنس بن مالك: «أنفجنا أرنباً بمر الظهران، قال: فسعى القوم، فسعى القوم فلغبوا». ومعنى لغبوا أي أنهم تعيبوا وأعياهم الأرنب، جروا خلفه فلم يستطيعوا الإمساك به. قال: «وأدركتها فأخذتها». وهذا فيه أن الصيد يكون ملكاً لاصطاده، لو جرى مجموعة خلف صيد، أو رمى مجموعة هذا الصيد فأصابه أحدهم أو أمسكه أحدهم، فيكون ملكاً لاصطاده. قال: «وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة». وماذا يكون أبو طلحة لأنس؟ لماذا أتى أنس بن مالك بالأرنب وأعطاها لأبي طلحة؟ ماذا يكون أبو طلحة لأنس بن مالك؟ واحد، اثنين، ثلاثة، أين الرابع؟ ما شاء الله عندك يا باب محمد. زوج أمه، وهي أم سليم، زوج أمه أم سليم رضي الله تعالى عنهم. قال: «فأتيت بها أبا طلحة». وأبو طلحة كان من الصحابة المشهورين بالصيد، كان يقول: «أنا أبو طلحة واسمي زيد، أنا أبو طلحة واسمي زيد، وكل يوم في شباكي صيد، كل يوم في شباكي صيد». وأبو طلحة يعتبر من خياري الأنصار وفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فأتيت بها أبا طلحة فذبحها». إذن هي لا تزال حية، الأرنب لا يزال حياً. قال: «فذبحها، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها». ما هو الورك؟ بوركها ما هو الورك؟ الورك ما هو؟ وبعث بوركها أو فخدها، أو فخدها. إذن ماذا؟ اقترب الموضع. فخذ معروف. صحب؟ نعم، أبو معاوية العرباط. طيب، أصبت. الفخذ أعلى الرجل، ما بعد الركبة، ما فوق الركبة هو الفخذ. والورك، والورك يا أبا الحسن؟ نعم، المفصل الذي أعلى الفخذ، المفصل الذي أعلى الفخذ يقال له ورك. طيب. قال: «وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها أو فخدها». في بعضها: «وفخدها». قال: «فقبله، فقبله». وهذا يا إخوان من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه، كان يقبل الهدية سواء كانت صغيرة أو كبيرة، سواء كانت ثمينة أو حقيرة. ما هو الدليل على هذا؟ ما هو الدليل على هذا يا أبا جعفر؟ الحديث وغيره، يقول عليه الصلاة والسلام: «لو دعيت إلى ذراع، أحب شيء إليه في البهيمة، أو كراع، يعني أحقر شيء في البهيمة، العظم الذي يكون أسفل الرقبة، قال: لا أجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت». البعض قد يهدى إليه شيء، لكنه قد يكون شيئاً متواضعاً، شيئاً حقيراً، فيقع في نفسه: ما وجد هدية إلا هذا، إلا هذا. بينما أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصفه الله بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾، كان يقبل الهدية، وزد على ذلكم كان يثيب عليها، كان يثيب المهدي عليها، فيقبل الهدية ويعطي المهدي، ويعطي المهدي. أهدى له شخصاً أو شخص عطراً، يقبله ويثيبه بشيء آخر، طاه عمامه مثلاً، أو غيرها من صور الهدية، صور الهدية. وهذا يا إخوان من الأمور التي تجلب المحبة والمودة وتقوي أواصر الأخوة بين المسلمين، بين المسلمين. «تهادوا تحابوا»، أكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحديث يعتبر دليلاً على حل الأرنب وجواز صيده وجواز أكله. ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، الإجماع على ذلك. وجد خلاف يا إخوان، كما نقل الخلاف عن بعض السلف كعبد الله بن عمر بن العاص، وهكذا ابن أبي ليلى، وهكذا أيضاً نقل الخلاف عن عكرمة. لكن ماذا؟ زال ذلك الخلاف واتفق العلماء على جواز صيده وجواز أكله. ولهذا ذكر الترمذي رحمه الله تعالى عقب إخراجه لحديث أنس السابق، حديث الباب، قال: «والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، عند أكثر أهل العلم، لا يرون بأكل الأرنب بأساً، لا يرون بأكل الأرنب بأساً». وقد كره بعض أهل العلم أكل الأرنب، يشير إلى من؟ إلى عبد الله بن عمر بن العاص، وعكرمة، وابن أبي ليلى. قال: «وقالوا: إنها تدمي»، أي الأرنب تدمي. ما معنى تدمي؟ تحيض، أن الأرنب تحيض، فلهذا استقذرها من استقذرها من أهل العلم، من أهل العلم. ذكر النووي رحمه الله تعالى في شرحه على هذا الحديث من صحيح مسلم قال: «أكل الأرنب حلال عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد والعلماء كافة، والعلماء كافة». قال: «إلا ما حكي عن عبد الله بن عمر بن العاص وابن أبي ليلى أنهما كرهاها، أنهما كرهاها». قال: «دليل الجمهور هذا الحديث، يعني حديث الباب، مع أحاديث مثله، ولم يثبت في النهي عنها شيء». ليس هناك دليل يا إخوان يدل على النهي عن أكل الأرنب، وهكذا عن صيده، وإنما الأدلة تدل على جواز ومشروعية ذلك. قال رحمه الله تعالى: «قال: عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: نحرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه». قال: «وفي رواية: ونحن بالمدينة، ونحن بالمدينة». وهذا الحديث يا إخوان فيه جواز وإباحة لحوم الخيل، لحوم الخيل. أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها، ماذا تلقب؟ أسماء بنت أبي بكر الصديق، ما لقبها وما سبب هذا اللقب؟ لقبها وسبب اللقب عندك، تفضل: ذات النطاقين. ما هو النطاق؟ غيرت، لا، بس الذي تربط به المرأة وسطها. ما سبب هذا اللقب؟ عجز السقاطرة، أنوضح لك. طيب، كانت الحادثة في مكة، وفي آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق في الغار، ماذا كانت تصنع؟ أما ترعى الغنم؟ فلا، لكن كانت تأتي بماذا؟ بالطعام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولي أبيها أبا بكر، فلما لم تجد ما تربط به، يعني ما فيه الطعام، ماذا فعلت؟ أخرجت نطاقها واشقته وربطت بإحداهما، صرت الطعام، فقيل لها: ذات النطاقين، فقيل لها: ذات النطاقين. من زوجها؟ يا بالفضل، أسماء من زوجها؟ أحد العشر المبشرين والسابقين الأولين، الزبير بن العوام، الزبير بن العوام. والزبير بن العوام زوج أسماء بنت أبي بكر الصديق. وأولادها: عبد الله بن الزبير، صحابي جليل، أول مولود للمهاجرين بالمدينة. هاجرت وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فلما وصلت المدينة بعد فترة وضعت بعبد الله بن الزبير. ومن أولادها عروة بن الزبير وغيرهم. وماذا عمرت؟ وماذا عميت في آخر عمرها؟ وماتت بعد مقتل ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم. وكانت شجاعة قوية، لما قتل الحجاج بن يوسف ولدها عبد الله بن الزبير وصلبه، علقه بمدخل مكة، فأتى الحجاج بن يوسف ويخاطب أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، قائلا: ماذا تريني فعلت؟ قالت: أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. وكان من حوارها مع الحجاج ما يدل على شجاعتها. ماتت بعد مقتل ابنها عبد الله بفترة يسيرة. وأسماء بنت أبي بكر الصديق تقول: «نحرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرساً». والفرس يطلق على الذكر والأنثى من الخيل، يطلق على الذكر والأنثى من الخيل. وقولها: «نحرنا»، جاء في إحدى روايتي البخاري: «ذبحنا». والفرق بين النحر والذبح يا إخوان ظاهر. أما النحر فهو الضرب بالحديد، سكين ونحوها، في لبة الحيوان، هنا أسفل العنق، في لبة الحيوان حتى يقطع هذه الأوداج، هذه الأوداج، فتخرج الدماء منهمرة، هذا نحر، ويكون في الإبل، يكون في الإبل. بينما الذبح هو قطع هذه الأوداج، هذه الأوداج، ويكون الذبح في غير الإبل، في غير الإبل، غنم، بقر، إلا إذا استوحش البقر مثلاً فإنه لا بأس أن ينحر، لا بأس أن ينحر. وإذا جاء في بعضها: «نحرنا»، وفي بعضها: «ذبحنا»، قال العلامة البسام رحمه الله تعالى: «قال: ولعله حمل النحر على الذبح توسعاً ومجازاً، توسعاً ومجازاً». قالت: «فأكلناه، فأكلناه». وهذا فيه دليل على على جواز أكل لحوم الخيل، على جواز أكل لحوم الخيل. وهذه من المسائل التي حصل خلاف بين العلماء فيها، هل يجوز أن يؤكل الخيل أو لا يجوز أن يؤكل لحمه؟ ولي العلماء ثلاثة مذاهب مشهورة في هذه المسألة: أولها: أولها أن أكله حلال، لحم الخيل حلال، وقال بهذا الجماهير من العلماء من الفقهاء والمحدثين، وهكذا من الصحابة والتابعين، ذهبوا إلى جواز ذلك. ما هو الدليل على جوازه؟ حديث الباب، وما كان في معناه من الأحاديث التي سيأتي معنا أيضاً في الباب. بعضهم ذهب إلى كراهة، إلى كراهة أكل لحم الخيول، الخيل، وآذى، قال به أبو حنيفة، وهكذا من قال بقوله. ذهب بعضهم إلى تحريم أكل الخيل، وهذا قال به بعض المالكية، بعض المالكية. طيب، ما دليلهم على الكراهة والتحريم؟ قالوا: الدليل قول الله عز وجل: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. قالوا: قرن الخيل بالبغال والحمير التي يحرم أكل لحمها، يحرم أكل لحمها أيضاً. قال: أو قالوا: قوله: «لتركبوها»، اللام هنا لام ماذا يا بالفضل؟ لام التعليل، لام التعليل. قالوا: فدل هذا على أنها لم تخلق لغير ذلك، لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوص عليها قالوا تفيد الحصر، فالقول بحل أكلها قالوا يقتضي خلاف الظاهر من الآية، الظاهر من الآية. أيضاً قالوا: الآية جاءت في سياق الامتنان، الله عز وجل يمتن على خلقه وعبيده، قالوا: فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم من ماذا؟ من مجرد الركوب أو الزينة. لكن الصحيح يا إخوان هو جواز أكلها، كما دل على ذلك الأحاديث الصحيحة كحديث الباب، وهكذا ما كان في معناه من الأحاديث، من الأحاديث. طيب، هنا يقول: هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم الأرنب؟ آكذا جاء في بعض الروايات: «فقبله»، فقيل: هل أكله؟ قال: نعم أكله. فدل هذا على أنه عليه الصلاة والسلام أكل لحم الأرنب، أكل لحم الأرنب. الحديث له تتمة إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. فأسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.