ظاهرة الفتور في رمضان 1

ظاهرة الفتور في رمضان 1

الدرس في ظاهرة الفتور في رمضان 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية صدق العزيمة

يبدأ الشيخ بالحديث عن أهمية صدق العزيمة في استمرار الطاعة خلال شهر رمضان، ويوضح أن النية الصادقة تعني العزم على فعل الطاعات عند حلول وقتها. يُشدد على أهمية إعداد النفس مسبقًا للعبادات التي ستتاح في رمضان.

صدق العزيمة وتأثيره في الطاعات

يؤكد الشيخ على أهمية نية الخير وصدق العزيمة في فعل الطاعات والعبادات، ويشير إلى أن من يصدق الله في نيته يعينه الله على الفعل وييسر له أمره. يُستشهد بحديث نبوي يروي قصة أعرابي صدق الله في نيته.

أثر صدق العزيمة في نيل الأجر والثواب

يؤكد النص على أهمية صدق العزيمة في نيل الأجر من الله، حتى وإن لم يستطع الفرد تنفيذ العمل بسبب مانع، فإن الله يكتب له الأجر بناءً على نيته الصادقة. يُشير إلى أحاديث نبوية تؤكد ذلك.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يختم الخطيب بالدعاء أن يعينهم الله على طاعته ومرضاته في شهر الصيام، ويطلب من الله العون على أداء العبادات على أحسن وجه. يُصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أولًا: هذا تذكير وتكرير لمجلس اليوم، وهو المجلس الرابع من مجالس دورتي بين يدي رمضان، والذي سيعقد هذه الليلة، كالعادة، بين مغرب وعشاء، في هذا الجامع المبارك، وذلك لأخينا الشيخ أبي الحسن علي بيساود، حفظه الله، بعنوان رمضان في رحاب القرآن. ومواصلة في دروسنا التي كرسناها في هذه الأوقات في بياني ظاهرة الفتور التي تطرأ على كثير منا في أيام رمضان، ويظهر ذلك في مسألة الضعف الذي يطرأ علينا في تعبدنا وتديوننا في أيام وأثناء شهر رمضان المبارك. ومرت معنا أهم العوامل والدواعي التي يحاول أن يستحضرها المسلم والمسلمة في مثل هذه الأيام؛ لكي يستطيع أن يمضي قدمًا في تعبده لربه، فكان مما مر معنا من الدوافع: أولًا الاستشعار بكثرة الفضائل وعظم الأجور، ثانيًا الاستعانة بالله، فمن استعان بالله أعانه الله، ثالثًا المجاهدة، مجاهدة النفس، رابعًا ما يكون من اعتياد الخير، فإن من شب على شيء شاب عليه. واليوم، ونحن في هذا المجلس، وهو المجلس الأخير في هذه السلسلة، بذكر عامل من أهم عوامل استمرارنا على الطاعة، وهو ما يعبر عنه بصدق العزيمة. وأعني بصدق العزيمة أن الإنسان من الآن ينوي بقلبه أن الله عز وجل إن يسر له حضور الشهر، فإنه سيقوم بفعل الطاعات والعبادات على أحسن ما يكون، فليزال يحدث نفسه بهذه النية. وأعني هنا، إخواني في الله، بالنية ليست النية العابرة، لا شك ولا ريب أن ما منا من أحد إلا وهو ناوي وينوي الخير، لو سألت سؤالًا: ما الذي تنويه يا عبد الله في رمضان؟ لذكر الواحد منا قائمة بالصيام والصلاة والقيام والنوافل والطاعات والبر والإحسان والأرحام، كثير مما نريد أن نفعله في رمضان، لكنها في الحقيقة نية عابرة. لكن هل هذا المقصود بصدق العزيمة؟ الجواب: لا، ليس هذا المقصود، المقصود بصدق العزيمة أنك تشغل نفسك بأن تحدث نفسك بأنه ما سيحول بينك وبين فعل الطاعة إلا حصول الزمن، إذا جاء الزمن لأفعل وأفعل، هذه نية صادقة. والفرق بين هذا العامل ومع ما مضى من عامل أمس، وهو الاعتياد على الخير، أن الأمس كان حديثنا عن أمور بالإمكان أن تفعلها من الآن، فابدأ بها، لا تنتظر، مر معنا الحرص على النوافل القبلية والبعدية، قراءة شيء من القرآن، ما يكون من جلوس في حلقات العلم، هذه الأشياء من الآن عود نفسك عليها، عود بحيث إذا جاء رمضان أنت معتاد. هذا ما يتعلق بدرس أمس، أما في درسنا اليوم، فهو يتعلق بأشياء الآن ليس بمقدورك أن تفعلها؛ لأن الوقت ما حان، مثل صلاة التراويح، أو إخراج زكاة المال إن كنت من المزكين، أو إفطار الصائمين، أو إطعام الطعام، هذه عبادات ليست متاحة لك الآن، زمنها سيأتي، هذه حدث نفسك الآن. وأعني بالحديث ليس حديث النفس العابر، لا، بل تنوي نية صادقة بعزيمة القلب، بعزيمة القلب، هذا المراد، إنك إن فعلت ذلك كان ذلك من الأمور التي تدل على خيريتك، كما سيأتي. جاء من الوصايا العظيمة التي ثبتت عن سلفنا الصالح ما ذكره عبد الله بن الإمام أحمد، أن عبد الله قال: قلت لأبي: يا أبي أوصني، قال: يا بني إنوي الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير، يا بني إنوي الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. النية، فإنك من كان هذا حاله ينوي ودائمًا يحدث نفسه، إن حقق الله الزمان أو المكان المراد، فإنه يفعل ويفعل، إذا كنت على هذا الحال، فاعلم أنك على خير، وأي خير خير عظيم، بحيث دائمًا نفسك تحدثك، وقلبك يحفو إلى طاعة الله وإلى عبادة الله وإلى حصول ما فيه خيري الدنيا والآخرة. وهنا يهمني أن أشير إلى خيرين اثنين، يمكن أن تحققهما يا عبد الله بصدق العزيمة، عندما تحدث نفسك بفعل الطاعة والعبادة إذا يسأل الله لك رمضان. الخير الأول والثمر الأول من صدق العزيمة أن الله إذا رأى منك الصدق أعانك وأعطاك ويسر لك أمرك، فإذا كنت من قلبك وخاطرك تحدث نفسك على فعل كذا وكذا من الطاعة وأنت منتظر بلهفة إلى أن يتحقق الزمان فتفعل، هنا الله يعينك على الفعل، هذا من فوائد صدق العزيمة. وفي الحديث: «ومن يصدق الله يصدقه الله»، ومن يصدق الله يصدقه الله، من كان صادقًا مع الله، فالله عز وجل يصدقك بعملك، وهذا حديث عبارة عن قصة وقعت في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، رواه الإمام النسائي في سننه عن رجل أعرابي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن وأسلم وبايع وهاجر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام وخرج معه في الغزو. فأوصى نبينا عليه الصلاة والسلام الصحابة به خيرًا يعتنون به، فوقعت غزوة، فخرج هذا الأعرابي مع كتيبة، وكان هذا الراعي الأعرابي جعل في مؤخرة الجيش أو الكتيبة في ظهراني القوم، فإذا بالكتيبة غنمت وأغنموا المال الكثير، فجاءوا وقسموا المال بينهم، فكان للأعرابي قسمة من المال، فقيل: هذا مالك، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مالك من القسمة، وهذا أمر قسمه لك نبينا صلى الله عليه وسلم، فأخذ المال وأتى به إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: هذي قسمتك من الغزو. فقال الأعرابي: يا رسول الله، ما على هذا بايعتك، ما على هذا بايعتك، إنما بايعتك أن أرمى بسهم هاهنا -وأشار إلى حلقه- أن أرمى بسهم هاهنا -وأشار إلى حلقه- فأقتل فأدخل الجنة، هذا الذي بايعتك عليه. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن تصدق الله يصدقك»، إذا كنت صادقًا بهذه النية وبهذه الإرادة، سيأتيك ما وعدك ربك، وما صادقت الله عليه، فما هي إلا برهة وجاءت الغارة الثانية، فخرج القوم وخرج الأعرابي معهم، وما هي إلا فترة وجاء بهذا الرجل وهو مقتول إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد رمي بسهم حيث أشار، فيجئ به إلى رسول الله، فلما رآه نبينا قال: «أهوه؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «صدق الله فصدقه الله»، صدق الله فصدقه الله. فحينها دفنه نبينا وصلى عليه، صلوات ربي وسلامه عليه، الشاهد: صدق الله بماذا؟ صدق الله بإرادته، بنيته، بعزيمته، فكان الجزاء أن صدق الله عمله. فأنت يا عبد الله إذا كنت صادقًا مع الله فيما ستأتيه في رمضان من الطاعات والعبادات، بأنك إن وفقك الله إلى حضور رمضان ستحضر التراويح والتهجد مثلًا، وقيام الليل، وأنك ستقرأ من القرآن الختمة الأولى والثانية إذا يسر الله، وأنك ستطعم الطعام، وأنك... وأنك، إذا كان هذا في هاجسك وفي قلبك، اعلم أن الخير الذي ستحوزه أن الله يوفقك إليه؛ لما كان من صدق العزيمة، بشرط صدق تصدق مع الله يعينك الله. ومن هنا ستعلم أن من خطأ كثير من الناس أنه ما عندهم هذا الهم الذي في القلوب، وإنما هي خطرات لربما عابر السبيل، فإذا قام بالعمل قام على ضعف، قام بعبادة على كسل، فلا يعينه الله عز وجل، إذن هذا الخير الأول الذي ستجنيه يا عبد الله إن صدقت مع الله في نيتك وعزيمتك، صدق الله عز وجل فعلك. والخير الثاني: أنك بصدق العزيمة إن لم توفق -إن لم توفق- في فعل هذا الخير لمانع اعترض، فإن الله جل وعلا يجري لك الأجر وإن لم تفعل، لماذا؟ لما كان في نيتك. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة»، هم فقط، لكنه هم إرادة، ليس نية عابرة، هم هم أن يفعل، وما كان يمنعه من فعله إلا شيء يمنعه، فلما هم، لكن جاء العارض، حينها يذهب عليك الأجر لا، كتب الله ذلك الهم حسنة تؤجر عليها. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من سأل الشهادة بصدق -انظر للقيد- من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه»، أين مات؟ في الفراش، ومع من يحشر؟ يحشر مع الشهداء، ما الفرق بين هذا وبين ذاك؟ الصدق مع الله. من سأل الشهادة بصدق يحدث نفسه على الموت في سبيل الله وعلى ملاقات الأعداء، لكن الله عز وجل لم يسر له هذا الأمر، فمات على فراشه، لكن قلبه ينبض بهذه العزيمة، فكان من أمره أن الله أعطاه ما أراد وأعطاه ما نوى. وما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «من أوى إلى فراشه وهو ينوي أن يقوم الليل فيصلي، فغلبته عيناه حتى أصبح»، رجل أتى إلى الفراش وهو يحدث نفسه على قيام الليل، فماذا صار؟ قال عليه الصلاة والسلام: «كتب له ما نوى»، كتب له ما نوى، الذي نويته كتب لك في صحيفة أعمالك على أنك قمت الليل، مع أنك ما قمت، ما قمت، لكن لما نويت النية الصحيحة الصادقة والعزيمة الصاعدة، كانت بهذه النية كفيلة بأن الله يعطيك الأجر. وهكذا القاعدة يا عبد الله تسير معك على صدق عزيمتك، وهذا من الآن كما قلنا أعمال قد لا نستطيع أن نعتاد عليها من الآن، فهذه نحدث أنفسنا على فعلها وأدائها، ونكون مع الله الصادقين، وهذا بينك وبين الله، والله يعلم بالنوايا. فربنا إذا رأى منك صدق العزيمة، إما أن الله يقدر لك فعل الخير الذي نويت، وإن جاءك مانع، فالله يعطيك الأجر وإن لم تفعل، ولهذا يقول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: «من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة، فحيل بينه وبين ذلك، بلغه الله ما نوى»، من هم؟ الهمة الإرادة، صدق العزيمة، من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة، وقس على ذلك سائر الطاعات، فحيل بينك وبين فعلها، بلغه الله ما نوى. ولهذا، إخواني في الله، فمن الأمور التي تعيننا على طاعة الله جل وعلا، وخاصة في شهر رمضان، ما يكون من صدق عزيمتنا، وأن نحدث نفوسنا وقلوبنا على فعل الطاعات، فإذا رأى الله ذلك منا أعاننا على فعلها. فأسأل المولى جل وعلا أن يعيننا وإياكم على طاعته وعلى مرضاته، وأن يعيننا في شهر الصيام على القيام بالطاعات والعبادات على أحسن ما يكون، ويرام إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.