ظاهرة الفتور في رمضان 4

ظاهرة الفتور في رمضان 4

الدرس في ظاهرة الفتور في رمضان 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية الاستعانة بالله

الاستعانة بالله أمر ضروري لاستمرار المسلم في طاعاته وتثبيت قلبه على الدين، وهي من المقامات العظيمة التي أمر الله بها وندب إليها. الإنسان محتاج إلى ربه في كل حركاته وسكناته.

الاستعانة بالله في الطاعات والعبادات

الاستعانة بالله ضرورية لثبات القلب على الإيمان والطاعات، وقد أمر النبي بطلب العون من الله في العبادات، كما في قوله: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين". الآية "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" تجمع بين العبادة والاستعانة.

دعاء النبي وأهمية الاستعانة بالله في العبادة

يُشدد على أهمية الاستعانة بالله في العبادة والطاعة، ويُناقش دعاء النبي لمعاذ بن جبل وأهمية قوله "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" بعد كل صلاة. الموفق هو من وفقه الله.

التطبيق العملي للاستعانة بالله في رمضان

يوصي بالاستعانة بالله للاستمرار في الطاعة والعبادة في رمضان، وعدم الاغترار بالنفس، والتوكل على الله لتحقيق الطاعات. أسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، أولا إخواني في الله، فهذا تذكير بالمجلس الأول من مجالس الدورة العلمية بين يدي رمضان، والتي ستكون بعد صلاة المغرب من هذه الليلة، وذلك لأخينا الشيخ الفاضل أبي عبد الله محمد باجعالة، وهي بعنوان «وجاء رمضان»، واستئنافا إخواني في الله لدروس العصر، وهي الدروس المعنية بظاهرة الفتور التي تظهر وتدب في موسم رمضان. أشرنا في دروس خلت إلى خطورة هذه الظاهرة، وخصوصا في رمضان، ثم شرعنا في ذكر أهم الدواعي والدوافع التي تعين المسلم والمسلمة على العبودية لله طيلة أيام رمضان المبارك، فكان مما مضى ما يكون من استشعارنا بكثرة الأجور والفضائل. وأيضا مما أذكره في هذا المقام، وهي من الدواعي العظيمة المعينة لاستمرارنا في طاعاتنا لربنا، ما يكون من الاستعانة بالله جل في علا، الاستعانة إخواني في الله من المقامات العظيمة، ومن المراتب الجليلة التي أمر الله بها وندب إليها وحث عليها ورغب فيها. ولا تظن عبد الله أن مقام الاستعانة، أي استعانة بالله، إنما تكون في الأمور الدنيوية المادية البحتة، لا، بل إن الله سبحانه وتعالى يستعان به في أمور الدنيا والدين، ﴿وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ﴾ في كل أمر، وإن الإنسان في هذه الحياة الدنيا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا قوة وتملك وإرادة، ولا قوة وتحريك، بل إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرف فيك كيف يشاء، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فالإنسان في كل حركاته وسكناته هو بأمر ربه، ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم بك أصول، وبك أجول، وبك أقاتل»، بك يا الله أستعين، بك في كل أمور أصول وأجول، وفي لفظة «وأحول»، وبك أقاتل. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال «فالعبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته، وعلى تثبيت قلبه»، العبد محتاج في كل وقت، وفي كل حين، وفي كل زمان ومكان، محتاج إلى ربه في ماذا؟ على الاستعانة بالله على طاعته وتثبيت قلبه. ثبات قلبك، لا تظن أنه يعود إليك بفضلك أو بعلمك أو برباطة جأشك، لا يا عبد الله، إنما ثباتك هو بالله، بالله هو الذي ثبتك، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، ومن هنا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». ثبات القلب، إن أردت له الثبات والديمومة على الخير والإيمان، فاستعن بالله في تثبيت قلبك، وهكذا الطاعات، كما قال شيخ الإسلام: «يستعان بالله على طاعاته»، ولهذا كان مما يذكره السلف في أقوالهم: «والله لولا الله ما اهتدينا، ولا صمنا، ولا صدقنا، ولا صلينا»، ما كان منا لا صلاة، ولا كان منا صيام، ولا كان منا عبادة إلا بمشيئة الله، هو الذي أعان، فالله يستعان به في كل الأحوال، وخاصة في باب الطاعات والعبادات. ومثل ذلك ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى، حيث قال: «قال فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل أوامره وترك محظوراته»، إلى أن قال: «فإذا حقق العبد الاستعانة في ذلك أعانه الله»، الله يستعان به في فعل الطاعات، في فعل الطاعات تستعين بالله سبحانه وتعالى، لا تظن أنك تؤدي هذه الأمور بقوتك أو بنشاطك وجهدك. ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، لا تكلني لماذا؟ إظهار العز والضعف، فما نحن قادرون على تسيير أمورنا في لحظة، فضلا عن يوم، فضلا عن عمر، عن عمر كامل، فضلا عن طاعات وعبادات، فالقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء. ولهذا قال ابن رجب: «فمن حقق الاستعانة على ذلك أعانه الله»، الجزاء من جنس العمل، إذا أظهرت يا عبد الله صدق الاستعانة بالله أعانك الله، أعانك الله على أمور الدنيا وعلى أمور الدين. ولعظيم مقام الاستعانة في باب العبادة والطاعة، قارن الله بينهما، يقول شيخ الإسلام رحمه الله في كلام نافع بديع، قال: «تأملت أنفع الدعاء»، أي من خلال نصوص الكتاب والسنة، «تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته»، فرأيته في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أنفع الدعاء وأعظم دعاء يدعو به المسلم بين يدي ربه جل وعلا، أن يسأله العون على طاعته وعلى مرضاته، بهذه الآية الكريمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، تطلب من الله جل وعلا أن تكون عبدا لله، وتسأله سبحانه أن يعينك، أن يعينك على ذلك، يعينك على الصلاة، على الصيام، على القيام. لا تظن ما تؤديه من طاعات، ولا من عبادات، أنه قام بجهدك الشخصي، لا يعبد الله، وإنما ما تفعله من طاعة وعبادة إنما الله هو الذي أعانك عليه، حتى التسبيحة عندما تقول: «سبحان الله»، اعلم أن الله أعانك عليها. ولهذا يا عبد الله في رمضان، ونحن نشمر عن ساعد الجد على طرق أبواب الطاعات والعبادات، لا ننسى هذا الباب أن نستعين بالله جل وعلا في أن يعيننا، فإن المعان من أعانه الله، والموفق من وفقه الله. وانظر وتأمل في حال الناس في رمضان، تجد ذاك الشاب القوي الفتي، لربما يشمر عن ساعد الجد في فعل طاعة وعبادة، ما هي إلا برهة من الزمن، فإذا به تقاعس وكسل، وينفر وينفر، بينما في مقابله تجد رجلا آخر، لربما كبير السن، طاع في العمر، بل لربما كان طريح الفراش، وهو مع هذه الحالة التعيسة، وهو قائم لله يصلي قائما، قاعدا، أو مضجعا على فراشه، يقبل على قراءة القرآن في ليله ونهاره. كيف هذا؟ كان الظن في ذاك الشاب القوي أن هو الذي يستمر، وهذا الكبير في السن الضعيف المريض هو الذي يكسل، لكن صار العكس، لماذا؟ حتى نعلم أن الموفق من وفقه الله، الموفق من وفقه الله، وما يوفق الله من عباده إلا من استعان به، الجزاء من جنس العمل، من استعان بالله أعانه الله، بغض النظر عن حالته، بغض النظر عن سنه وعن وضعه. ولهذا كان مما يدعو به نبينا، بل وأوصى به، وهذه من وصاياه، أنه قال لمعاذ بن جبل: «يا معاذ، إني أوصيك ألا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، لا تدعن دبر كل صلاة، أي أوصاه نبينا أن يجعل هذا الأمر وردا ودعاء يذكر في كل فرض. واختلف العلماء في دبر كل صلاة، هل قبل الصلاة؟ بعد الصلاة؟ من جعلها أنها قبل الصلاة، لأنها من جنس الدعاء، قبل أن تسلم ادع: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وتأمل في هذه الكلمات الذي قال عنها العلماء أنها جمعت أجناس العبودية في هذه الكلمات الثلاث. «اللهم أعني على ماذا؟ على ذكرك»، ذكرك يدخل في ذلك كل عبادة من عبادات اللسان، من قراءة القرآن، ومن التسبيح والتهليل والتكبير والاستغفار، وكل ما جرى مجرى «أعني على ذكرك»، على التلفظ باسمك. «وأعني على شكرك»، قال علماء: الشكر دلالة على عبودية القلب، لما فيها من الخضوع والخنوع والإقرار والإعظام لرب الأرض والسماء، تسأل ربك أن يعين القلب على الاستذكار لنعم الله عليه. «وعلى حسن عبادتك»، قالوا: هذا فيه عبودية الجوارح، عبودية الجوارح، ما تؤديه من أعمال ومن أفعال ظاهرة، تسأل ربك أن يعينك عليها، «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، فإذا كان الإنسان حريصا على هذا الدعاء، أو على مطلق الدعاء في أنه يسأل ربه الإعانة، أعانه الله سبحانه وتعالى. ولهذا إخواني في الله، فالمسلم يحرص على هذا الدعاء، ويحرص كذلك على أن يطلق باب الاستعانة، ويلهج إلى الله، وخاصة في رمضان: «اللهم اجعلني من عبادك الصالحين، اللهم اجعلني من أهل الصلاة والصيام والقيام، اللهم اهدني»، تسأل ربك الهداية وتثبيت القلوب والطاعة. فإذا رأى ربك منك الإخلاص والتفاني وطلب الإعانة، أعانك الله عز وجل، لأن أمرك كله بين يدي ربك، وفي الدعاء: «اللهم إني وجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك»، أمورنا كلها بين يدي الله عز وجل. ولهذا إخواني في الله، فمما يوصى به للاستمرار على الطاعة والعبادة في رمضان، أن نستعين بالله في أن يعيننا على الطاعات والعبادات، وأن لا نغتر بأنفسنا، ولا بقوتنا، ولا بهمتنا، ولا بنشاطنا، ولا بجدنا، وإنما نفوض أمرنا إلى الله، ونظهر عجزنا وضعفنا، وأننا بحاجة إلى ربنا لأن يأخذ بنواصينا إلى ما يحبه ويرضاه، فإن ذلك من أعظم الدواعي أن الله يعيننا على طاعته وعلى مرضاته. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.