الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى تكريم الله لبني آدم بالرفع والشرف، ويناقش أفضلية صالحي البشر على الملائكة. كما يستعرض آيات تثبيت النبي ﷺ ونصره على المستهزئين مع تحذير من عذاب المكذبين في الدنيا والآخرة.
يفسر المقطع مصطلحات قرآنية عدة مثل الإملاق بمعنى الفقر أو الخوف من النفقة، والقتور بمعنى البخيل، والموفور بمعنى الوافر. ويربط هذه المعاني بآيات الإنفاق والبخل وعاقبة البخلاء يوم القيامة.
يستعرض المقطع معاني التبذير كإنفاق في الباطل، والرحمة كرزق، والنهي عن القول بغير علم مع ترتب المحرمات. ويفسر آيات الجوس في الديار، وتسيير الفلك، وسجود الخاضعين على الأذقان.
يختتم المتحدث باستعراض ما تبقى من معاني آيات سورة الإسراء في صحيح البخاري مكتفياً بهذا القدر من الشرح. ويظهر في نهاية المقطع إشارة إلى ترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾. قال: كرمنا وأكرمنا واحد، أنا معناهما واحد، بل كرمنا هي أشد مبالغة من أكرمنا، أشد مبالغة من أكرمنا، وهي من الكرم وهو الرفع والشرف. ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ أي: شرفناه ورفعناه. ولهذا استدل بها بعض أهل العلم، مفسرين بهذه الآية، أن صالحي هذه الأمة أفضل من الملائكة. قد ذكرنا هذه المسألة قريبًا، وقلنا أنها من فضول العلم، ورجح شيخ الإسلام أن الملائكة أفضل في المبدأ، وأن صالحي البشر أفضل في المنتهى. قالوا: قوله ﴿ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ﴾ أي: عذاب الحياة وعذاب الممات. وهذه نعمة ربنا جل وعلا، بين أنه ثبت نبيه ونصره وأيده، ودفع عنه كيد الأشرار أو شر الأشرار وكيد الفجار. وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾. فقال جل وعلا: ﴿ وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ﴾. أي: ضعف الحياة، أي ضعف عذاب الحياة، وضعف الممات، أي ضعف عذاب الممات. أنا مقدر محذوف: أي أنك لولا تثبيتنا لك ونصرنا لك لكان كذلك. أنا ربنا جل وعلا أبان لنبيه عليه الصلاة والسلام أنه لولا تثبيته سبحانه له ونصرته، وكذلك مدافعته عنه، لكان مع هؤلاء، ولكان أهل العذاب والعياذ بالله، حاشى نبيه عليه الصلاة والسلام. لكن أراد ربنا جل وعلا أن يبين أن نصرة الله وتأييده وتثبيته للعبد هي التي تمنعه من عذابه سبحانه وتعالى. قال: وقوله جل وعلا: ﴿ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. قال: خلافك وخلفك سواء، أي بعدك، أو بعد ما تذهب أنت يأتون خلافك، من يأتي بعدك يخلفك بعد ذلك، أو بعد أن تذهب أو أن ترحل، لا يلبثون خلافك إلا قليلاً. قال: ونأى أي تباعد، ونأى بجانبه أي بعد جانبه وأعرض عن الحق. قال: شاكلته أي ناحيته، ما يقول: كل يعمل على شاكلته، على طريقته وخلقه عليها، ثم تجتمعون عند الله جل وعلا فيبين، ويحكم الله عز وجل بين العباد كما جاءت في الآيات المتواترة. يضيق ربنا جل وعلا خصومة أهل الكتاب لأهل الإيمان لأهل الإسلام، ثم يبين أنه سيحشر بينهم يوم القيامة جل وعلا. قال: وهي من شكله، ﴿ وَلَقَدْ صَرَفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾، صرفنا في هذا القرآن، من كل مثل حتى يرجع الناس إلى ربهم، قربنا لهم الأمثال وقربنا لهم الألفاظ حتى يعرفوها، والمعاني حتى يعرفوها، ويعرفوا الطرق التي تؤديهم إلى ربهم سبحانه وتعالى. قال: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾. قال: قبيل، إن معينهم مقابلة، وقيل: القابلة لأنها مقابلتها، القابلة التي تولد المرأة تسمى قابلة لأنها تقابلها وتقبل ولدها، أنا تقابل، فسميت القابلة: معنى التي تعاين الشيء وتقابل وتواجهه. وقوله: ﴿ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ﴾، أي: أنفق الرجل وأملق، ونفق الشيء ذهب، أنا خشية أن يذهب، فقوله: خشية إملاق أو خشية إنفاق، خشية الإنفاق. يقال: أنفق الرجل أملق، أنفق الشيء ذهب، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ﴾، أي: من خوف أن يقتلون أولادهم لأجل أنهم لا يستطيعون النفقة عليهم. قال: قتور، ﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا ﴾ أي: مقترًا، قتور معناه: أنه ممسك ولا يعطي ما وجب عليه، أنا يخشى أن يفتقر، فلهذا يصيبه الشح، يصيبه البخل بسبب أنه يخشى أن يذهب ماله. ﴿ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ﴾، أنا لو كانت عندكم خزائن الله، فطبع الإنسان أنه مهما بلغ عنده من المال فإنه يشح عنه، وإن أنفق خشية يذهب عليه هذا المال، فيأتيه البخل بعد ذلك. وقال جل وعلا: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، فالإنسان يظن ببخله أنه يحرص على عدم ذهاب المال، وإنما إذا أنفقه زاده الله عز وجل وبارك فيه، وهو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مال من صدقة». قال: وقال مجاهد: موفور، أي: وافرة، أن يوفر ويبقى ويكثر ويتكاثر. وقوله: ﴿ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾، وقال ابن عباس: نصيرًا، أنا نصيرًا في هذا، نمر، ثم لا تجد لك علينا نصيرًا، وجاء في الآية الأخرى: ﴿ لِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾. قال: وقوله جل وعلا: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾، أي: طفئت، الله عز وجل يقول: كلما خبت زدناهم سعيرًا، أي: كلما طفئت هذه النار، زادها الله عز وجل شعلاً ونارًا ولهيبًا. وقال: قال ابن عباس: ﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾، أي: لا تنفق في الباطل، لا تبذر تبذيرًا، ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾، والتبذير هو الإنفاق في الباطل كما قال ابن عباس، أو الإنفاق فيما لا فائدة فيه كما عرفه بعض العلماء، التبذير هو الإنفاق فيما لا فائدة فيه، وهو السرف في غير حق، أن الذي ينفق في أشياء لا تعود له بنفع لا في الدنيا ولا في الآخرة، قيل: أن التبذير عموم من الإسراف، فالتبذير هو الإنفاق في غير حق، هو أعظم من الإسراف، أنه ينفق أموالهم في الباطل، فهذا مبذر. وقوله هنا: ﴿ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ ﴾، أي: رزق. قالوا: هذا جاء من ابن عباس وغيره، أنه قال: رحمة من ربك أي رزق. قالوا: قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ ﴾، أي: رزق. وقوله: ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنَ مَثْبُورًا ﴾، أي: ملعون، وإني لا أظنك يا فرعون مثبورًا، أي: ملعون، لعنك الله، مطرد من رحمة الله. وقوله: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾، لا تقف، أي: لا تقل، لا تقل، لا تقف ما ليس لك به علم، أي: لا تقل ما ليس لك به علم، لا تتكلم فيما ليس لك به علم، فإنها عظيمة، وقد جعلها الله عز وجل بعد شر، فقل: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. قال العلماء: إن الله عز وجل رتب في هذه الآية الحرام تصاعديًا، بدأ بالأسهل ثم الأعلى ثم الأعلى، فجعل القول على الله بغير علم أعظم من الشر، لأن الشر يأتي من القول على الله بغير علم، وأيضًا كذلك الدعوة إلى غير الله هو من القول بغير علم وهو داخل فيه، فالقول على الله بغير علم أعم من الكفر والشرك، فيدخل فيه هذه الأشياء، وتدخل أيضًا فيه بعض ما يقول حرامًا ولا يكون كفرًا. قال: فجاسوا، أي: تيمموا، أنا قصدوا، ﴿ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ﴾، أي: قصدوا هذه الديار. وقوله: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ ﴾، يسجر، يسجر، أنا يسجر الفلك، أنا يجري الفلك، أنا أراد الله عز وجل أن يبين إسجاره/سيره في البحر. فقال: ﴿ يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ ﴾، حي يسيرها في البحر. قالوا: قوله: ﴿ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴾، أي: بوجوههم يخرون، يسجدون لله جل وعلا. فهذه بعض المعاني التي ذكرها الإمام، بعض ألفاظ القرآن والآيات التي في سورة بني إسرائيل، في سورة الإسراء، التي ذكرها الإمام البخاري هنا، ليمين بعض معاني هذه الآيات. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر