الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض المقطع حديث البخاري عن آية ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ مع ذكر سنده، وناقش اختلاف القراء بين تخفيف "أمرنا" وتشديده، ثم أوضح أن الأمر الإلهي ينقسم إلى أمر شرعي تكليفي وأمر قدري كوني.
شرح المقطع معنى "مترفي القرية" بأنهم أهل المال والسلطة، وبين أن إهلاك الله للقرية يكون بتسلط أشرارهم وفسادهم، مستعرضاً اختلاف القراءات بين التشديد والتخفيف في كلمة "أمرنا" وما يترتب على كل قراءة من دلالات قدرية أو شرعية.
تناول المقطع اختلاف القراء في ضبط كلمة ﴿أَمَرْنَا﴾ في سورة الإسراء آية 16 بين الكسر والفتح، مع ذكر آراء علماء القراءات والتفسير كابن عباس وأبي عمرو وابن كثير والكسائي والفراء وابن مسعود، وبيان أن المعنى يحتمل الأمر القدري بإهلاك القرية، أو تسلط الأشرار فيها، أو تكثير أهل الفساد، وكلها أوجه صحيحة لغوياً وشرعياً.
اختتم المتحدث شرحه للآية والحديث مشيراً إلى الاكتفاء بما ذُكر، مستعيناً بالله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾. قال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله، وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني، إمام من أئمة المسلمين. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، محمد بن عيينة، إمام أهل مكة. قال الشافعي رحمه الله: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز». قال: أخبرنا منصور، وهو ابن المعتمر، حافظ من حفاظ أهل الكوفة، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله، وهو ابن مسعود، قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية: «أمر بني فلان». قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، وقال: «أمر». وهذه الآية اختلف العلماء في معناها، وكذلك في قراءتها في هذه الكلمة، وهي قوله جل وعلا: ﴿ إِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾. «أمرنا» بالتخفيف: هذه قراءة الجمهور. وقرأ بعضهم «أمرنا» مترفيها بالتشديد. ولهذا اختلفوا في معناها، من مراد. فقال بعضهم: أن المراد «أمرنا مترفيها» أي: أمرناهم أمرًا قدريًا. الأمر ينقسم إلى قسمين عند أهل السنة، أو الأمر نوعان: أمر شرعي، وأمر قدري. فالأمر الشرعي هو الذي يأمر الله عز وجل به في كتابه أو على لسان رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام. وأما الأمر القدري فهو ما قدره الله عز وجل أن يقع. فيقال لهذا الأمر: أمر كوني. ﴿ إِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾: مترفيها أي أهل الأموال، وأهل الجاه فيهم، وأهل السلطة. فأمرنا مترفيها ففسقوا فيها، أي: قدر الله عز وجل عليهم بالفسوق والعصيان والشر. وقال بعض العلماء: هو ما جعله ابن عباس، أنه قال: «أمرنا مترفيها» أي: أمرنا على التشديد، أمرنا مترفيها، جعلناهم أمراء في الشر، جعلناهم أمراء في الشر. فإذا فسد ملوكها وكبراؤها، جاء بعد ذلك أمرنا فدمرناها تدميرًا. على أن الله عز وجل لا يهلك القرى إلا إذا فسد أهلها، فسد ساستها ورؤساؤها وكبارها. و﴿ إِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا ﴾: معنى الكلام أن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك قرية لكثرة فسادها، أمر عليهم الأشرار، أمر عليهم الأشرار، فعبدوهم، ثم بعد ذلك أيضًا يعذبهم الله عز وجل هم وإياهم، فيدمرها تدميرًا. ولهذا تجد أن الله عز وجل لما ذكر الأمم، وما أرسلنا في أمة من رسول إلا قال مترفوها: ﴿ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴾، وقالوا: ﴿ إِن وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾. فمترفوهم أهل المال، وأهل الجاه، وأهل الترف فيها، وأهل أيضًا الإمارة. يجعل الله عز وجل يعذبهم أولًا بملوكهم، فيجعل الأشرار فيها يتسلطون عليهم. وهذا معنى صحيح، لكن هذا سيكون على قراءة التشديد: «أمرنا مترفيها». لكن على قراءة التخفيف، وهي قراءة أكثر القراء، فتكون إما أمرًا قدريًا، وإما كما قال ابن مسعود هنا: «كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية: أمر بني فلان». وعلى رواية الحميدي فتكون: «وقال: أمر». قال: «أمر بني فلان»، أمرنا معناها على أنها أمرهم فيها، تأتي بالتخفيف، كما قال هنا: «أمر بني فلان»، فجعل الأمر لهم، جعل الأمر لهم. كما قال الإمام ابن جرير رحمه الله: وقال: ذكر الرواية هنا أن ابن عباس قرأها بكسر المين: ﴿ إِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا فِيهَا ﴾. وقال هنا: وقرأ طائفة من الآخرين بفتح المين: «أمرنا». وقال: رواية عن أبي عمرو بن العلاء، شيخ قراء البصرة، وابن كثير، شيخ قراء مكة، وغيرهما. اختارها يعقوب، ووجهها الفراء بما ورد من تفسير ابن مسعود، وزعم أنه لا يقال: «أمرنا» بمعنى: كثرنا، إلا بالمد: «آمر بني فلان». ففسرها على «آمر بني فلان»، أي: كثر، كثر، كثر عددهم. فيقال: «آمر بني فلان». لكن يقول هنا: أن الفراء يقول: أنه لا يكون إلا بالمد: «آمر بني فلان» أو «آمر بني فلان». لكن هنا يقول: أنها لغة قد قرأ بها أولو المراء. طيب، المهم أن المراد في الآية: أن الله عز وجل إما أمرهم أمرًا قدريًا فسلط عليهم، أو أمرهم أمرًا جعل من أمر فيهم من الأشرار، أي: سلط عليهم أشرارهم، سلط عليهم أشرارهم، فخسفوا وعدبوهم وشقوا عليهم. وهذه سنة الله عز وجل: أن هذا القوم هو الذي وجد في الأمم، أن الله عز وجل يسلط عليهم شرارهم، ثم يهلكهم الله عز وجل ويدمرهم. فهذه الوجوه كلها تصح إذا كان المعنى صحيحًا، سوى كان أمر قدريًا، أو أنه أمر أشرارهم، أو أنهم يكثرون أهل الفساد أيضًا. هذا على قول ابن مسعود: أنهم إذا كثروا في الجاهلية يقال: «آمر بني فلان»، أو يقال: «أمر بني فلان»، «أمر بني فلان». وقد جاء في حديث سفيان: عندما كان يكلم هرقل، فقد قال: «لقد، لقد أمر أمر أبي كمسا»، يعني: يعني: عظم أمر، عظم أمر، وكثر أمر، حتى هابه عظيم الروم، حتى هابه عظيم الروم. طيب، هذا إن شاء الله ما يذكر في هذه الآية وفي هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.