الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 156، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع معنى "رهواً" في أمر الله لموسى بترك البحر يابساً ليغرق فرعون وجنوده، ثم يشرح آية "فاعتلوه" الدالة على سوق عابدي غير الله إلى النار. ويبين أن كل أمة تتبع معبودها يوم القيامة إلا من سبقت لهم الحسنى.
يبيّن المقطع أن من يُعبد من دون الله وهم الطواغيت والكفرة سيكونون حطباً لجهنم، كما كان حال فرعون والجبابرة الذين أمروا بعبادتهم. ويصف عذابهم في النار بصب الحميم وإذاقتهم العذاب، مع توضيح معاني المهل والرصاص المذاب في سياق العذاب الأخروي.
يوضح المقطع أن "تبع" لقب لملوك اليمن كغيره من الألقاب، ويذكر الخلاف في شخصية تبع المعين وهل كان نبياً أو صالحاً. يستعرض أقوال السلف والروايات الضعيفة وحديث النبي ﷺ الذي توقف فيه عن الجزم بنبوته.
لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في شأن لقمان، بينما روى ابن عباس أنه كان نبياً أو أسلم أو كان رجلاً صالحاً. وروى قتادة عن عائشة أنها قالت إنه كان رجلاً صالحاً فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة حم الدخان. وقال مجاهد: رهوى أي طريقا يابسا، ويقال: رهوى ساكن. وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾، قال مجاهد: أي يابسا. والمراد كما جاء في كلام مجاهد رحمه الله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي يابسا كهيئته يوم ضرب، يقول: لا تأمره أن يرجع، بل اتركه حتى يدخل آخرة، رهوى أي تركه يابسا، لا تأمره بالرجوع، ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. وهذا أن الله عز وجل أيد موسى، وأمر موسى أن يضرب البحر بعصاه، وأيضا جعل أمره أمر البحر بيد موسى، ولهذا قال: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي لا تأمره بأن يرجع وأن يلتئم. وأخبر الله عز وجل موسى أنه سيغرق، أنه جل وعلا سيغرق فرعون في هذا، وجنوده يتبعك. وقال بعضها للتفسير: ولعل موسى عليه الصلاة والسلام خاف أن يتبعه فرعون، فقد يظن أنه سيضرب البحر حتى يرجع، لكن قال الله عز وجل له: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾، أي سيغرقهم الله عز وجل، ولو اتبعوكم، دعوهم يتبعونكم، فأراد الله عز وجل أن يتوسطوا البحر فأطبق عليهم بعد ذلك. وأصل الرهو كما قال أهل اللغة: هو السكون. ﴿عَلَمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي على من بين ظهريه، وهذا معنى أنه قال: ﴿عَلَمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾ على من بين ظهريه، أي أهل العصر وأهل ذلك الزمان. وقوله: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ خذوه، ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾، ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾، ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾، قال: فادفعوه. معنى المراد: خذوه ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي ادفعوه إلى النار. وهذا يأتي يوم القيامة عندما يتبع كل أمة معبودها، أن كل من عبد غير الله يتبعه إلى النار، إلا كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَن سَبَقَتْ لَهُ مِنَّا الْحُسْنَىٰ فَأُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. وقال: كما جاء في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن الله عز وجل ينادي: أن كل أحد يتبع معبوده في النار. ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، حصب أي حطب. هؤلاء الذين تعبدونهم هم حطب النار التي ستدخلون فيها. وهذا لا شك يحمل على من عبد الطواغيت، وأما من عبد الصالحين فإنه لا يؤثر على أهل الصلاح عبادتهم، إلا كما قال الإمام: أن من الطواغيت من عبد من دون الله عز وجل وهو راض، وذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضا: كذلك من عبد من دون الله وهو راض، طاغ من الطواغيت الخمس الذين ذكرهم، لما قيد يرضى بعبادة غير إله، فهذا لا شك أنه طاغوت، فيعد فهو من أهل النار. وهذه كانت دعوة فرعون ومن كان مثله من الجبابرة، أن يأمروا الناس أن يعبدوهم، وأن يعظموهم من دون الله جل وعلا، أو يعظموهم كتعظيم الله، أو يصرفوا لهم بعض العبادات، أو يسجدوا لهم، فكل ذلك معنى الأمر: أن يأمر الناس أن يعبدوهم. وهذا كله يدل، أو هذا قد بيّن الله عز وجل أن هؤلاء يكونون حطب جهنم، تشعل النار بهم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، أن هذه النار تشعل بالناس كما تشعل بالحجارة، وهؤلاء الناس من هم؟ هم الطواغيت والكفرة الذين يأمرون الناس بعبادة غير الله أو بعبادتهم، فهؤلاء هم حصب جهنم وحطب جهنم، تشعل بهم النار. فالله عز وجل هنا قال: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. وقال في وصف المهل: يغلي في البطون كغلي الحميم، فقوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ معنى: ما أسود غليظ، معنى كرديء الزيت، عن الزيت الرديء الذي قد استعمل وقد مر عليه فترة فيسود، وهذا مثله ما يشبه الصديد. وقال بعضهم كما جاء ذكر الحافظ أيضا: أنه قيل الرصاص المذاب. وقال: قيل تبع ملوك اليمن، كل واحد منهم يسمى تبعا لأنه يتبع صاحبه، والظل يسمى تبعا لأنه يتبع الشمس، لأنه تبع. أي ملوك اليمن، وهذه لقب في ملوك اليمن، مثل أن الروم يقال لملوكهم قيصر، والفرس يقال لملوكهم كسرى، وكذلك الحبشة يقال لملوكهم النجاشي أو نجاشي، وملوك مصر يقال لهم فراعنة. أن هذه ألقاب، فمصر يسمى ملوكهم فراعنة، واليمن يسمى ملوكهم تبع. ﴿أَهَٰؤُلَاءِ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾، فتبع هذا ملك من ملوك اليمن، واختلف في اسمه، وقيل أنه في زمان ذي يزن، وهو الذي قتله ذو يزن، لكن هذه كلها أخبار ليس عليها أسانيد صحيحة، وغالبها أخبار لا أسانيد لها أو أنها عن مجاهيل. وجاء عن بعض السلف أن تبع هذا كان رجلا صالحا، ذكر ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وذكر أيضا عن سعيد بن جبير عن جماعة من السلف أنه كان رجلا صالحا، وهو أول من كسا البيت، هكذا قال سعيد بن جبير، الله أعلم. ويقال أن اسمه أسعد بن معد كرب، ويقال غيره. وجاء حديث عند أحمد من حديث سهل بن سعد أنه قال: لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم، ولكنه ضعيف لا يصح. والظاهر أنه من كلام بعض السلف، لأن الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بإسناد لا بأس به أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا أدري تبعا كان نبيا أم لا»، وجاء في لفظ: «كان نبيا أم لا تبعا». وذكر الدارقطني رحمه الله أن هذا الحديث أيضا تفرد بها عبد الرزاق ولم يُتَابَع عليه، قد يكون أيضا معناه أنه أدخل على عبد الرزاق لأنه حدث بحديث بعد المائتين حديث بواطيل، والله أعلم. وقول الدارقطني أنه تفرد بها عبد الرزاق يدل على أنه أنكره، أنه أنكره، وهذه عبارة يطلقها بعض العلماء على الحديث المنكر الذي لم يُتَابَع عليه صاحبه. طيب، المهم أن تبع كان من ملوك اليمن، وهل كان نبيا أو كان صالحا؟ الله أعلم، جاء عن بعض السلف هكذا. أما عن النبي عليه الصلاة والسلام فالظاهر أنه لم يصح عنه شيء. صح عن ابن عباس أنه كان نبيا أو أنه أسلم أو أنه رجلا صالحا، وذكر قتادة عن عائشة كذلك أنه رجلا صالحا. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى شكرا لكم.