الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تفسر عائشة رضي الله عنها أن الآية نزلت في أولياء اليتيمات الذين يرغبون في مالهن وجمالهن فيريدون نكاحهن بأقل من مهر المثل، فنهاهم الله عن ظلمهن وبخس مهورهن. وأمرهم الله إن خافوا ألا يقسطوا في مهور اليتيمات أن ينكحوا غيرهن من النساء.
بينت الآية جواز الزواج من مثنى وثلاث ورباع مع اشتراط العدل، وربطت عائشة رضي الله عنها هذا الحكم بمنع استغلال اليتيمات، فمن خاف عدم القسط في مهور اليتيمات فعليه الزواج بغيرهن أو إعطائهن حقهن كاملاً. ويظهر أن إباحة التعدد جاءت مقيدة بتحقيق العدالة المالية والاجتماعية.
أوضحت عائشة رضي الله عنها أن ولي اليتيمة ملزم بإعطائها مهر المثل أسوة بغيرها من النساء، ولا يحل له استغلال ولايته لتقليل مهرها أو بخس حقها. وإن عجز الولي عن إقامة العدل والإنصاف فالأولى به أن يترك نكاحها ويتزوج غير اليتيمة ليبرأ ذمته ويسلم حقها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا علي، وهو أبو الحسن علي بن جعفر بن المديني، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم عن يونس بن يزيد، وهو العيلي، عن الزهري، قال: أخبرني عروة أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قالت: يا ابن أختي، اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، يريد أن يتزوجها بأدنى من سنن صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن فيكملوا الصداق، وأمروا بالنكاح من سواهن من النساء. فمعنى كلام عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها قالت أن المراد بهذه الآية في أناس نزلت عندهم يتام، ومن ضمن اليتام بنات، ويكون هناك ولي لهم ليس من أقاربها، فيريد أن يتزوجها لكن لا يعطيها مهراً أو يعطيها شيئاً من المهر يسيراً، بمعنى أنه يستغل ضعفها أو يستغل أنها عنده، فنهى الله عز وجل عن ذلك. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي: إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتام، أي في مهرهن، يعني في المهر الذي تعطونهن، فلا ينبغي أن يكون هذا المهر بخساً، بمعنى تبخسوهن في المهور، فإن أردتم إلا ذلك فلا تنكحوهن، وانكحوا ما غيرهن من النساء، وانكحوا غيرهن من النساء حتى تبتعدوا عن هذا الأمر. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي: عندكم لكم أن تتزوجوا واحدة، واثنتين، وثلاثاً، وأربعاً، إنما لكم إلى أربع أن تتزوجوا، ولا تدخلوا في شيء يكون فيه عليكم وزر، فتستغلوا مثلاً هذه اليتيمة لأنها في حجركم أو عندكم، فتتزوجها مثلاً، أو يتزوجها شخص بأدنى من سنن صداقها، بمعنى بشيء يسير ليس مثل ما يعطي النساء. فلهذا قال: فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، إذا أراد أن ينكح هذه المرأة اليتيمة فيعطيها مثل ما يعطى النساء، فيعطيها مثل ما يعطى النساء ثم يتزوجها بذلك، أو أنه يتزوج غيرهن، أو أنه يتزوج غيرهن حتى لا يستغل أولئك النساء. فهذا معنى كلام عائشة رضي الله تعالى عنها في تفسير هذه الآية، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فما علاقة اليتامة بالنكاح؟ فبينت عائشة رضي الله تعالى عنها أن المراد: الولي، ولي اليتيم، إذا أراد أن يتزوج هذه البنت اليتيمة التي عنده، فإنه ينبغي أنه يعطيها مثل ما تعطى النساء، لا يستغل الوضع أنه هو وليها أو هو الذي يربيها أو هو كذا، فيعطيها شيئاً يسيراً فيستغلها بهذا، وهذا لا يجوز. وإن كان سيفعل ذلك فالأولى له أن لا ينكحها، وينكح النساء غيرها، كثير له أن يتزوج، إن كانت عنده امرأة له أن يتزوج أخرى، أو يتزوج ثالثة، أو رابعة، ولكن لا يفعل أنه يتزوج هذه اليتيمة يستغل ضعفها، أو يستغل ولايته عليها فيأخذ مالها ويأخذ أيضاً، وأيضاً لا يعطيها المهر الذي تستحقه. فهذا ما ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها في تفسير هذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر