المسائل الفقهية من قول خير البرية 2

المسائل الفقهية من قول خير البرية 2

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام وفضيلة يومي الاثنين والخميس

يتناول الدرس هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الصيام مبيناً اعتداله في الصيام والإفطار، ويبرز حرصه على صيام يومي الاثنين والخميس لرفع الأعمال فيهما، مع الإكثار من الصيام في شعبان لرفع الأعمال السنوية.

عرض الأعمال على الله وحرص النبي على صيام الاثنين والخميس

توضح الأحاديث أن الأعمال تعرض على الله يومياً وأسبوعياً يوم الخميس وسنوياً في نصف شعبان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على صيام الاثنين والخميس ليُعرض عمله وهو صائم، وقد استحب أكثر العلماء ذلك اقتداءً به مع خلاف يسير في الكراهة مخافة الوهم.

وجوب طلب العلم الشرعي والإنذار به

يستشهد المقطع بآية قرآنية تأمر بتفريق طوائف لتتفقه في الدين وتنذر قومها، مؤكداً أن المسائل الفقهية مستمدة من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ومنسوباً ذلك للشيخ أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث بالشحر.

التفريغ النصي الكامل

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها الإخوة المستمعون، فهذه حلقة من الحلقات التي قد ذكرنا هذه السلسلة، وهي سلسلة المسائل الفقهية من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام. وقد أخذنا في الدرس الذي مضى حلقة من هذه الحلقات التي نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها، وأن تستمتعوا بوقتكم. حفظكم الله مع سماع هذه المسائل، هذه المسائل الفقهية التي نأخذها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخذنا في الدرس الذي مضى حديث أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث حديث أسامة رضي الله عنهما، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الأيام يسرد حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة، إن كان في صيامه وإلا صامهما، أي أنه يتحراهما. ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان. فقلت: يا رسول الله، إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين، إن دخل في صيامك وإلا صمتهما. قال: «أي يومين؟». قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذلك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». فأخذنا في الدرس الذي مضى بعض الفوائد، وخاصة هديه عليه الصلاة والسلام في صيامه، صلوات الله وسلام عليه، وكذلك في عباداته. فكان عليه الصلاة والسلام توسط في إعطاء نفسه حقها، ويعدل فيها غاية العدل، فيصوم ويفطر، ويقوم وينام، ويتزوج النساء، ويأكل ما يجد من الطيبات كالحلواء والعسل ولحم الدجاج، وتارة يجوع ويربط على بطنه الحجر عليه الصلاة والسلام، ولا توقد نار في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر. هكذا كان عليه الصلاة والسلام يجمع بين مقامي الشكر والصبر. فلذلك كان هديه عليه الصلاة والسلام في السرد أو في الصوم: كان يصوم ويفطر كما تقدم معنا. فليوم إن شاء الله تعالى أيضًا نأخذ بعض هذه الفوائد التي قد ذكرت في هذا الحديث. ومن ذلك صيامه عليه الصلاة والسلام في أيام الأسبوع، فكان عليه الصلاة والسلام يتحرى صيام الاثنين والخميس كما جاء في هذا الحديث، فكان إن كان في صيامه صامهما، وإن لم يكن في صيامه صامهما كذلك. وكذا جاء أيضًا عن جماعة من الصحابة حكاية هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يتحرى صيام الاثنين والخميس، كما جاء ذلك عند أحمد والنسائي والترمذي أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عليه الصلاة والسلام يتحرى صيام الاثنين والخميس. وجاء كذلك عند ابن ماجه عن أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس، فقيل له: يا رسول الله، إنك تصوم الاثنين والخميس. فقال: «إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهاجرين، فيقول: دعوهما حتى يصطلحا». وهذا الحديث صححه بعض العلماء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم قال إنه من كلام أبي هريرة. لكن ولو كان من كلامه يدل على أنه أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله عز وجل: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا». فدل هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على صيام الاثنين والخميس، وأنه يغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا في هذين اليومين. ومعنى ذلك أنها ترفع الأعمال وتفتح الجنة فيهما كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذه الأيام التي يرفع فيها العمل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يرفع عمله وهو صائم، كما جاء في حديث أسامة الذي ذكرناه. وقد جاء عن ابن عباس في صحيفة علي بن أبي طلحة عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، قال ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خير وشر، حتى أنه ليكتب قوله: أكلت وشربت وذهبت وجئت، حتى إذا كان يوم الخميس عُرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وأُلقي سائره. فذلك قوله جل وعلا: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. وقد أخرجوا صحيفة علي بن أبي طلحة صحيفة صحيحة كما قال الإمام ابن جرير رحمه الله. فهذا يدل على اختصاص يوم الخميس بعرض الأعمال، لا يوجد في غيره. وقد كان إبراهيم النخعي يمكي لامرأته يوم الخميس وتمكي إليه، ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله عز وجل. وهذا من العرض الخاص في هذين اليومين، فإن ذلك عرض دائم، وكل يوم يكون أيضًا عرض دائم بكرة وعشية. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين أن أعمال بني آدم تعرض على الله عز وجل يوميًا. لكن هذا الرفع الذي يكون يوم الاثنين أو يوم الخميس يكون عرضًا خاصًا كما بين ذلك العلماء. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيسأل الذين باتوا فيكم وهو أعلم جل وعلا: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون». فلهذا فإن هذا العرض يكون يوميًا. بل جاء في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». فلهذا كان عليه الصلاة والسلام يبين هذا العرض الدائم، لكن هناك عرض خاص، فيكون يوم الخميس عرض الأسبوع، وعرض عام يكون في بعض الأشهر كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره. وصحح كثير من العلماء أنه يكون في نصف شعبان عرض السنة، فكان عليه الصلاة والسلام يستحب أن يعرض عمله وهو صائم. عليه الصلاة والسلام تعرض عليه على الله جل وعلا أعمال العباد، فلذلك المسلم ينبغي أن يحرص على أن يكون أعماله صحيحة تعرض على الله، وخاصة إذا كان على صيام. وفي هذا الحديث في حديث أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سرد الفطر يصوم الاثنين والخميس، فدل على مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على صيامهما. وقد كان أسامة أيضًا يصومهما حضرًا وسفرًا، حضرًا وسفرًا. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر في بعض رواياته أنه لما قال له: لما أمره أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال له: إني أقوى على أكثر من ذلك. قال: «فصم يوم الاثنين ويوم الخميس». فهذه الأحاديث تبين استحباب صيام الاثنين والخميس. إذا دخل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحراهما، إذا دخل في صيامه ويصومهما إذا لم يدخل. فلهذا استحب أكثر العلماء كما قلنا استحباب صيام الاثنين والخميس. وقد جاء عن الإمام الشافعي أنه كره ذلك، وإنما كرهه كما بين ذلك لألا يتأسى جاهل فيظن أن ذلك واجب. قال: فإن فعل فحسن، يعني على غير اعتقاد الوجوب. فإذا فعل ذلك فحسن كما قال الإمام الشافعي رحمه الله. إنما صيام النبي صلى الله عليه وسلم فكان يتحرى الاثنين والخميس. فهذه فائدة عظيمة مما أخذناه من هذا الحديث، وهو أن المسلمين ينبغي أن يتحرى صيام الاثنين والخميس كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ودلت الأحاديث أن الأعمال ترفع في يوم الخميس فتعرض على الله جل وعلا، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: «أحب أن يعرض عملي وأنا صائم». فهذا صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أسبوعه عليه الصلاة والسلام. فنكتفي بهذا القدر، ونسأل الله عز وجل أن ينفع بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيرًا. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر.