الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي آيات آل عمران التي تصف أهل الكتاب، واليهود خاصة، بأنهم دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم فأعرضوا وزعموا أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة. وبين أن اليهود اشتهروا بعداوتهم للمؤمنين وقتلهم الأنبياء، وتحريفهم للكلام عن مواضعه لأجل الأهواء، مشبهاً الفرق الضالة من المسلمين بهم في اتباع الهوى وترك نصوص الوحي.
يبيّن المقطع خطر الخوارج الذين يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، فيفهمونه بهواهم فيفسدون الدين، ويشبههم سفيان بن عيينة باليهود في المكر والإفساد. كما يستعرض حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود وتحاكمهم للتوراة ففضحوا بتحريف آية الرجم، ودعوتهم للتوحيد والمباهلة فأعرضوا لكفرهم.
يبيّن المقطع أن إعراض اليهود والنصارى عن التحاكم إلى كتاب الله سببه أمانيهم الباطلة بأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، وادعاءهم احتكارية الجنة، مما غرّهم في دينهم وزين لهم الشيطان أعمالهم. ويوضح أن ذهاب العلماء وسيادة الجهلاء يؤديان إلى الضلال، ويختم بمصيرهم يوم القيامة حيث توفى كل نفس ما كسبت.
يختتم المقطع بيان ما ورد في الآيات الكريمة مع التوقف عند علم الله المطلق وشمول قدرته. وينسب النص المترجم في هذا الدرس إلى المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 23-25]. فهذا أيضًا امتداد لكلام الله عز وجل، وكما قلنا: هذه السورة أكثرها في اليهود والنصارى. وربنا جل وعلا بعدما ذكر أذية اليهود لأهل الإيمان وقتلهم لهم - وهذا من أشد ما عند اليهود عداوة، ويبين حقد اليهود وحسدهم على أهل الإسلام، وكذلك على الصالحين حتى أنهم يقتلونهم، يقتلون الأنبياء ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس - قال الله عز وجل: ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21]. وهنا أيضًا فائدة في هذا: أن البشارة أيضًا تكون بالشر، كما أن البشارة تكون بالخير تكون أيضًا بالشر. ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. وكما جاء في الحديث الذي أخرجه النسائي: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار». والحديث صحيح: «إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار». وهذا يدل على أن البشارة تكون بالخير وتكون بالشر، لكن الأصل إذا أطلقت فالمراد البشارة بالخير. فربنا جل وعلا يحذر هؤلاء الذين يقتلون الأنبياء، وكذلك يقتلون عباد الله الصالحين. وقال هنا في هذه الآيات: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ ﴾. قال المؤلف: أي: انظر وتعجب من هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب. جاء في تفسير هذه الآيات أن الكتاب هو التوراة، وهذا قال أكثر المفسرين من السلف: أن الكتاب هنا التوراة، والمراد بهم اليهود، أن المراد بهم في هذه الآيات اليهود بالأخص. فكذلك الآيات التي قبلهم: اليهود الذين يقتلون أنبياء الله، وأيضًا كذلك يقتلون أولياء الله. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ﴾ [المائدة: 82]. فأكثر الناس حنقًا على المسلمين هم اليهود. وتجد الآن أيضًا مكر النصارى وحسدهم على الإسلام، وكذلك يمكرون بالإسلام ويفتنون فيما بينهم. إنما هذا فعل اليهود أصلًا، والنصارى لما تسلطت عليهم اليهود فعلوا مثل ما فعل اليهود، وإلا هذه الأشياء ما كانت عند النصارى قديمًا. لكن لما سادت اليهود وصار أسيادهم اليهود، ففعلوا مثل فعلهم. فالآن تجد هؤلاء الذين يفسدون في الأرض أكثر رؤوسهم هم اليهود، وإن كانوا ادعوا أنهم نصارى. فقال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ ﴾، وهو التوراة الذي أنزله الله عز وجل على موسى، والذي يتبجح اليهود أنهم يعملون به، وكذبوا فاتخذوه وراء ظهورهم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ ﴾. وأن كتاب الله هو التوراة أيضًا، وقيل: القرآن، وقيل: إلى كتاب الله أي إلى ما في حكم الله عز وجل، قال: الذي يصدق ما أنزله على رسله. ولهذا الله عز وجل ونبينا عليه الصلاة والسلام حاكم اليهود في أشياء كثيرة، حاكمهم في أشياء كثيرة، فتجد أنهم يعرضون ويتولون ولا يأخذون حتى بما في كتابهم. وقصة الرجلين خير شاهد التي حصلت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا الله عز وجل قال: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 78]. يعلمون أنه كذب، لكن لأجل أخذ أموال الناس بالباطل، وكذلك للصد عن دين الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 34]. فللهذا فهؤلاء اليهود يفعلون هذه الأفاعيل لأجل مصالحهم، ولأجل أهوائهم أيضًا. وهذا كما قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: «من ضل من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن ضل من عبادنا ففيه شبه بالنصارى». فتجد العالم إذا كان من المسلمين تجده يضل بهواه. عندك الآن خوارج، شيعة، معتزلة، جميع الفرق الضالة تجد أنهم يتبعون أهواءهم، وإلا فعندهم النصوص واضحة. فهذا الشيعة ما ينكرون الذي في القرآن، يعرفون الذي في القرآن، لكنهم يتعامون لأجل أهوائهم، لأجل ما هم عليه من الأهواء. وكذلك القبورية، وكذلك الخوارج: يعلمون مذهب السلف وأنهم ما كانوا يأخذون مثل هذه الأشياء ويكفرون الناس، ويعلمون أن السلف يقولون: إن الكفر هناك كفر دون كفر، وهناك كفر مخرج من الملة، لكن هذا يضعونه وراء ظهورهم ويأخذون بأهوائهم. وإلا بعضهم يعترف أن هذا ليس قول السلف، لكن يقول: هذا الذي في القرآن، كأنه يفهم أفضل مما جاء في القرآن، أو أنه أفهم من السلف في فهم كتاب الله جل وعلا. ولهذا لما جاء رجل عند عمر وقال له: يا أمير المؤمنين، قد حفظ كذا وكذا من كتاب الله، عنه ناس من الأولاد والشباب حفظوا كذا وكذا من كتاب الله. فقال ابن عباس: أخاف أنهم يخفروا. ثم أنهم قالوا: معنى «يخفروا» أي أنهم يرون أنهم رأوا شيئًا، معنى: قد أصبحوا شيئًا، ثم أنهم يفهمون كتاب الله بأفهامهم. فقال له عمر: ما أنا لا أفعل مثل هذا، أو تقول مثل هذا الكلام. زجره عمر، زجر ابن عباس. ثم أن الرجل خرج، فاهتم ابن عباس لهذه الكلمة أنه لما زجره عمر، فأرسل إليه، فأرسل إلى ابن عباس أن يأتي، فجاء ابن عباس وقال: ما حملك على أن تقول هذا الكلام؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنهم إن حفظوا كتاب الله «يخفروا»، معنى: كأنهم يرون أنهم رأوا شيئًا، فكذلك بعد ذلك يفهمون كتاب الله بأفهامهم، أنهم حفظوا القرآن. فقال عمر: فكان ذلك في نفسه. يقول عمر: كان ذلك في نفسه، لكنه رضي الله عنه لم يبه به. وهذا الذي أخبر الله عز وجل عن الخوارج، أخبر الله عز وجل عنه: ﴿ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ﴾ [محمد: 24]. معنى: ما يفهمون إلا بأفهامهم، وإلا ما يأخذون بكتاب الله كما أخذ السلف، كما أخذ الصحابة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحقيرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». اتبعوا أهواءهم. فلهذا كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾ [القصص: 50]. فلهذا كان فسادهم عظيمًا في دين الله، فلهذا شبههم سفيان بن عيينة باليهود؛ لأن اليهود يمكرون لأجل الفساد في الدين، لأجل أن يفسدوا أهل الإسلام. فلهذا كانوا يقتلون، يقتلون الأنبياء، يقتلون الصالحين. لكن لما رأوا أن هذا لا جدوى منه، دخلوا بين المسلمين ودسوا أناسًا جواسيس بين أهل الإسلام، ويفتنون بينهم، يفتنون بين أهل الإسلام لأجل أن يتضارب أهل الإسلام بينهم البين. ونجحوا، ونجحوا في أشياء كثيرة من هذا الباب. الآن رأوا أن هذا الباب أفضل من القتل وأفضل من المعادات الظاهر. الآن تجد أنهم كأنهم يتباكون على المسلمين، أي هؤلاء اليهود. وأن مثلًا الآن في اليمن، وأن اليمن فيها مجاعة، وأن كذا، فيدخلون المنظمات، هذه المنظمات تفسد في دين الله وتفسد في أهل الإسلام، يدخلون هذه المنظمات لأجل الإفساد أصلًا وليس لأجل الناس. يعطون الناس بعض الأشياء من المعونات، لكنهم يحاولون أن يسلبوا الناس دينهم. ولعل أكثركم قد سمع ما حصل في تعز من خروج بعض النساء تطالب بعدم أولياء في الزواج، أنا تطالب أن لا يكون لها ولي على الأب في زواجها، تكون حرة، أنا تأخذ جوازها وتذهب أي مكان تريده، ما يكون بإذن الأب، على طريقة الكفار. فزرعوا هذا بين المسلمين. وكذلك يزرعون أيضًا بين المسلمين النشوز بين الزوج والزوجة، يربون النساء على عدم طاعة أزواجهم، وأن المرأة لابد أن تأخذ حريتها، وأنها كذا. وكل ذلك لعجل أن يفسدوا دين الله ويفسدوا أيضًا أهل الإسلام. فلهذا تجد أنهم يفعلون هذه الأفاعيل. والنبي عليه الصلاة والسلام قد دعاهم، وهذا من حلم النبي عليه الصلاة والسلام ورحمته، دعاهم حتى يدخلوا دين الله، أو يتحاكموا إن كان أرادوا التحاكم إلى التوراة أو إلى القرآن. فلم يتحاكموا، بل تولوا، حتى فضحهم الله عز وجل في مسألة الرجم. حتى ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدارس عندهم، كانت لهم مدارس في المدينة يفعلها اليهود، معنى: يعلمون أبناءهم. فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مدارسهم، وأخرجوا التوراة، فقال لهم: ماذا تجدون في كتابكم؟ أي في التوراة. قالوا: نجد التحميم، أنا أننا نسود وجهه وكذا ونحممه وندور به في الأسواق إذا زنى. قال عليه الصلاة والسلام: فأتوا بالتوراة. فجاء عبدالله بن صوريا، كان معلمًا للمدارس، وجاء بالتوراة فقرأها. فلما كان قرأها وضع يده على آية الرجم حتى لا ترى، وضع إصبعه على آية الرجم. فكان عبدالله بن سلام موجود، فقال: يا رسول الله، اجعله يرفع إصبعه من هذا المكان. فلما رفع إصبعه، فإذا عندهم حكم الرجم: أن زاني المحصن يرجم، مثل القرآن، مثل الإسلام. ففضحوا بذلك، وأنهم يفعلون هذا لأجل أهوائهم. فقال عبدالله بن صوريا أو غيره: يا محمد، إنما كان يحصل هذا الزنا في أشرافنا، فلما كثر في الأشراف اجتمع أحبار يهود على أن يغيروا هذا الحكم، فاجتمعوا على التحميم. فالمهم أن هذه الآيات يخبر الله عز وجل، ويدعو كذلك اليهود إلى دين الله عز وجل، وإلى التحاكم، إلى التحاكم إلى التوراة، وكذلك ما جاء في القرآن. لكن تجد أنهم يعرضون. وأيضًا دعاهم الله، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ [آل عمران: 64]. نحن نتفق بهذا، لكن هم ما رضوا بهذا؛ لأنهم يقولون: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 30]، ﴿ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 30]. ﴿ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 64]. فلهذا لم يوافقوا على هذا، وأعرضوا. وحتى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى المباهلة، وهذا آخر المطاف كما يقال. دعا النصارى واليهود إلى المباهلة كما جاء في القرآن، وسيأتي إن شاء الله في هذه الآيات. فقال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾. قال: وهم معرضون عن اتباع الحق. فكأنه قيل: لأي شيء دعاهم إلى هذا الإعراض، وهم حقوا بالاتباع، وعرفوا بحقيقة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهنا الله عز وجل لم يذكر الذي اختلفوا فيه حتى يحكم بينهم، لكن أطلقها، والمراد أن اليهود دائمًا يتهربون، دائمًا يتهربون من التحاكم، وكأنهم لا يعلمون أن هذا حق وهو موجود في التوراة أيضًا، سواء كان نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سواء كان التوحيد، توحيد الله جل وعلا، أو سواء كان غيرها من الأشياء التي حصل الخلاف فيها في ذلك الزمن. فدعاهم ربنا جل وعلا إلى التحاكم، لكنهم يعرضون. ثم بين الله عز وجل السبب في إعراضهم، قال: فذكر لذلك سببين: أمنهم وشهادتهم الباطلة لأنفسهم بالنجاة، وأن النار لا تمسهم إلا أيامًا معدودة، حددوها بحسب أهوائهم الفاسدة، كأن تدبير الملك راجع إليهم، حيث قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ [البقرة: 111]. ومن المعلوم أن هذه أماني باطلة شرعًا وعقلًا. هذا السبب الأول لذكره الله عز وجل: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾. هذا السبب الثاني. فالسبب الأول: أنهم يقولون أن النار ما تمسنا إلا أيام معدودة، مهما فعلنا، خلاص قد أخذوا العهد، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 80]. فهم أخذوا بهذا، كأنهم أخذوا عهدًا من الله أنهم يدخلون النار شيئًا يسيرًا لأجل معاصيهم ولأجل مخالفاتهم، ثم يحولون إلى الجنة. ولهذا قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: قالوا: ندخل النار قليلًا ثم تخلفون فيها نحن، ندخل قليلًا النار ثم نخرج، وأنتم تأتون إلى النار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبتم، والله لا نخلفكم فيها أبدًا، لا نخلفكم فيها أبدًا، بل هي لكم». معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم: أي النار أعدت للكافرين، فهي لكم أبدًا، أبدًا، العابدين - يعني الكافرين - خالدين فيها أبدًا. فهذا السبب الأول الذي ذكره الله عز وجل في الآية. والسبب الثاني: قال أنهم لما كذبوا بآيات الله وافتروا عليه، زين لهم الشيطان سوء عملهم واغتروا بذلك، يرون لهم أنه الحق، عقوبة لهم على إعراضهم عن الحق. فهؤلاء كيف يكون حالهم إذا جمعهم الله يوم القيامة؟ كذبوا على الله، وكذبوا أيضًا على رسول الله، وكذلك أيضًا يكذبون على أنفسهم. فالشيطان زين لهم هذا، فغرهم في دينهم ما كانوا يفترون. فاغتروا بهذه الدعوة التي يقولونها. فلهذا لم يقبلوا الحق من أحد. التوراة عندهم لكن لم تنفعهم، لماذا؟ لأنه وجد الهوى. ولهذا لما قال لبيد الأنصاري لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قال يا رسول الله، كيف يذهب العلم أو يدرس العلم، وقد علمناه وقد تعلمناه وعلمناه أبناءنا ونساءنا؟ قال: «إن كنت يا لبيد لا أظنك أفقه المدينة، فهؤلاء أهل الكتاب عندهم كتب، فما أغنت عنهم؟» فما أغنت عنهم هذه الكتب، لماذا؟ لأنهم أصحاب أهواء. أهل العلم الذين هم أحرص بدين الله عز وجل ذهبوا، وما بقي إلا هؤلاء أهل الأهواء. وهذا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأمة: «إذا قبض العلماء أهل الدين جاء الجهال وترأسوا الناس، فسئلوا بغير علم فأفتوا فأضلوا وأضلوا». كما جاء في حديث عبدالله بن عمر في الصحيحين: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». أنا ضلوا أنفسهم وضلوا غيرهم. فإذا ذهب العلماء ترأس الجهال. وهذا الذي حصل في الفرق المخالفة: أنه ترأس لهم جهال فأضلوهم عن سواء السبيل. فلهذا كان دأب اليهود الإفساد، وكان سبب هذا أنهم ادعوا أنهم يدخلون النار يسيرًا ويخرجون، وأيضًا الغرور الذي دخلهم: أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى. فهذا زين الله - أو زين لهم الشيطان - أعمالهم، فصدهم عن السبيل، فهم لا يهتدون، ولا أيضًا يقرون ويتحاكمون إلى الحق. فهذا السبب الآخر الذي يضلهم. فقال المؤلف رحمه الله: فهؤلاء كيف يكون حالهم إذا جمعهم الله يوم القيامة؟ كيف يقابلون الله وهم افتروا عليه؟ وقال: ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ [الزمر: 70] - يعني: وجرى عدل الله في عباده. فهنالك لا تسأل عما يصلون إليه من العقاب، وما يفوتهم من الخير والثواب، وذلك بما كسبت أيديهم، وما ربك بظلام للعبيد. فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ﴾، لا شك فيه، ذلك اليوم مجموع له الناس. ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. وعطيها كل واحد بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولا يظلم ربك أحدًا. فهذا ما يذكر في هذه الآيات، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر