الدرس في القواعد والأصول الجامعة 49، الدرس التاسع والأربعون : من : ( القاعدة الرابعة والعشرون ... إذا لم تتوقف على ناظر يقرر فيها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ القاعدة الفقهية التي تنص على أحقية من سبق إلى المباحات، موضحا المراد بالمباحات والأدلة الشرعية التي تدعم هذه القاعدة.
يتناول المقطع شروط تملك الأرض الموات بإحيائها، مثل حفر بئر أو بناء، ويشترط أن تكون الأرض غير مملوكة وأن لا تتعارض مع مصالح الناس.
من سبق إلى شيء مباح فهو أحق به، ولا يملكه إلا بحيازته، وتدخل في ذلك السبق إلى صيد أو حطب أو الجلوس في الأماكن المسبلة.
يجب أن تتوفر شروط شرعية في الناظر على الوقف كما دلت عليه الأدلة الشرعية، وهذه الشروط تمت الإشارة إليها سابقًا عند الحديث عن الوقف وأحكامه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: القاعدة الرابعة والعشرون: قال: من سبق إلى المباحات فهو أحق بها من غيره. هذه قاعدة من القواعد الفقهية الصعبة، وهي مثل الضابط، وسيأتي إن شاء الله أمثل لها. وقد وردت بها أدلة. قال رحمه الله تعالى: قال: المراد بالمباحات هنا ما ليس له مالك، قال: ولا هو من الاختصاصات؛ يعني من الاختصاصات مما هو من خواص ذلك الشخص أو تلك القبيلة. أظن في نسخة: ما ليس له مالك محترم هكذا. وأضاف هذا القيد ليخرج مال الكافر، وكذلك ما كان بمعناه مما لا حرمة لماله. قال رحمه الله تعالى: لقوله صلى الله عليه وسلم: من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به. وهذا الحديث ضعيف، جاء عن أسامة بن زيد من طريق داود البيهقي، في إسناده مجاهيل. ولكن يغني عنه ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما: أنه قال عليه الصلاة والسلام: الناس شركاء في ثلاثة: الكلأ والماء والنار. وهذا يدل أولا على استثناء في السبق: أن بعض الأشياء الناس بها شركاء، وإن كان قليل فمن سبق فهو أولى به، مثل الماء والكلأ والنار. جاء مثلا مطر في مكان وكان الماء قليل، فسبق إليه إنسان فشرب أو شربت دوابه، فلا يقول إنسان: هذه الأرض أرضي، ولا يحل لك أن تشرب؛ لا، بل الناس شركاء في ثلاثة. أو كان الكلأ قليل فسبق إليه أو الركب، فهو أحق به. وإن كان كثيرا فلا يحل لأحد أن يمنع أحدا؛ الناس شركاء في ثلاثة. وأما قوله: ولا هو من الاختصاصات؛ إن كان مثلا هذا المكان هو خاص بطائفة من الناس، بنوا فيه وسبقوا، فلهم حرم، فحرمهم من خواصهم؛ يعني ما حول البيت، ما حول البيت، ومن حرم البيت، فممكن أن يكون من خواصهم لا يعتدى عليه. وأما ما خرج عن حد حرم البيت، فإنه فيه الشراكة كما سبق. قال رحمه الله: فيدخل في هذا السبق لإحياء الأرض الموات؛ فإذا أحياها بحفر بئر، وصل إلى مائها، أو أجرى ماء إليها؛ يعني من مكان بعيد، أو منع ما لا تزرع الأرض مع وجوده؛ يعني قلع شيء لأجل أن يزرع شيء آخر. قال: ما لا تزرع الأرض مع وجوده، كمنافع المياه، وككثرة الأحجار إذا نقاها منها، أو يبني عليها بنيانا، فبذلك يملكها. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحيا أرضا ميتة فهي له. وجاء مواتا كذلك حديث جابر، وفي حديث عائشة بالصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: من عمّر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها. وهكذا جاء: من أحاط حائطا على أرض فهي له، رواه أحمد عن جابر رضي الله عنه، وهو حسن. وجاء كذلك في زيادة في حديث سعيد بن زيد: وليس لعرق ظالم حق. وبهذا نستعيد أولا ما ذكره المؤلف: أن إحياء الأرض الموات لا يكون إلا بظهور أثر يكون به الإحياء. فلو رمى حجرا في أركان تلك الأرض لم يعد ذلك إحياء لم يعد ذلك إحياء لتلك الأرض. لكن حتى يبني عليها، أو كذلك يحفر بئر يصل إلى مائها، ليس يحفر ولا يصل إلى الماء. أو كذلك أجرى إليها الماء، مثل أن ينزع ماء من مكان ويفتح له شق حتى يصل إليه. أو كذلك منع ماء لتزرع الأرض مع وجوده، مثل أرض فيها مياه كثيرة ما تزرع، فقلل هذه المياه بأن سد على المياه التي تردي لهذه الأرض حتى قل الماء، فصارت صالحة للزرع؛ فهذا من الإحياء. أو أرض بها أحجار كثيرة نقاها، فأبعد الأحجار حتى صارت أرض صالحة للزرع أو نحو ذلك، فإنه بهذا يملكها. وقد ذكر نحو ذلك في كتاب منهج السالكين في الكلام على إحياء الأرض الموات. فذكر هناك تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بهذا الباب. فقوله رحمه الله: فإذا أحياها بحفر بئر وإلى آخره، معناه أنه إذا لم يفعل شيئا من ذلك فهو ليس بمستحق لها؛ بل إذا سبق إليها غيره وأحياها فهو أولى بها. بخلاف إذا أثنان، إذا أثنان وكان أحدهما فعل شيئا ليس إحياء، ولكنه من بداية الإحياء، فهو أولى بها؛ مثل حفر بئر لم يصل إلى مائها، وجاء آخر وأراد أن يحيي هذه الأرض، فينظر: ليس للآخر أثر، ولهذا الرجل أثر، فهو مقدم على ذلك، هو أولى بها. بخلاف إذا حفر بئر لم يصل إلى مائها، وجاء رجل آخر بعده بسنة أو سنتين أو بمدة، فبنى على هذه الأرض؛ فمن بنى أولى من من حفر البئر ولم يصل إلى الماء؛ لأن عدم الوصول إلى الماء ليس ذلك بسبب يكون به ملك الأرض الموات، كما نص عليه العلماء، ودلت عليه عموم الألفاظ التي سمعناها. والمسألة الثانية هي مما يتعلق كذلك بهذا الموضع: قوله: أو يبني عليها بنيانا فبذلك يملكها. طيب هل يملكها ولو كانت لأحد؟ الجواب: لا، إلا أن تكون ليست لأحد. ولهذا جاء في الرواية: ليس لعرق ظالم حق؛ يعني إذا كان لا يجوز الاعتداء على أرض أحد، فكذلك ما قسرته في أرض الغير ليس لك فيه شيء. قال: أنا مثلا حفرت بئر في هذه الأرض. طيب لو حفرت بئر هذه الأرض، أنت تعرف أنها ليست أرض موات، بل هي أرض ملك لفلان ابن فلان؛ فهذا هو ليس لعرق ظالم حق، معناه ليس لك حق، ولو زرعت ولو فعلت ما فعلت. وهكذا كذلك مما ينبني عليه: أن الأرض الموات يشترط أن لا تكون في مصلحة فيما يعارض مصلحة الناس. فإن كان فيما يعارض مصلحة الناس، فإنها لا تمتلك؛ مثل الرجل أراد أن يحيي على زعمه أرضا مواتا وهي حرم لمقبرة؛ فهذا لا يجوز لأنه يضر بالمقبرة. أو كذلك حتى كتقول العلماء: حتى ولو كانت مكنسة؛ يعني الموضع الذي يوضع فيه كنس الناس، أو مزبلة؛ فأراد أن يسيطر على هذه المزبلة، قال: أبنيها وهي لي؛ لأنها ليس لها أحد؛ لا، هذا ليس بصحيح؛ بل لها أحد، كل الناس يملكون هذا المكان لأنه فيه مصلحتهم. فإذا ألغيت هذه المزبلة وهذه المكنسة، أين سيكون الناس مكنستهم ومزبلتهم؟ ففي هذا ضرر عليهم. فكيف إذا كان من المصالح العامة الأخرى؟ فهو من باب أولى؛ مثل المقابر، مثل مصلى العيد، مثل كذلك متنفس الناس في أوساط الأحياء؛ يجعل مثلا مكان متنفس للناس، إما حديقة أو مثلا مستوصف أو أي شيء يكون فيه مصلحة للناس؛ فلا يجوز أن يؤخذ بهذا المعنى بأنه أحيا أرضا مواتا. قال رحمه الله تعالى: ولو كان النهر المباح أو الوادي يسقي حرثا يمر عليها من الأعلى فالأعلى؛ لأنه أسبق. كذلك من سبق إلى مباح فهو أحق به. لو كان النهر المباح أو النهر الذي ليس له حد هو للناس جميعا، أو الوادي الذي يأتي من السيل، يسقي حرثا يسقي أراضي كثيرة يمر عليها جميعا؛ فإذا تنازع فيه، قدم الأعلى فالأعلى الذي هو أقرب إلى الماء؛ من كان أقرب إلى الماء فهو مقدم؛ لأنه قدم بماذا؟ بسبقه. من سبق إلى مباح هو الآن الأسبق؛ لأنه أقرب إلى هذا الماء. ودليل حديث الزبير في اختلافه مع ذلك الرجل، حديث الصحيح، فجاء اختصم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقضى النبي عليه الصلاة والسلام أن يسقي الزبير أولا؛ لأن أرضه كانت أقرب إلى الماء. فقال ذلك الرجل: ما قال فنزل قول الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. فالشاهد: أن من كان أقرب إلى الماء فهو أولى وأسبق. قال رحمه الله: أما المياه المملوكة فإنها على حسب الأملاك. هذا بالنسبة للمياه المشتركة العامة. أما المياه المملوكة بحسب الملك؛ اشترك اثنان في إخراج ماء من بئر، أحدهما بنصف، وآخر بنصف، واثنان مثلا، أو أحدهما بثلثين وآخر بثلث؛ إن كانوا اثنان، فصاحب الثلثين سيسقي أكثر؛ لأنه بدل أكثر. فإذا كان ذات يسقي في اليوم مثلا ثلاث ساعات، إذا نتاني يسقي ست ساعات وهكذا. قال: ومن فروع هذا الأصل السبق إلى صيد البر أو البحر، أو إلى حطب أو حشيش أو نحوها من المباحات؛ فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق به، ولا يملكه إلا بحيازته لا بمجرد رؤيته. يقول: من فروع هذا الأصل السبق إلى صيد البر أو البحر، أو الحطب أو الحشيش أو السائر المباحات. ومعناه: أن من سبق إلى شيء من ذلك فهو أولى به بعموم الأدلة التي سبقت فيدل على هذا المعنى. والشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع. وقوله: ولا يملكه إلا بحيازته لا بمجرد رؤيته؛ معناه: لو أن رجلا حش الحشيش من الأرض ووضعه في وعائه الخاص به، فلا يجوز لآخر أن يقول: لا، لماذا أخذت؟ لا بد أن أشارك تسفين؛ لا، ما يقول الناس شركاء بثلاثة إلا وهو في الأرض؛ أما قد حازه فهو أولى به. وأما إذا كان بالأرض، فإذن هم فيه شركاء؛ لا يقول: أنا رأيته قبلك؛ ليس في الرؤية سبب للتملك، ولكن الحيازة سبب للتملك. والحيازة بحسبها؛ فالحطب بعد أن يقطع، والحشيش بعد أن يحش، والصيد بعد أن يرمى وهكذا. قال: ويدخل فيه السبق إلى المساجد أو الجلوس في الأسواق أو البيوت المسبلة. كذلك يدخل بذلك السبق إلى المساجد؛ جثا إلى الصف الأول، أنت أولى بالصف الأول؛ جاء بعدك إنسان ولم يكن هناك فرجة، يجلس في الصف الثاني؛ لأنك سبقت إلى هذا المحل، إلا ما استثناه الشرع. فاستثنى الشرع مثلا: أن يكون خلف الإمام أولوا الأحلام والنهى؛ في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى». فمعنى: لو كان هذا الذي هو من أولوا الأحلام والنهى بعيد من الإمام، تأخر قليلا، وليس خلف الإمام أحد من أولوا الأحلام والنهى؛ هل يقدم؟ نعم، الأولى أن يقدم، لكن باستئذان من؟ باستئذان من خلف الإمام؛ لأنهم سبقوا كذلك. وهكذا الجلوس في الأسواق؛ مثلا أصحاب البسطات يتنافسون في المكان المناسب؛ فمن الذي يستحق ذاك المكان؟ يستحقه الذي يسبق. وهكذا البيوت المسبلة: بيت سبيل الفقراء والمساكين والأيتام؛ فمن الذي يستحق هذا البيت؟ الذي يسبق. ثم استثنى فقال: إذا لم تتوقف على ناظر يقرر فيها؛ يعني إذا وجد ناظر للبيوت المسبلة أو الأسواق، فإنه يكون كذلك. فالأسواق مثلا إذا قضى القائم على الأسواق -مثل البلدية مثلا- قضت؛ لأن هناك تسجيل من سجل، فيكون له ذلك لمدة سنة أو لمدة شهر أو نحو ذلك؛ فتكون الأولوية بهذا المعنى؛ ليست الأولوية أن تبكر في النهار، لكن أولوية أن تسبق إلى التسجيل عندهم. وهذا كذلك قطعا لمادة النزاع؛ قطعا لمادة النزاع، وهو مما يقضى لقطع الخلاف ومن الإصلاح. ولهذا أورد المؤلف رحمه الله هذه القاعدة بعد القاعدة التي سبقت؛ لأنه من مسائل الإصلاح الشرعية: أن من سبق إلى مباح فهو أحق به؛ هذا من مسائل الإصلاح، ومما قضاه الشرع لإصلاح ذات البين. فإذا كان كذلك، فإذا رأى ولي الأمر نظاما خاصا يكون به الإصلاح، ولا يكون فيه ظلم أحد من حقه؛ فلا بأس بذلك. مثلا يعطى مثلا ترخيص سنوي للبسطات؛ لا بأس. فمن سبق إلى هذا الترخيص كان أحق به. وهذا البيوت المسبلة إذا قضى أن يعطى لأحد معين ترخيص معين لمدة سنة أو ستة أشهر بحسب المصلحة؛ فبما رأوا ذلك. وقوله: إذا لم تتوقف على ناظر يقرر فيها؛ الأصل أن الناظر هو ممن أوقف الوقف، أو من يوكله من أوقف الوقف؛ فإذا لم يكن كذلك، فإلى من يوكله ولي الأمر ممن يقوم بذلك. ولذلك للناظر شروط ذكرها العلماء؛ يجب أن تتوفر فيه؛ فليس كل أحد يصرح أن يكون ناظرا، ولكن هناك شروط شرعية دلت عليه الأدلة شرعية، ومرت معنا هذه الشروط فيما يتعلق بالكلام على الوقف وأحكامه.