الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي قوله تعالى ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مبيناً أن النهي منصب على فعل الصلاة لا على مجرد المكث في المسجد، ويستدل بسكوت النبي ﷺ عن أهل الصفة على جواز مكث الجنب فيه. ويؤكد أن صلاة الجنب باطلة حتى يغتسل، منتقلاً بعدها لذكر آية التيمم.
أباح الله التيمم في حالتي عدم الماء مطلقاً والمشقة باستعماله بسبب المرض، والصحيح أن المريض يتيمم إذا عجز عن الماء أو خاف ضرره مستدلاً بالآية وحديث صاحب الشجة. أما إذا أمكنه استعمال الماء ولو بمساعدة غيرهم وجب عليه ذلك، فإن لم يجد معيناً جاز له التيمم.
يجوز للمريض الذي لا يستطيع الذهاب لجلب الماء ولا يوجد من يأتيه به أن يتيمم ويصلي، ويشير الشيخ إلى أن مسائل التيمم كثيرة لكنه سيكتفي بهذا القدر على أن يكملها في الدرس القادم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: ثم قال جل وعلا: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾، بعدما ذكر تفسير قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾. قال هنا: ثم قال جل وعلا: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾، أي: لا تقربوا الصلاة حالة كون أحدكم جنبًا إلا في هذه الحال، وهو عابر السبيل، أي: تمرون في المسجد ولا تمكثون فيه حتى تغتسلوا. فإذا اغتسلتم فقد زال المنع من قربان الصلاة للجنب، فيحل للجنب المرور في المسجد فقط. وهذه الآية: أولًا اتفق أهل التفسير على مسألة منها، والمسألة الأخرى اختلف فيها. فالمسألة التي اتفق عليها في تفسير هذه الآية: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾، أي: أن الجنب لا يقرب الصلاة، لا يصلي الجنب، لا تجوز منه الصلاة، وصلاته باطلة إذا صلى وهو جنب ولم يغتسل، فصلاته باطلة. فقوله: ﴿ وَلَا جُنُبًا ﴾، أي: إذا كنتم جنبًا لا تقربوا الصلاة إلا عابر سبيل. هنا اختلفوا في المراد بـ «إلا عابر سبيل»: المراد أن من يمر من المسجد ولا يصلي فهذا جائز، أو أن المراد الذي يمر من المسجد ولا يمكث فيه؟ فالخلاف في المكث في المسجد للجنب: إذا أراد أن يمكث، فهل الآية المراد بها «إلا عابر سبيل» من يمر دون أن يمكث، أو أن المراد «إلا عابر السبيل» أي: من يمر لأجل أو ليس لأجل الصلاة وإنما يمر فقط في المسجد؟ فهذه الآية متنازع فيها في هذا الباب، ولم يأتِ عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو لم يصح عنه أنه منع الجنب من المسجد، بل جاء ما يخالف هذا الأمر. فقد جاء أن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أناسًا يقال لهم أهل الصفة، وهم الفقراء الذين لا مسكن لهم من المهاجرين، فيجلسون في المسجد، فمعنى ذلك أن بيتهم المسجد. ولا شك ولا ريب أن الإنسان يجنب، بمعنى يحتلم في الليل مثلًا، إذا نام احتلم فهذا جنابته، وهذا مما يحصل للإنسان. فإبقاؤهم في المسجد، وعدم تنبيههم أن يبقى الصحابة في المسجد، وعدم تنبيههم على عدم المكث في المسجد، يدل على أنه ليس فيه شيء، أن المكث ليس فيه شيء؛ لأنه لو كان الجنب لا يمكث في المسجد لنبههم النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. وزد على ذلك أنه قد أخرج أحمد عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أحد أن يجلس في المسجد وهو جنب يتوضأ ثم يجلس، يتوضأ ثم يجلس. وهذا يدل أيضًا على أنهم يكتفون بالوضوء لأجل الجلوس، يكتفون بالوضوء لأجل الجلوس في المسجد. وهذا مما يدل على أنه يجوز للمرء المسلم أن يجلس إذا كان جنبًا في المسجد، والآية ليس فيها دلالة على عدم الجواز؛ لأن الآية باتفاق المفسرين أنها جاءت لأجل الصلاة، وإنما الإشكال حصل في قوله: «إلا عابر سبيل»: هل المراد الذي يمر بالمسجد دون أن يصلي فيه، أو المراد أنه الذي يمر بالمسجد دون المكث؟ ولا شك أن الراجح هو الأول؛ لأن سياق الآية لأجله، ولم يتكلم الله عز وجل عن المكث في المسجد وعن الجلوس في المسجد. وقوله: ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ﴾، أي: الصلاة نفسها، وليس مواضع الصلاة؛ لأن الأصل هو أخذ الكلام على الظاهر إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على أن المراد به الموضع وليس الصلاة نفسها. فقوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾، ليس معناه لا تقرب المسجد، ودخول السكران المسجد. كما قلنا: منع بعض أهل العلم منه لعل دلالة الآية على هذا من باب دخول وشمول هذا المعنى، وإلا فالأصل أن المراد بهذه الآية: لا تقربوا الصلاة، أي: لا تقربوا الصلاة نفسها، وأنه لا يجوز للسكران أن يصلي. لا يجوز للسكران أن يصلي سواء كان في المسجد أو في غير المسجد، سواء كان في المسجد أو غير المسجد؛ لأنه لو قلنا أن دلالة الآية المراد بها مواضع الصلاة، وأن السكران لا يقرب مواضع الصلاة وهي المسجد، معنى ذلك أنه يجوز أن يصلي في بيته، وأنا مفهوم هذا أنه يجوز أن يصلي في بيته، وهذا أيضًا لا يصح، بل أنه لا يجوز له أن يصلي في المسجد أو في بيته، وصلاة غير صحيحة، أن صلاة السكران غير صحيحة حتى يفيق من سكره. فلهذا قوله: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴾، أي: إذا كنتم جنبًا فلا تصلوا، ولا أيضًا تقربوا الصلاة، معنى لا تأتوا حتى تغتسلوا، إذا جئتم، إذا اغتسلتم تعالوا وصلوا. وهذا أيضًا النهي عن الصلاة في المسجد وفي غيره، في المسجد وفي غير المسجد. ولا شك أن من صلى وهو جنب بدون غسل فصلاته باطلة، فصلاته باطلة حتى يغتسل، لا بد أن يغتسل من الجنابة. طيب، قالوا: ﴿ فَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾، هذه آية التيمم. قال: فباح التيمم للمريض مطلقًا مع وجود الماء وعدمه، والعلة المرض الذي يشق عليه مع استعمال الماء. وكذلك السفر، فإن مظنة فقد الماء، فإذا فقده المسافر أو وجد ما يتعلق بحاجته من شرب ونحوه جاز له التيمم. وكذلك إذا أحدث الإنسان ببول أو غائط أو ملامسة النساء، فإنه يباح له التيمم إذا لم يجد الماء حضرًا وسفرًا، كما يدل على ذلك عموم الآية. والحاصل أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين: حال عدم الماء، وهذا مطلقًا في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه. فعلى هذه الآية دلت على أن المريض أيضًا يتيمم، وهذا قول جمهور العلماء. وجاء هناك قول قديم لبعض الصحابة كعمر وابن مسعود: على أن المريض لا يتيمم. لكن هذه الآية دلت على ذلك، وحمل هذه الآية من يقول بأن المريض لا يتيمم: حمل هذه الآية على أن المرض هنا مذكور من باب الغالب، أن المريض لا يجد الماء كما أن المسافر لا يجد الماء. لكن الصحيح أن ظاهر الآية لذكر المريض أن له مزية أو له فائدة، وهو أن المريض إذا لم يستطع أن يستعمل الماء فإنه يتيمم، إذا لم يستطع أن يستعمل الماء فإنه يتيمم. وأما قول جل وعلا: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ﴾، فهذا على الأغلب أباح التيمم للمريض ولغيره، فلذلك كما قلنا: الصحيح أن المريض يتيمم سواء كان مريضًا بجراحة في بعض أعضائه، أو كذلك مريضًا لا يستطيع استعمال الماء، لا يستطيع استعمال الماء، ممنوع من الماء. ومما يدل على هذا ما جاء في حديث ابن عباس وجابر، في حديث جابر عن الزبير بن خُريق، وفيه ضعف، لكن حديث ابن عباس يشهد له، على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل لمن كان في بعض الغزوات والسفر، كان فيه شجة في رأس، فاحتلم، فسأل بعض الصحابة، فقالوا له: لا نجد لك رخصة في التيمم، فاغتسل فمات. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال». إنما شفاء العي المريض شفاءه السؤال. فقال: «ألا سألوا إذ لم يعلموا؟». فهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم بالتيمم، أمرهم بالتيمم إذا كان لا يستطيع الغسل أو تعذر استعماله، لا لعل أنه يضره، لا لعل أنه يضره الماء، فيستعمل المريض التيمم. وأما إن كان يستطيع أن يستعمل الماء ولو بمساعدة غيره، فإنه يجب عليه أن يستعمل الماء إذا كان يستطيع أن يستعمل الماء. لكن ليس عنده أحد ممن يجلب له الماء أو ممن يصبّه عليه، فهنا له أن يتيمم ويصلي. إذا كان مريضًا لا يستطيع الذهاب حتى يأتي بماء، وليس عنده من يأتي له بماء، فهنا له أن يتيمم ويصلي. وفي هذا الباب مسائل كثيرة، أي مسائل التيمم، لكن ليس هذا موضعها. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في بقية الآية في درس آخر. والحمد لله رب العالمين.