الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 69، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن الماء لا ينجس إلا إذا أثرت فيه صفات النجاسة من لون أو طعم أو ريح، وحينها لا يجوز الوضوء به حتى لو كان كثيرًا أو جاريًا. ويستثنى من ذلك المياه المستبحرة كالبحار والأنهار الكبيرة التي لا تتأثر عادة، إلا إذا حُجز الماء في مكان محدد فتأثرت النجاسة به محليًا.
يبين المقطع أن الوضوء لا يصح إلا بالماء المطلق المسمى ماء، أما الماء النجس أو المتغير بوصف يخرجه عن اسم الماء كالشاي فلا يتوضأ به ويتيمم صاحبه. ويوضح أن الماء المتغير بأشياء طبيعية لا تنفك عنه كالطحالب والتراب يبقى طهورًا، وينقل خلاف الحنفية في جواز الوضوء بالنبيذ مرجحًا قول الجمهور بالالتزام بالنص القرآني (فلم تجدوا ماء فتيمموا).
يسرد المقطع أن التيمم شُرع في غزوة بني المصطلق عندما فقد الصحابة الماء بسبب البحث عن عقد عائشة، فأنزل الله آية التيمم في سورة المائدة. ويؤكد أن التيمم رخصة اختص الله بها هذه الأمة لتيسير الصلاة في أي مكان بالتراب، بخلاف الأمم السابقة الذين كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم أو بيوتهم، محذرًا من التهاون في الصلاة بحجة عدم وجود الماء أو المساجد.
يتحدث المتحدث عن أن سائقي الحافلات غالبًا ما يكونون من غير المسلمين أو من المسلمين ضعاف الإيمان، مما يجعلهم لا يتوقفون للصلاة أو العبادة لانشغالهم بهموم الدنيا، ويختتم الدرس على أن يكمل في الجلسة القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال المؤلف رحمه الله في آية التيمم: «فلم تجدوا ماء» بوجوب طلب الماء، فهذا أخذنا المسألة. ثم قال: «فلم تجدوا ماء»، وهذا ماء، وينازع في ذلك بأنه ماء غير مطلق، وفي ذلك نظر. فلم تجدوا ماء، فكل ما سمي ماء فهو يعتبر داخلًا في هذا، سواء كان هذا الماء أصابته شيء من الطاهرات ولم تسلبه اسم الماء، لا زال ماء، أو وقعت فيه شيء من النجاسات لكنها لم تؤثر فيه ولم تنجسه، أي لم يحصل أثر لهذه النجاسة؛ لأن الماء إذا أثرت فيه أحد الصفات -صفات النجاسة- يكون نجسًا، والصفات ثلاث: اللون والطعم والريح. إذا أثر شيء من هذه الصفات من صفات النجاسة يكون نجسًا. وأن إذا ريحت رائحة هذه النجاسة في الماء، مثلا سقطت ميتة في ماء، أو سقطت في الماء ثم ماتت فيه وهو ماء قليل، فهذا ما أصابته نجاسة. فإذا أثرت هذه رائحة النجاسة في هذا الماء، فإنه لا يجوز أن يتوضأ به، حتى لو كان هذا الماء أكثر من القلتين، حتى لو كان هذا الماء أكثر من القلتين فإنه أيضًا لا يتوضأ به، ما دام أن النجاسة قد أثرت فيه. بل عند بعض أهل العلم: حتى المياه الجارية، ليست فقط المياه الراكدة، بل حتى المياه الجارية إذا أثرت فيها النجاسة فإنه أيضًا لا يتوضأ به. معنى كيف تؤثر في المياه الجارية؟ معنى تؤثر في الجارية: إنسان مثلاً جاء إلى ممر ماء أو ما نسميه بالعتم أو الشرجة، فجاء مثلاً إنسان وبال في الماء، فصفات البول مثلاً لا زالت في الماء، فإذا مثلاً رأى الشخص هذه، مثلاً لون البول في الماء، لا يجوز له أن يأخذ هذه الجارية حتى يمر هذا الذي فيه هذا. أو إنسان مثلاً وضع مجاري في ماء، نصب مجاري في ماء يجري في ماء يمر، وهنا لا يجوز له أن يأخذ من هذا الماء حتى يمر هذا الذي فيه هذه النجاسة، ما دام أنها قد أثرت فيه. وهذا قول للشافعي في القديم، وقال به أيضًا بعض الحنابلة، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصحيح الذي تؤيده الأدلة. لأن هذا نجاسة أيضًا في المياه المستبحرة، المياه الكبيرة: مع البحر، مع النهر، مع أيضًا كذلك البرك. هذه المياه لا، هذه المياه لا تنجس أصلًا ولا تؤثر فيها النجاسة. لكن إن حجز شيء من الماء وجاءت فيه النجاسة، فقبلا تؤثر فيه، مثل هذه الآن أماكن المجاري التي تكون في البحر، فتجد أن أثر النجاسة في نفس المكان موجود، أن الإنسان مثلاً سيأتي إلى المكان الذي تصب فيه النجاسة، فتجد أن النجاسة موجودة في ذلك المكان. صحيح إذا دخلت إلى داخل ما ستجد هذه النجاسة، وإذا ابتعدت من مكان النجاسة ما ستجدها. لكن إذا كان مكانها، وخاصة إذا كانت تصب بكثرة، فتجد أنها تغير من الماء ويتأثر الماء بها، فلذلك لا يجوز للإنسان أن يتوضأ من ذلك الماء الذي ترى فيه النجاسة، ولو كان ماء مستبحرًا؛ لأن الأصل في المياه المستبحرة أنها لا تتأثر بالنجاسات. ولهذا تجد بعض الفقهاء يقولون: أن هذه الأحكام إنما في المياه الراكدة أو المياه القليلة، أما المياه المستبحرة لا تدخل فيها هذه الأحكام، مثلاً إذا مسه شيء من الطاهرات أو مسه شيء من النجاسات. لكن نقول: أن هناك بعض الحالات تدخل، مثل هذه الحالات تدخل؛ لأن الماء حجز في منطقة من المناطق، مثل هذه التي يسمونها خيسة. الخيسة هذه غالبًا الماء يحجز، فإذا جاءت النجاسة تجد أنها تؤثر في المكان الذي عندها، تؤثر في ذلك المكان. يعني إذا أخذت مثلاً تريد ماء بحر وفيه المكان النجاسة، إذا أخذت تأخذ نجاسة، معنى رائحة البول رائحة، فلذلك فهذا يعتبر أيضًا تؤثر فيه النجاسة، فيكون ماء نجسًا لا يتوضأ به. فإذا وجد الماء النجس، والماء الذي أو الماء الذي تغير ولم يطلق عليه ماء، مثل عندنا شاي وعندنا ماء نجس، وأراد الإنسان أن يتوضأ، فبأي ما يتوضأ؟ هل يتوضأ بالماء النجس أم يتوضأ بهذا الطاهر؟ عند من يتوضأ بماذا يتيمم؟ الصحيح أنه يتيمم؛ لأن هذا لا يطلق عليه ماء، وإنما هو ماء نجس، والثاني أيضًا لا يطلق عليه ماء لأنه تغير من اسم الماء، وهو الشاي. هذا شاي ليس ماء، فالشاي لا يتوضأ به، معنى يذهب إلى التيمم. فإن فإن لم تجدوا ماء، أو قال هنا: «فلم تجدوا ماء فتيمموا» في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فهنا الماء هو الماء المطلق، الماء المطلق الذي يسمى ماء، أما الذي لا يسمى ماء فلا تجوز الوضوء به. وهذا هو قول جمهور العلماء، خلافًا للحنفية. الحنفية يرون جواز الوضوء بالماء الذي مسه شيء من الطاهرات وإن غيره ولم يكن ماء، ما لم يطبخ، ما لم يدخل في النار. الشاي عندهم أيضًا. لكن النبيذ عندهم يجوز أن يتوضأ بالنبيذ. النبيذ معناه: التمر هذا، أو عنب، أو كذا شيء من هذه الفواكه يدخل في ماء ويبقى فترة من الزمن ثم يشرب هذا الماء، هذا يسمى نبيذًا. فعندهم يجوز أنه يتوضأ بماء أو بنبيذ التمر. وجاء ذلك حديثًا، لكنه لا يصح، حديث مرسل: أنه يتوضأ وأنها تمرة حلوة يتوضأ بها، فهذا لا يصح. وصحيح أنه لا يتوضأ إلا بالماء؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وقال هنا: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، أو ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. فدل على أنه إذا لم يوجد الماء المطلق، ولو كما قلنا وقعت فيه شيء من الطاهرات أو غيرته شيء من ما يغير الماء. مثلاً الشمس: بعض المياه مثلاً التي تكون في البرك، بعض البرك يكون الماء فيها قديمًا، تأتي الشمس دائمًا عليها حتى يصفر الماء، أو تسقط عليها أوراق الشجر، وكثرة الأوراق هذه تصفر بالماء، أو يقع فيه التراب من الريح، لما تأتي الريح تضع التراب داخل هذا الماء فيصير الماء متغيرًا، ليس لونه لون الماء. فهذا أيضًا يجوز أن يتوضأ به؛ لأنه لم يتغير حتى صار ليس ماء، بل هو ماء، بل هو ماء، سواء كان أصفر أو أحمر أو غيره، لكنه ماء. إنما هذه الأشياء التي غيرته هي أشياء طبيعية، عن أشياء مختلطة كما يقول الفقهاء، لا تنفك عن الماء، مثل الطحالب. الطحالب التي تكون في الماء هذه لا تنفك عن الماء، هذه لو غيرته حتى لو غيرت الماء صار الماء أخضر من كثرتها أو أصفر، فإنه أيضًا يتوضأ به؛ لأنه ماء. فلذلك فكل ماء سمي ماء يدخل في هذا، هو الماء المطلق، وكل ما لم يكن ماء أو ما لم يسمى ماء فلا يتوضأ به. فإذا وجد هذا فإنه يتيمم ولا يتوضأ. وأما ما ذكرنا قبل فترة من كلام الزهري، أنه قال: لو وجد الإنسان ماء ولغ فيه كلب، ووجد ترابًا، بأي ماء يتوضأ؟ معنى يتطهر بأي ماء؟ هل يتطهر بالماء الذي ولغ فيه الكلب أم بالتراب؟ فسئل الزهري عن ذلك، فقال: يتوضأ بالماء، وإن ولغ فيه الكلب. لماذا؟ لأنه ماء. ولما ذكروا هذه الفتوى لسفيان الثوري، قال: هذا عين الفقر، هذا عين الفقر. لأن هذا ماء، صحيح أنه ولغ فيه الكلب، لكن الكلب إذا ولغ لا ينجسه، لا تظهر نجاسة الولوغ في الماء، ولم يأت دليل صحيح على أن هذا الماء نجس، بل هذا ماء طهور. حتى لو قلنا بنجاسة اللعاب، لو قلنا بنجاسة لعاب الكلب أيضًا، متى نقول أن هذا الماء متنجس؟ إذا أثر هذا اللعاب في الماء، وغالبًا اللعاب لا يؤثر في الماء. فلذلك الفتوى بماء ولغ فيه الكلب، أو لا من التيمم، أو لا من التيمم. وخلاصة الأمر: أنه لا يرجع إلى التيمم إلا إذا لم يجد الماء المطلق، لا يرجع ولا يتيمم إلا إذا لم يجد الماء المطلق. قالوا في هذه الآية الكريمة: مشروعية هذا الحكم العظيم الذي امتن به الله عز وجل على هذه الأمة، وهو مشروعية التيمم، وقد أجمع على ذلك العلماء ولله الحمد. ومعلوم أن أول ما أنزل الله عز وجل التيمم، كما سيأتي في سورة المائدة، في غزوة بني المصطلق. غزوة بني المصطلق، وقد فقد عقد لعائشة رضي الله تعالى عنها، فقد عقد لعائشة، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يبحث عنه، فبحثوا عنه حتى فقدوا الماء، معنى كانوا يبحثون عن العقد فلم يجدوا الماء، ثم بحثوا عن الماء فلم يجدوا، ولم ينزل قبل ذلك التيمم، فصلوا بدون تيمم. ثم أنزل الله عز وجل هذه الآية، آية المائدة، وذكر فيها التيمم، فقال أسيد بن حضير: «الله أكبر، ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ما هي أول أو ما هي أول ببركتكم يا آل أبي بكر»، يعني لكم بركات كثيرة، وهذه ليست بأولها، بل هناك تقدمت بركات. والمراد أنه نفس على الناس بسبب هذا العقد الذي ضاع، فجاءت هذه الآية فيها التيمم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وهذا التيمم لم يرخص إلا لهذه الأمة، يعني هي خصيصة صارت لهذه الأمة، خصيصة لهذه الأمة. وإلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان من كان قبلكم لا يصلون إلا في بيوتهم أو في أماكنهم»، يعني أماكن الصلاة: كنائسهم، في بيوتهم وكنائسهم. يعني اليهود يصلون في البيوت، والنصارى يصلون في الكنائس، ما يصلون في مكان آخر أبدًا، يعني ما تجدهم يصلون في مكان آخر، ولا تجزئ، وإنما لا بد أن يصلوا في البيوت أو الكنائس. لكن المسلم يصلي في أي مكان، كما قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: «فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ»، «فَإِذَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مُسْلِمًا الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ». مسجده: أي المكان الذي يصلي فيه، وطهوره: والتراب. فهذه من الأمور التي رخص الله عز وجل وسهل الله عز وجل به على هذه الأمة، وامتن بها عليهم، ولم تكن عند تلك الأمم، لم تكن عند تلك الأمم، وهي من الأصفار والأغلال التي رفعت عن هذه الأمة، أنه يصلي الإنسان في أي مكان، هو مسافر أو حتى في الحضر إذا كان بعيد من المسجد، فحضر وقت الصلاة، إذا لم يجد الماء تيمم وصلى. سبحان الله، الله عز وجل يسر هذه الأحكام. الآن تجد بعض المسلمين لا زال يجدها مشقة عليه، مثل أصحاب الباصات الآن، أصحاب الباصات تجده أحيانًا ما يقف، لماذا؟ سيتأخر عن وقت وصوله، وهمه كله أنه يصل في وقت أقرب، حتى يقول مثلاً أصحاب الشركة: أن هذا شخص كذا وكذا، وأنه سائق، وأنه كذا، ويعطونه مثلاً مكافأة، فيأتي ويمر معنا في أوقات الصلاة، يمر ولا يقف، خاصة في صلاة الفجر، فتجد بعضهم يتعذر بعدم وجود الماء أو بعدم وجود المساجد، وهذا ليس عذرًا حتى تترك الصلاة، فيكون في أي مكان يتيمم المسلم ويصلي، ما عليه إلا أن يتيمم، يتيمم ويصلي. وإذا مثلاً أراد أن يقضي حاجة يبتعد، إذا أراد أن يبول يبول ويستنجي بأحجار، ويتيمم ويصلي. فهو الأمر سهل، ليس فيه كلفة ولا شيء. لكن هو ليس الهم هم الكلفة أو أنه شيء صعب، لكن تجد غالبًا مثل هؤلاء الذين يسوقون الباصات ليسوا من المسلمين، وأحيانًا أيضًا من المسلمين، لكنهم ممن هو مثلاً ما عنده ذلك الإيمان الذي يجعله يقف، معنى أن همه الدنيا، همه الدنيا، وما يقال فيه. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا ونكمل في الدرس اللاحق. ترجمة نانسي قنقر.