تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 112

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 112

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 112، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام قتل المؤمن خطأً وكفارته الواجبة

يشرح هذا المحور أحكام قتل المؤمن خطأً، مبيناً أن الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة تجب على القاتل أياً كانت صفته، وأن عمد الصبي والمجنون يُعد خطأً شرعاً. كما يفصل شروط الرقبة المجزئة ويفرق بين الخطأ وشبه العمد من حيث وجوب الدية على العاقلة.

تفصيل أحكام الدية والكفارة في الخطأ والعمد

يتناول هذا المحور أحكام الدية وتوريثها للورثة مع مشروعية العفو عنها كصدقة، ويوضح الكفارة في القتل الخطأ حسب حال المقتول سواء كان مؤمناً من أعداء أو معاهداً. ويؤكد أن القتل العمد لا كفارة فيه بل القصاص أو الدية إن عفا الورثة.

عقلية العاقلة وتقسيط الدية في القتل خطأ

يبين هذا المحور أن الدية في القتل خطأ تجب على العاقلة تخفيفاً عن القاتل وتكون رادعة عن الاستهانة بالأنفس، مع فرض كفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين. ويذكر قصة قسامة محيصة مسعود التي أدى فيها النبي ﷺ الدية من بيت المال وتقسيطها على ثلاث سنوات.

خاتمة الدرس: دية الجبر والاكتفاء

توضح هذه الفقرة أن الدية تُعد جبراً للمصاب الذي لحق بأهل الميت، ثم يختم المتحدث الحديث بالاكتفاء بهذا القدر والاستعانة بالله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عند قوله جل وعلا: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾. قال: ومن قتل مؤمنًا خطأً، سواء كان القاتل ذكرًا أو أنثى، حرًّا أو عبدًا، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا، كما يفيده لفظ «من»؛ أن الذي يقتل المؤمن هذا الذي يقتل المؤمن، سواء كان ذكرًا أو أنثى، أو صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا. قال: كما يفيده لفظ «من» الدالة على العموم، وهذا من أسرار الإتيان بـ «من» في هذا الموضع؛ فإن سياق الكلام يقتضي أنه يقول: «فإن قتله»، ولكن هذا اللفظ لا يشمل ما تشمله «من». وسواء كان المقتول ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، كما يفيده التنكير في سياق الشر؛ أن هذا كل هؤلاء يدخلون، سواء كان من قتل أو من قُتل. فإن على القاتل تحرير رقبة مؤمنة، وعليه كفارة، كفارة لذلك تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب. في قول بعض العلماء: أن إذا كان الصغير عنده مال، يأخذ من ماله فيعتق به رقبة، كفارة لهذا القتل. وقتل الصغير والمجنون عمده خطأ؛ أن حتى لو قتل متعمدًا يعتبر عمده خطأ. لو جاء إنسان صغير بسكين وطعن رجلًا مثلًا، فهنا عليه كفارة، يأخذ من ماله فيعتق رقبة بهذا المال، رقبة مؤمنة، ولو كان متعمدًا؛ فعمد الصغير وعمد المجنون يعتبر خطأ، وهذا باتفاق العلماء. قال: ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ المعيب في الكفارة؛ معنى: إذا كان عبد معيب لا يجزئ في الكفارة، لأن المقصود بالعتق نفع العتيق وملكه منافعه وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه وبقاؤه في الرق أنفع له، فإنه لا يجزئ عتقه. مع أن في قوله: «تحرير رقبة» ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، عن التحرير خلاص يحرره من العبودية. قال: فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير، فتأمل ذلك فإنه واضح. قال: وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد. الدية معنى: لا تجب عليه الدية، لا تجب على قاتل الخطأ ولا صاحب شبه العمد. شبه العمد كما قلنا: الذي يضرب بشيء لا يقتل مثله، لا يقتل مثله غالبًا. إنسان مثلًا دفع إنسانًا في بئر أو في مسبح أو بركة، فدفعه فيها، فخرج هذا الشخص الثاني ورأسه اندق في أرض المسبح، فمات. فهذا يعتبر شبه عمد، يعتبر شبه عمد لأنه قصد الدفع. والخطأ كما قلنا: أنه لا يقصد ضربًا، لا يقصد ضربه ولا دفعه. مثلًا: لو أن إنسانًا كان قائمًا في مكان بئر أو بحر أو مسبح، فجاء إنسان يجري، فدون أن ينظر إلى هذا الشخص أو ينتبه له، دقه فسقط ذاك ومات. وهنا هذا يعتبر خطأ. لكن إذا دفعه متعمدًا فهذا يعتبر شبه عمد. قال: وأن الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل. عاقلة: بمعنى القبيلة. في الخطأ وشبه العمد، مسلمة إلى أهله جبرًا لقلوبهم، أن تعطى أهل المقتول. والمراد بأهله هنا هم ورثته؛ فإن الورثة يورثون ما ترك الميت، ويعطى هذه الدية للورثة. فالدية داخلة فيما ترك، والدية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه، وأنا ليس هذا بابها. أنا الدية مقدارها، وأيضًا كذلك بعض المسائل المتفرعة في هذه الدية، معناها شروط هذه الدية، متى تعطى هذه الدية، متى تسقط. قال: ﴿ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ﴾، أي: تصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط. وفي ذلك حث لهم على العفو؛ لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت. فقال: ﴿ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ﴾، إلا أن يعفو، سماها الله عز وجل صدقة، عفوًا، أو سما أقصد العفو صدقة. قال: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾، أي: وليس عليكم لأهله دية لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم. معنى: ليس هناك عليه دية أو له دية، فقط ومعنى تكون عليه كفارة. هذا كان قبل. قال: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾. من الكفار لكنه معاهد، وإما ذمي، فهذا تسلم إليهم الدية. قال: لعدم احترام. قال: وإن كان المقتول من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة، وذلك وذلك وذلك الاحترام لأهله بما لهم من العهد والميثاق. ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾: الذي لم يجد الرقبة، هذه المؤمنة، ما عنده المال لتحرير رقبة، يصوم شهرين متتابعين، أي: لا يفطر بينهما من غير عذر. فإن أفطر لعذر، معنى: لمرض أو سفر. سفر: معنى الضرورة، ليس أنه يسافر ليعجل أن يفطر. فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر، إن قطع التتابع، أنا يحتاج أن يستأنف. لو أنه صام ثلاثة أيام ثم أفطر، ثم أفطر بلا عذر، فهنا يستأنف الصيام. قال: وجب عليه استئناف الصوم. ﴿ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ﴾: أي هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفيرًا لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو الواقع كثيرًا للقاتل خطأ. ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾: أي كامل العلم، كامل الحكمة، لا يخفى عليه من ذرة وذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، في أي وقت كان أو أي محل كان، يعلمه سبحانه وتعالى. ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيء، بل كل ما خلقه وشرعه فهو متضمن لغاية الحكمة. قالوا: من علمي وحكمتي أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه؛ فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة. وهذه الآية تدل على أن الكفارة إنما لمن يقتل خطأ. وأما من يقتل عمدًا، فقول جمهور العلماء أنه ليس عليه كفارة. الذي يقتل عمدًا عليه القصاص، فإذا لم ينفذ القصاص، أو أن الورثة أسقطوا القصاص إلى الدية، يعطى الدية. فإن كان أسقطوه إلى العفو، فيعفى عنه، وليس عليه كفارة. هذا هو الصحيح؛ لأن الكفارة إنما صارت للقتل الخطأ لما حصل منه خطأ، ولأنه لا يتحمل الدية، وإنما تتحملها العاقلة. بخلاف من يقتل عمدًا، فإنه أولًا عليه القصاص، فإن لم يكن هناك قصاص فعليه الدية، إلا أن يعفو أهل الميت وورثة الميت، فلا يكون عليه دية ولا كفارة. قال: فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية للخلق إلى الحرية التامة؛ لأنه قد قتل نفسًا، فيخرج نفسًا هي مملوكة ويخرجها إلى الحر. قال: فإن لم يجد هذه الرقبة، رقبة، صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية، القاطع للعبد عن سعادته الأبدية، إلى التعبد لله بتركها تقربًا إلى الله. معنى: يخرج نفسه من رق الشهوات بالصيام. قال: ولم يشرع الإطعام في هذه المواضع لعدم المناسبة، بخلاف الظهار. وقد قال بعض العلماء بالإطعام إذا لم يستطع الصيام يطعم، وبعضهم قال لا يطعم، وهو الصحيح. قال: كما سيأتي إن شاء الله. من حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل، حتى يكون الإنسان على حذر، لا يستهين بأنفس الناس. مثلًا: هؤلاء أصحاب السيارات، تجد يمشي بسرعة جنونية، يمشي بسرعة جنونية ومعه الناس، فيحصل له حادث، وكذا. فإذا طلبت الدية، فيكون زجرًا لغيره. كذلك كفارة. قال: ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها، وجوب التتابع فيها، أي: الصيام، ولم يشرع الإطعام في هذه المواضع لعدم المناسبة. طيب. قال: من حكمتي أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل، باستعمال أسباب العاصم عن ذلك. ومن حكمتي أن أوجبت على العاقلة، معنى: وجبت على العاقلة في قتل الخطأ، بإجماع العاقلة. كما قلنا: القبيلة، لكون القاتل لم يذنب، فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة. فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد. ومن هذه الأمور العظيمة التي يتعاون فيها أهل القبائل أو أهل القبيلة الواحدة، مثل هذه الأمور. لو يتعاون، فهذه أمور طيبة. أما أنهم يتعاونون على شر، يتعاونون على أو يجتمعون على أمور لا تليق، على التعصب فقط، فهذا لا يجوز. قالوا: لعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل، حذار تحميلهم، ويخف عليهم بسبب توزيع عليهم، يعني: تخف لأنها توزع الدية، أنت عليك ألف، أنت عليك كذا، بقدر أحوالهم وطاقتهم. وخففت أيضًا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين، وهذا حكم بها عمر رضي الله عنه، ومشى عليه الفقهاء، أن هذه الدية ما يعطونها في وقت واحد، تقسط عليهم ثلاث سنوات. قالوا: من حكمتي وعلمي أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل، يعني: جبر هذه المصيبة في هذه الدية. ولهذا في القسامة، لم تكن لمحيصة مسعود دية، فأداها النبي صلى الله عليه وسلم من بيت مال المسلمين. قال: «من تتهمون؟» قالوا: اليهود. قال: «إذن تبرئكم اليهود بخمسين يمينًا». قالوا: يا رسول الله، كيف نأخذ أيمان قوم كافرين؟ قال: «إذن تحلفون خمسين يمينًا أنتم الأنصار، تحلفون خمسين يمينًا». قالوا: يا رسول الله، أن نحلف على شيء لم نراه ولم نشهده؟ فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو سمع ما قالوا، أداها النبي عليه الصلاة والسلام من بيت مال المسلمين. وهذه الدية تكون جبر للمصاب الذي أصيب به هؤلاء أهل هذا الميت. خيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا.