الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 113، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي وعيد الله الشديد لمن يقتل مؤمنًا متعمدًا بأن جزاءه جهنم خالدًا فيها، مبينًا أن هذا الوعيد من أعظم الوعيد في الكبائر. ويناقش مسألة الفاسق الملي موضحًا اتفاق أهل السنة على أنه لا يخلد في النار بل يدخل الجنة إن عذب، ردًا على قول الخوارج والمعتزلة بتخليده.
يبيّن المقطع أن أهل السنة جمعوا بين نصوص الوعيد والرجاء، فأثبتوا أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار بل هو تحت مشيئة الله، واستدلوا بآيات التوحيد والمغفرة. ونقل عن ابن القيم أن العقوبة المذكورة في آية القتل مقتضية لكن لها موانع تمنع الخلود كالتوبة والتوحيد والحسنات الماحية والمصائب المكفرة.
يشرح المقطع أن المصائب وإقامة الحدود في الدنيا تكفير للذنوب ورحمة بالعبد ليعجل الله عقوبته في الدنيا فيغفرها له في الآخرة، مستدلاً بأقوال السلف وأحاديث النبوة. ويؤكد على الموازنة بين الحسنات والسيئات وعدم تعطيل النصوص الشرعية.
يختتم المتحدث الجلسة الحالية معلناً تأجيل استكمال الموضوع إلى الدرس القادم، مكتفياً بما تم شرحه في هذا اللقاء. ويفوض العلم كله إلى الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾. قال رحمه الله: تقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن، وأن القتل من الكفر العملي. وذكر هنا وعيد القاتل عمدًا وعيدًا ترجف له القلوب، وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول. فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم. معنى يريد في الكبائر التي ليست بالشرك، معنى قوارع القتل التي جاءت، وكذلك الربا هي قوارع عظيمة. ففي هذه الآية ذكر هذه الأمور، الوعيد، وعيد بمن قتل مؤمنًا متعمدًا. قال: ألا وهو الإخبار بأن جزاؤه جهنم، أي فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازي صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم والخزي المهين، وصخط الجبار، وفوات الخوز والفلاح، وحصول القبيحة والخسار. فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته. إن هذا الذنب العظيم الذي أوعد ربنا جل وعلا وعيدًا عظيمًا وهو جهنم: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾. قال: وهذا الوعيد له حكم أمثاله من نصوص الوعيد، أو قال: له حكم أمثاله من نصوص الوعيد على بعض الكبائر والمعاصي بالخلود في النار أو حرمان الجنة. إن جاءت نصوص كثيرة، سواء كان في القرآن أو في السنة، بخلود في النار أو حرمان الجنة. مثلاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من راعٍ يسترعيه رعية ثم لم يحطهم بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة». أيضاً كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة». وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخله الجنة فأبعده الله». وغيرها من النصوص التي إما فيها الخلود في النار مثل هذا الذي جاء في الوعيد في القتل عمدًا، وكذلك أيضًا ما جاء فيه في حرمان الجنة أو أنه لا يرح رائحة الجنة، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع رحم، لا يدخل الجنة قاطع رحم، لا يدخل الجنة قتات». وغيرها من هذه النصوص المتكاثرة في حرمان الجنة أو في الخلود في النار. فهذه قال: قد اختلف الأئمة رحمهم الله في تأويلها، مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار ولو كانوا موحدين. وهذه المسألة، مسألة الفاسق الملي، الفاسق الملي الذي هو يرتكب الكبائر من القتل والربا والزنا وغير ذلك من الكبائر. فهذا الكافر الملي... أو هذا الفاسق الملي الذي فسق بكبيرته وهو من أهل الملة، لا زال من أهل الملة، أي من المسلمين، يسمى الفاسق الملي. لأن الفاسق غير الملي هو الكافر. أن الله عز وجل ذكر الفسق على نوعين في القرآن. فهذا الفاسق الملي الذي يرتكب الكبائر، قول الخوارج والمعتزلة أنه مخلد في النار، واستدلوا بمثل هذه الآيات. وقولهم هذا باطل، قولهم باطل كما سيأتي ذكره في الأدلة وفي كلام المؤلف رحمه الله. وأهل السنة جميعًا اتفقوا على أنه يدخل الجنة، وإن عذب في النار، وإن عذب في النار، مادام أنه من أهل التوحيد لم يشرك بالله شيئًا، فإنه يعتبر من أهل الجنة، وإن عذب بسبب كبائره، لأنه لم يخرج من الإيمان. وأما قول الخوارج المعتزلة فأخذوا نصوص الوعيد وتركوا نصوص الرجاء. والمرجئة يقولون: أن هذه المعاصي لا تؤثر في إيمانه، إيمانه كامل مهما فعل، فإيمانه لا ينتقص. وهذا أيضًا قول باطل، أخذوا نصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد. وأهل السنة جمعوا بين نصوص الوعيد ونصوص الرجاء، وخرجوا في مسألة أهل الكبائر أنهم لا يخلدون في النار، لا يخلدون في النار، وإنما هم تحت مشيئة الله عز وجل. وإن دخلوا النار فإنهم يخرجون منها، وإن دخلوا النار فإنهم يخرجون منها إلى الجنة، ما دام أنهم من الموحدين. وهذا باتفاق أهل السنة. قال: والصواب في تأويلها ما قاله الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم رحمه الله في المدارج، أي مدارج السالكين، فإنه قال بعدما ذكر تأويلات لا إمام في ذلك وانتقدها، عن الذين أرادوا أن يبينوا ما هو وجه هذه الآية: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ﴾. أنا هل خلود هنا خلود الكفار؟ لا شك أنه لا، لأن الآيات دلت على أن القاتل أخ للمقتول: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾. فهذه الآية سمى الله عز وجل القاتل أخًا. قال الله عز وجل: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾، سماهم أيضًا من المؤمنين. وغير ذلك من الآيات. ويكفي الآية العظيمة التي فيها أن الله عز وجل يغفر كل ذنب ما إلا شرك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾. قال رحمه الله: وقالت فرقة: إن هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضى للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضى الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه. أنا يقول: أن ولو كانت هذه العقوبة موجودة لكن هناك أشياء قد تمنع وقوع العقوبة، قد تمنع وقوع هذه العقوبة، مثلًا إيمانه وتوحيده. قال: فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه. وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتضٍ لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع، فبعضها بالإجماع وبعضها بالنص. أنا بالإجماع: معنى بعض الموانع منها كما قلنا، الموحد، الموحد لا يخلد في النار، بل لابد أن يدخل الجنة، وينعذب. قال: فالتوبة مانع بالإجماع، هذا قبل الموت، قبل أن يغرغر العبد، فالتوبة له مانع. وهي أيضًا تدخل في هذه الموانع، لأن هنا الآية مطلقة. لكن لو تاب من هذا القتل فإن أكثر أهل السنة على أن توبته مقبولة، على أن توبته مقبولة. حتى على قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه، إنما قال ابن عباس: أن معنى العقاب الذي يكون عليه يكون، لابد أن يعاقب يوم القيامة حتى لو بالتوبة. وذكر الحديث الذي جاء، أو حديث رواه ابن عباس نفسه، أن القاتل أو أن المقتول يأتي يوم القيامة عند ربه جل وعلا فيقول: يا رب، سل هذا، أي هذا الذي قتلني، فيما قتلني؟ فيوبخ بذلك. فهذا قال: لا يرفع عنه حتى لو تاب في الدنيا. ولو أيضًا سامح أهل الميت وهو تاب، فإن هذا أيضًا قال: يقع. وهذا الذي حمله شيخ الإسلام وغيره على كلام ابن عباس. وإلا فالتوبة مانعة حتى على كلام ابن عباس. لهذا قال الإمام ابن القيم: فالتوبة مانعة بالإجماع. قال: والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها. أيضًا التوحيد مانع من موانع دخول الرجل أو خلوده في النار، خلوده الخلود الأبدي. وأما مثل التعذيب فقد يعذب ثم يرجع إلى الجنة. قال: والحسنات العظيمة الماحية مانعة. معنى أيضًا هذه تمحو حتى الكبائر عند بعضهم، العلم، فالحج والجهاد وغير ذلك. قالوا: المصائب الكبار المكفرة مانعة. عن المصائب الكبار التي تصيب الإنسان: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾. وأيضًا هي كفارات، كفارات لهذه ما حصل من العبد. قالوا: إقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص. والله عز وجل إذا أراد بعبد خيرًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجل له العقوبة في الدنيا». إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا. فإقامة العقوبة على العبد ليس معنى أنه رجل بعيد عن الله أو أنه إيمانه ضعيف، لا. غالبا أن الله عز وجل ما يعجل العقوبة إلا رحمة بهذا العبد، يجعل له عقوبة في الدنيا حتى يغفرها الله عز وجل له في الآخرة، حتى يغفرها الله عز وجل له في الآخرة. ولهذا فأذى من رحمة الله عز وجل. ولهذا كما تعلمون أن بعض السلف كان يقول: إني أرى أثر معصيتي في زوجتي وفي دابتي. يعني يراه في هذا، لأنه يعجل له العقوبة، فيرى ذلك في خلق زوجته، ويرى ذلك في خلق دابته. معنى: الله عز وجل يعاقبه بشيء يسير حتى يرتدع، حتى يرجع، ولأنه أواب رجع، فيذكره الله عز وجل بشيء من هذا. فأيضًا كذلك بعض السلف كان يقول: إذا فعلت معصية أبول دمًا. كما جاء عن سفيان الثوري وغيره. أنا يبول الدم إذا فعل معصية، يرى نفسه، أو يرى نفسه يبول دمًا. أنا يعرف نفسه وأن فيه شيء حصل منه. وهذا من رحمة الله عز وجل في ذاك الصحابي الذي قبل امرأة، ثم ندم ندمًا شديدًا، فهام بوجه يريد النبي عليه الصلاة والسلام، من كثرة انشغاله وخوفه، ارتطم في جدار، ارتطم في جدار، ثم حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل وما حصل. قال له: «هذه عقوبة، أو عاجلة الله عز وجل بهذه العقوبة». ثم قال، أو كما قال نبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أراد بعبد خيرًا عجل له العقوبة، عجل له العقوبة». وليس كل تعجيل العقوبة بمعنى أنه أن العبد طايع لله، لا. أحيانًا يكون تعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. معنى هذه التعجيل الذي يكون في الدنيا حتى يغفرها الله عز وجل له في الآخرة، كما جاء في حديث آخر: «ويغفرها الله عز وجل له في الآخرة». وأما التعجيل الذي يكون فيه تعجيل مع ما أعده الله عز وجل في الآخرة له، فهذا من باب العقوبة الشديدة، مثل ما جاء في الحديث: «ما من ذنب يعجل الله عز وجل فيه العقوبة مع ما ادخره الله عز وجل من عقوبة في الآخرة كمثل العقوق والبغي». وجاء في رواية: «قطيعة الأرحام والبغي». قطيعة الأرحام والبغي. بعد أن الله عز وجل يعجل عقوبة قاطع الرحم وعاق الوالدين، وكذلك الظالم الباغي. قال رحمه الله: قال: والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص. أي حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: «فمن أقيم عليه حد في الدنيا كان كفارة له يوم القيامة، كان كفارة له يوم القيامة». معنى: النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأعباء أو هذه المعاصي من القتل والزنى وغير ذلك. قال: ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص. وهذا من فقهها للسنة، يجمعون بين النصوص، لا يتركون نصوصًا ويأخذون بنصوص كما فعلت الخوارج المرجئة. قال: فلابد من أعمال النصوص من الجانبين. ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات، اعتبارًا لمقتضى العقاب ومانعة، وعمالا لأرجحها. قالوا: على هذا بناء مصالح الدارين، ومن فسادهما طيب. إن شاء الله نعجل هذا إلى الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله أعلم.