الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 115، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المحور كيف ينتقل القرآن من نفي التسوية بين المجاهدين والقاعدين إلى تفضيل المجاهدين بدرجة مع منحهم مغفرة ورحمة ودرجات أعلى في الجنة، مع الحفاظ على حق القاعدين بوعدهم بالحسنى. ويشير إلى المنهج القرآني في المدح التدريجي الذي لا يهضم حق الأقل فضلاً مستشهداً بآيات أخرى وبحديث النبي عن المؤمن القوي.
يؤكد المحور على ضرورة ذكر فضل المفضول عند التفضيل بين الأشخاص أو الطوائف أو الأعمال حتى لا يُهضم حقهم، مع التفريق بين التحذير من المبتدع أو الفاسق فلا يُذكر له فضل، وبين التقويم فيُذكر ما له وما عليه. ويستدل بموقف القرآن من أبي لهب في سياق العدل في النقد.
يبين المحور جواز الفرح بمولد النبي ﷺ في القلب دون إحداث عبادات مبتدعة لذلك اليوم، ويوضح منهج التحذير من أهل الباطل دون ذكر محاسنهم لئلا يُغتر بهم. ويستدل بآيات قرآنية في مقارنة حال النصارى واليهود وبيان كفر الفريقين رغم تفاوت عداوتهم للمؤمنين.
يؤكد المحور أن الله غفور رحيم لمن أخطأ وهو مجتهد في طاعة الله ومن المجاهدين في سبيله. ويختتم المحاضر بالشكر والترحيب بنهاية الحديث داعياً بالقبول والتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال رحمه الله أيضًا في سياق تفسير هذه الآيات: وتأمل حسن هذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها؛ فإنه نفي التسوية أو نفى التسوية أولًا بين المجاهد وغيره، ثم صرح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة، ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة والرحمة ودرجات، درجات منه ومغفرة ورحمة، ﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، على فضل الله عز وجل المجاهدين على القاعدين درجة، وأيضًا هذه الدرجة هي درجات في الجنة، ومغفرة ورحمة تكون أعظم من غيره. قال: وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح، أو النزول من حالة إلى ما دونها عند القدح والذم، أحسن لفظًا وأوقع في النفس، أنا أوقع في النفس من ناحية التفضيل؛ فيجعل للمفضل زيادة وجوائز على هذا التفضيل، فيكمل هذا التفضيل. قالوا: كذلك إذا فضل تعالى شيئًا على شيء وكل منهما له فضل، احترز بذكر الفضل الجامع للأمرين؛ لألا يتوهم أحدٌ ذم المفضل عليه، كما قال تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وكما قال جل وعلا في سورة الصف: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أنا هادي بشارة للمؤمنين جميعًا، كما في قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. فهذا من الأسلوب العظيم الذي في كتاب الله جل وعلا؛ حتى لا يهضم الحق من كان مؤمنًا أو من كان له حق عظيم عند الله. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، وفي كل خير لأنه مؤمن ففيه خير، فلم ينسَ خيره. قالوا: ففي كل خير. قالوا: كما قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، أنا ذكر لهم الفضل. قال: فينبغي لمن بحث في التفضيل بين الأشخاص والطوائف والأعمال أن يتفطن لهذه النكتة: أن إذا ذكر تفضيل أناس على آخرين وأولئك لهم فضل أيضًا، لا ينسى فضلهم، لا ينسى فضلهم. إذا قال مثلًا: العلماء الذين ذكروا بمسألة كذا وهي مسألة مهمة، هذا يدل على فقههم وعلى حنكتهم وعلى كذا، فإذا ذكر مثل هذا لا ينسى فضل العلماء الآخرين الذين لم يذكروا، فيقول مثلًا: ولا ننسى فضل العلماء في مجالات أخرى، في مجالات كذا لهم فضل عظيم على الأمة. فهذا حتى لا يهضم حق الناس، لأن أحيانًا بالتفضيل عندما يسمع الإنسان التفضيل يظن أنه ذم للآخرين، يظن أنه ذم للآخرين، وليس كذلك، لكن من باب التنبيه حتى لا يظن هذا الظن، فيذكر فضل من هو مفضول. قال: وكله وعد الله الحسنى. قال: وكذلك لو تكلم في ذم الأشخاص والمقالات، ذكر ما تجتمع فيه عند تفضيل بعضها على بعض؛ لأنه يتوهم أن المفضل قد حصل له الكمال. فإذا كان هناك ذنب لأشخاص أو مقالات، مثل إنسان جاء عنده مقالات كثيرة في موضوع، فيقول: أفضل مقالة هي مقالة فلان، مقالة طيبة ركز على أمور مهمة، لكن لا ينسى مثلاً ويتغافل عن المقالات الأخرى الذين بذلوا الجهد في هذه المقالات، فيثني عليها خيرًا وأنها مقالات طيبة، لكن هذه كانت لها حق السبر. وكذلك في ذنب الأشخاص أيضًا لا ينبغي أن يفرط في ذمهم، وإن حصل فيه التفاضل، فإنه لا ينسى ما هم عليه من الخير. أما من أراد أن يحذر منه فهذا لا يذكر له فضل إذا أراد التحذير، أما إذا أراد التقويم، تقويم هذا الإنسان، فيذكر ما له وما عليه. وأما إذا أراد أن يحذر منه لأجل خبثه ولأجل بدعته ولأجل أيضًا فسقه، فهنا لا يذكر شيئًا مما هو عليه. وهذا طريقة الكتاب والسنة، فالله عز وجل لما ذكر أبا لهب لم يذكر له شيئًا من الخير، بل توعده بالنار، مع أنه كما سمعنا قبل الصلاة في كلام في السيرة والحديث، كما ذكر في البخاري أن أبا لهب لما ولد النبي صلى الله عليه وسلم أعتق ثويبة، والآن يستدلوا به أصحاب الموالد، يستدلون به على أنه أصل في صنع المولد، وهذا كلام باطل؛ لأن هذا فقط أنه فرح، طيب. مسألة الفرح بمولد النبي عليه الصلاة والسلام لا ينكرها أحد، أما أن يجعل عبادة لأجل ذلك اليوم فهذا الذي ينكر؛ لأن هذا اختراع وبدعة. وأما من فرح لذلك اليوم فلا بأس بذلك، لكن يحدث مثلاً يأتي بشيء من عنده عبادة يخترعها، فيقول: هذا لأجل الفرح، فهذا ليس صحيحًا. فحيانا الفرح يكون في قلب العبد بدون عمل، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فلهذا فإذا كان لأجل أن يحذر من هذه الفرقة لا يذكر، أو من هذا الشيخ أو من هذا الذي يدعو الناس إلى الباطل، فيحذر منه ولا يذكر له حسنة حتى لا يغتروا به، وإلا فإذا ذكر حسناته فكأنه لم يحذر منه. عناي قال: أنه فلان كذا وكذا، لكنه له فضل، له كذا، له كذا، فكأنه لم يفعل شيئًا. فيقول مثلاً: هو رجل مسلم ورجل مؤمن ورجل مثلاً له عنده علم في كذا وعنده علم في كذا، فإذا جاء مثل هذه الأشياء انتهى التحذير، ولم يوقع ذاك التحذير في نفس هذا المحذر. قال: لأنه توهم أن المفضل قد حصل له الكمال، كما إذا قيل: النصارى خير من المجوس، فليقل مع ذلك: وكل منهم كافر. أنا يقول مثلاً: أن نقول النصارى خير من اليهود، لكن كلهم كفار، كلهم كفار. وقال الله عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وإنما مدحهم لأجل ما فيهم من الخير، وأيضًا مدح من أسلم منهم ومن سمع كتاب الله فعرفناه له، وإلا في بعض الآيات الأخرى قالوا: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. فهنا الله عز وجل ذكر ما هم عليه، فهم نسوا مما ذكروا به مما أنزل الله عز وجل عليهم. قالوا: القتل أشنع من الزنى، وكل منهما معصية كبيرة حرمها الله ورسوله وزجر عنها. قالوا: لما وعد المجاهدين بالمغفرة والرحمة الصادرين عن اسميه الكريمين الغفور الرحيم، ختم هذه الآية بهما، فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وعلى من حصل منه شيء فالله عز وجل غفور رحيم، مادام أنه مجتهد في طاعة الله جل وعلا ومن المجاهدين. قريب نكتفي بهذا، والله تعالى شكرًا لكم. ترجمة نانسي قنقر