الدرس في قصة آدم عليه السلام 5، موت آدم عليه السلام . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل قصة آدم عليه السلام وتبرعه بستين سنة من عمره لداود عليه السلام بناءً على حديث رواه الإمام الترمذي. يُذكر فيه خلق آدم وتفاعله مع الملائكة واطلاعه على ذريته.
يصف هذا الفصل كيفية قبض روح آدم عليه السلام عندما اشتاق لثمار الجنة، حيث أرسل الملائكة لقبض روحه وأخبروا أبنائه بأن أجله انتهى. استقبلت حواء الملائكة أولًا ثم ابتعدت بناءً على طلب آدم.
يتناول هذا الفصل تكريم الله لآدم عليه السلام بعد وفاته بتغسيل الملائكة له وتكفينه ودفنه، واستمرار ذريته على خير حال في عبادة الله لمدة عشرة قرون قبل انتشار الشرك والكفر.
يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى وتواضع المتحدث.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا المقام، إخواني في الله، في سلسلة ذكر قصص الأنبياء والرسل، ولازلنا مع آدم عليه السلام. وقد ذكرنا في دروس خلت ما يتعلق بأهم الأحوال والمسائل المتعلقة في حياة آدم، منذ أن كان في الجنة إلى أن أخرج إلى الأرض، وما كان من مسألة ابنيه قابيل وهابيل. نأتي إلى ختام قصة آدم عليه السلام بذكر موته وأجله الذي كتبه الله عليه. ابتداءً، توضيحًا لمسألة أجل آدم عليه السلام، نذكر الحديث المروي في بيان مدة عمره وحياته التي قضاها آدم عليه السلام في الأرض. روى الإمام الترمذي في سننه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن الله عز وجل لما خلق آدم ونفخ فيه من روحه، وعطس آدم، فألهمه الله الحمد، فقال: «الحمد لله»، فقال له ربه: «يرحمك الله يا آدم». ثم إن الله عز وجل قال لآدم: «اذهب إلى هذا الملأ من الملائكة فسلم عليهم»، وفي رواية: «فقل: السلام عليكم»، فردت الملائكة عليه: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته». فقال الله لآدم: «هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك». ثم إن الله عز وجل نثر لآدم أشياء، فقال آدم: «ما هؤلاء يا رب؟»، فقال الله عز وجل: «هذه ذريتك». جميع ذرية آدم نثرها الله بين يدي آدم، بين يدي هذه ذريتك. فبينما كان آدم يتمعن في هذه الذرية، إذ به يجد أن هناك من أوضاعهم شخصًا فيه وضاءة بارزة واضحًا، فقال: «يا رب من هذا؟»، قال الله: «هذا ابنك داود». وسأتي معنا بإذن الله هذه القصة في حياة داود عليه السلام. قال: «هذا ابنك داود»، قال آدم: «يا رب كم له من العمر؟»، قال الله: «له أربعون سنة فقط»، له أربعون سنة. فقال آدم: «يا آدم زد له في عمره»، يعني بهذه الوضاءة وبهذه الوجاهة، ولو بهذه المدة زد له في عمره. فقال الله: «قد كتب أجله هذا الذي له أربعون سنة». فحينها قال آدم: «فيا رب أعطيه من عندي ستين سنة»، أي تبرع آدم من عمره لداود ستين سنة. قال الله: «لك ذلك». ثم بعد ذلك أسكن الله عز وجل آدم الجنة، ثم أهبط إلى الأرض. وفي الحديث: «وكان آدم يعد لنفسه»، ماذا يعد؟ يعد الفترة الزمنية التي كتبها الله لآدم. وكان آدم يعد لنفسه، فأتاه ملك الموت، أتاه فقال له آدم: «لقد عجلت»، لقد عجلت، تأتي الآن تقبض روحي، لا هذا ليس وقتك، لقد عجلت أو تعجلت. قال له ملك الموت: «لا هذا وقتك، هذا أوانك». قال آدم: «إن الله كتب لي ألف سنة»، هذا الشاهد، عمر آدم ألف سنة. «إن الله كتب لي ألف سنة»، يعني وأنا أحسبها حساب، يعني ما بقي من ألف سنة بعد فترة. فقال له ملك الموت: «إنك وهبت لابنك داود ستين سنة». ستين سنة. قال آدم: «لا ما فعلت، ما فعلت». قال: «بل فعلت». قال عليه الصلاة والسلام: «فنسي آدم، فنسي ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته». فقبضت روحه عليه السلام. فالشاهد من هذا الحديث، بكماله وتمامه، الفقرة الأخيرة، على أن آدم عليه السلام أعطاه الله ألف سنة عاشها في هذه الدنيا، إلا ما كان من السنوات الأخيرة التي وهبها لداود عليه السلام. طيب، هذا ما يتعلق بأجل آدم. نأتي إلى كيفية قبض روح آدم. في هذا المقام، ما عندنا آية نستدل بها أو حديث صحيح نتكئ عليه في هذا الباب، لكن عندنا آثار صحت. ومن أصح الآثار التي يمكن أن نستأنس بها في معرفة قبض روح آدم عليه السلام، ما جاء أن آدم عليه السلام في آخر عمره مرض واشتهى أن يأكل من ثمار الجنة، اشتهى أن يأكل من ثمار الجنة. فطلب ذلك من أبنائه: «ابحثوا لي». فقام أبناؤه -والأرض كلها أبناؤه حينها- فيبحثون هنا وهناك، لعل وعسى أن يجدوا ما يكون شبيهًا بثمار الجنة، أو لعلهم يجدوا من ثمار الجنة شيء في الأرض. فبينما هم كذلك ينتشرون، إذ وافاهم نفر من الملائكة معهم المزارع والفؤوس والمكاتل والحنوط والكفن. فقالت الملائكة لهؤلاء النفر من بني آدم: «قال أين تريدون؟»، قالوا: «إن أبانا مريض، وإنه اشتهى أن يأكل ثمرة من ثمار الجنة». فقالت الملائكة لهؤلاء: «ارجعوا إلى أبيكم، فقد انتهى أجله، ما هو بحاجة لهذا الثمار، ولستم بحاجة أن تبحثوا، قد انتهى أجله». انتهى أجله. فدخلت الملائكة هؤلاء على آدم عليه السلام، أول من استقبلهم حواء. فلما رأتهم عرفتهم؛ لأنها كانت في السماء، وقد علمت ببعض الأمارات والعلامات أن هؤلاء ملائكة، فعرفتهم. ثم إذ بها تدخل مباشرة إلى آدم وتلتصق به، وفي رواية: «فلاذت بآدم، لاذت بآدم، التصقت به». قال لها آدم: «إليك عني، ابتعدي»، إليك عني، آدم عارف الملائكة. «إنما أوتيت من قبلك»، هنا مسألة يذكرها بعض الشراح: لماذا حواء لاذت إلى آدم والتصقت به؟ يحمل هذا على أنها كانت تعرف أن الأنبياء -وآدم نبي- قد مر هذا معنا، قد مضى أن الأنبياء من خصائصهم أنهم عند قبض روحهم يستأذنون، إما بالحياة والبقاء، وإما بقبض الروح والرحيل إلى الرفيق الأعلى، يخيرون. وما كان منهم إلا واختار الرفيق الأعلى. فحواء علمت أن آدم سيخير بين البقاء وبين الانتقال، فكأنها تريد أن تقنعه بأن يبقى. فقيل هذا الذي جعلها تلتصق به، وكأنه تخبره بهذا: تبقى. فقال لها آدم: «إليك عني، فإنما أوتيت من قبلك». وقد ذكرنا هذه القصة -لو تذكرون- في مسألة الأكل من الشجرة. ثم قال آدم لحواء: «خلي بيني وبين ملائكة ربي، دعيني». فأخرجها وأصبح بينه وبين الملائكة، فقامت الملائكة بقبض روحه، وبتغسيله، وبتكفينه، وبوضع الحنوط وبتحنيطه، وبدفنه وإلحاده. ثم صلوا عليه، ثم قالوا لمن حولهم: «هذه سنتكم يا بني آدم في أمواتكم»، هذه سنتكم في أمواتكم يا بني آدم. هذه القصة -كما قلنا- لم تأت عن نبينا، ومن رفعها إلى رسول الله فقد أخطأ، فلم يصح عن رسول الله حديث مرفوع بهذا، إنما هذا ثبت عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، بأثر ثابت عنه. حتى قال الهيثم رحمه الله تعالى، بعدما أورد هذه القصة: «قال وهذا حديث، وهذا أثر على رجال صحيح»، على رجال الصحيحين، أو كما قال رحمه الله. هذا الذي يذكر في قضية موت آدم عليه السلام. فانتهى أجل آدم، وقبضت روحه، ودفن وكفن، وصلي عليه. ومات آدم، وقد ميزه الله -كما مر- مات وهو في غاية من التشريف والتقديس والتفضيل والتعظيم والجمال والبهاء. كفاه شرفًا أن الله خلقه بيده، كفاه تفضيلًا أن الله نفخ فيه من روحه، وأن الله عز وجل أسكنه جنته، وأن الله ماذا؟ أسجد له الملائكة. ومع هذا كله، سيأتي من ذرية هذا النبي آدم عليه السلام من هو أفضل منه، وأعني به نبينا عليه الصلاة والسلام، صلوات ربي وسلام عليه. قبض آدم عليه السلام، واستمرت الأجيال والقرون على خير حال في عبادة الله والعبودية والوحدانية لله. بل استمر الأمر تحديدًا عشرة قرون، استمرت عشرة قرون، كما جاء ذلك في البخاري من حديث ابن عباس: أجيال تل وأجيال، وما تعرف إلا الإنقياد لرب الأرباب جل في علاه، لا كفر، لا شرك، لا انحراف في عقائدها أبدًا. ثم بعد العشر القرون، ما الذي حصل؟ حصل أن بدأ الشيطان في التسلل إلى عباد الله، وبدأ فعله القبيح ببث الشركيات والكفريات. وهذا سيأتي معنا بإذن الله في درس قادم، في بداية مظاهر الشرك في الأرض، وكيف أن الأنبياء والرسل بعد ذلك تتابعوا، وما يكون من قصصهم وأحوالهم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.