الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديث أبي بكرة موضحاً أن المراد تقاتل مسلمان كلٌّ يقصد قتل الآخر بغير حق فيكون كلاهما في النار؛ لأن المقتول كان حريصاً على القتل، وأن ذكر السيف تمثيل لا حصر. ويفرق بين هذا القتال المحرم وقتال الدفاع عن النفس أو المال أو العرض الذي يجعل القتيل شهيداً، مستدلاً بقاعدة «الأعمال بالنيات» في دخول المقتول النار لنيته الاعتداء.
يبيّن المقطع أن الدفاع عن النفس أو المال أو العرض مشروع ولا يعد قتلاً عمداً، مستدلاً بحديث من قُتل مدافعاً عن ماله فهو شهيد والمعتدي في النار. ويحذر من التساهل في قتل المؤمن متعمداً لعقابه الشديد في الآخرة مستشهداً بآية النساء: 93، ويندد بقتال المسلمين لأسباب تافهة.
يوضح المقطع أن الصحابة كانوا يسألون النبي ﷺ عن الأمور المشتبهة، مما يدل على جواز سؤال أهل العلم عند الاستشكال. ويؤكد أن كل مشتبه في الكتاب والسنة له حل عند أهل الاستنباط الذين يعرفون كيفية استخراج الأحكام وبيانها للناس.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الإخلاص وإحضار النية: قال الحديث التاسع: وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه». متفق عليه. ومعنى الحديث: إذا التقى المسلمان، أي يريد كل واحد منهما أن يقتل الآخر، أن يقتل الآخر، وكل واحد سل سيفه. وذكر السيف هاهنا على سبيل التمثيل وليس على سبيل الحصر واليقين. فإذا التقى المسلمان بأي وسيلة يكون بها القتل كالألي أو المسدس أو السكين أو الجنبية أو الخنجر أو نحو ذلك، فهذا يدخل في عموم الحديث، يدخل في عموم الحديث. وذكر السيف هنا على سبيل التمثيل. فمعنى الحديث: إذا التقى المسلمان وكل واحد أراد قتل أخيه بغير حق، يعني ليس مدافعًا عن عرض ولا مدافعًا عن مال وحق، وإنما كانت المقاتلة من أجل الدنيا ومن أجل كذلك الانتصار، كل واحد ينتصر لنفسه، فهذا هو المراد بهذا الحديث، المراد بهذا الحديث. وهناك فرق بين هذا الحديث وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد». لأن هؤلاء إنما دافعوا عن حقهم، كان الدفاع عن حق في دم إنسان جاء يريد أن يقتلك وأنت ما تريد قتله، لكن هو يريد أن يقتلك فدافعت عن نفسك، دافعت وحاولت أن تصد هذا الصائل عن نفسك لكن ما استطعت إلا بأن تقتله، فهذا لا شيء فيه، بل أنت إذا قتلت فأنت شهيد لأنك دافعت عن حق، دافعت عن حق. لكن إذا أراد كل واحد يقتل صاحبه والنية من أجل ذلك ومن أجل أمور لا حق فيها، فهذا معنى الحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». كلاهما في النار، القاتل والمقتول. فاستغرب الصحابة وصار عندهم إشكال، فقالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، هذا القاتل، يعني أن كونه في النار واضح، لماذا؟ لأنه تعدى وقتل مؤمنًا متعمدًا بغير حق فهو في النار، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. فهذا هو الذي يكون في النار، القاتل. فما بال المقتول؟ كيف هو مقتول أيضًا يكون في النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وعليه سلم وهو يزيل هذا الإشكال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه». وهذا هو موطن الشاهد من إيراد هذا الحديث في هذا الباب، باب الإخلاص وإحضار النية. فوجه الشاهد: أن هذا الحديث دليل على أن الأعمال بالنيات، أن الأعمال بالنيات، وأن هذا المقتول لما نوى قتل صاحبه بغير حق صار كأنه فاعل، صار كأنه فاعل، كأنه قاتل، كأنه قاتل. فهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، من هذا الحديث. أما إذا كان كما تقدم: الدفاع عن النفس أو المال أو العرض، فهذا لا يدخل في هذا، لأنك فعلت ذلك بحق، فعلت ذلك بحق، وقد أذن لك الشرع بذلك إذا لم تستطع رد الصائل والمعتدي إلا بقتله. ولذلك جاء في الحديث الآخر فيمن أتى ليأخذ مالك: قال: «إن قتلته، إن قتلته». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو في النار». هذا المعتدي إن قتلته لما اعتدى عليك، قال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا السائل: «هو في النار». قال: «وإن قتلك فأنت شهيد، إن قتلك فأنت شهيد». لست في النار، لماذا؟ لأنك لم تنوِ قتله، إنما نويت ماذا؟ الدفاع عن مالك أو عن عرضك أو عن نفسك. ففرق بين الحديثين، ففرق بين الحديثين. وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد: أن فيه دليل على عظم القتل وأنه من أسباب دخول النار والعياذ بالله، فلا يتساهل المسلم في ذلك. تعجب والله من قتال بعض المسلمين لأسباب تافهة، يعتدي المسلم على أخيه المسلم في أشياء تافهة، في غضب، في يعني كلام متبادل بينهما أو سب أو كذلك خصومة أو نحو ذلك، فإذا بكل واحد منهما يريد أن يقتل أخاه. هذا أمر عظيم. فإذا قتلت متعمدًا فقد سمعت الآية فيها تلك العقوبات العظيمة: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. سبحان الله، عقوبات شديدة وعظيمة، يدل على حرمة دم المسلم، حرمة دم المسلم، فلا يتساهل في هذا الأمر. وفي هذا الحديث أيضًا: أن الصحابة كانوا يريدون على الرسول الشبه فيجيب عنها، فيجيب عنها، فلا بأس للمسلم إذا استشكل عليه أمر أن يسأل أهل العلم، فليس شيء في الكتاب ولا في السنة مشتبه إلا ووجد حله في الكتاب والسنة، علمه من علمه وجهله من جهله. ولكن أهل الاستنباط يعرفون ذلك ويبينون ذلك، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. فأهل الاستنباط هم الذين يجيبون على مثل تلك الإشكالات. وفي هذا يعني أدلة كثيرة وهذا أحدها. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى. اشتركوا في القناة.