الدرس في باب التوبة من رياض الصالحين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس ببيان وجوب التوبة مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وبأحاديث كثرة استغفار النبي ﷺ (سبعين ومئة مرة)، مبيناً أن من فوائد التوبة امتثال أمر الله والاقتداء بهدي رسوله ﷺ.
يوضح المقطع حرص النبي ﷺ على التوبة رغم مغفرة ذنبه، ويبين أن التوبة تمحو النكتة السوداء عن القلب وتطهره، مشدداً على شرط الإقلاع عن الذنب وأن التوبة لا تصح مع الإصرار على المعصية.
يبرز المقطع أن النبي ﷺ كان يعلم بالأقوال والأفعال مظهراً التوبة العملية بقوله: «إني أتوب إلى الله في اليوم مئة مرة»، مؤكداً أن كل إنسان مهما بلغ من الصلاح يحتاج إلى التوبة والاستغفار.
يختتم الدرس بالتأكيد على وجوب كثرة التوبة والاستغفار للمسلم اتباعاً لسنة النبي محمد ﷺ وطاعة لأمر الله، مكتفياً بما ذُكر من أحاديث وآثار في هذا الباب.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «رياض الصالحين»: الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». رواه البخاري. الحديث الثاني: عن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة». والسبب في إيراد المؤلف لهذا الحديث بالروايتين: لأن الرواية الأولى ذكر فيها سبعون مرة، والرواية الثانية ذكر فيها مئة مرة. والمناسبة لذكر هذين الحديثين في باب التوبة: فيه وجوب التوبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الثاني: «توبوا إلى الله، توبوا إلى الله»، ففيه الأمر بالتوبة. وقد تقدم معنا من كلام الإمام النووي وجوب التوبة من جميع الذنوب والآثام. وإذا تاب الإنسان من ذنبه فهذا فيه فوائد كثيرة، من تلك الفوائد: أولاً: امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقد تقدم معنا فيما ذكره الإمام النووي من دليل وجوب التوبة من القرآن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فالله أمر بالتوبة، ونبيه صلى الله عليه وسلم أمر بالتوبة، فكون العبد يكثر من التوبة فهذا فيه امتثال العبد لأمر ربه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن من عمل بما أمر الله عز وجل به سعد في الدنيا والآخرة، ولذلك قال في آخر الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. والفائدة الثانية من فوائد التوبة: الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا الحديث أن هذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو الذي هو أفضل الأنبياء والمرسلين، ومع هذا فإنه يتوب إلى الله في اليوم الواحد أكثر من سبعين مرة وأكثر من مئة مرة، فما بال أحدنا لا يكثر من التوبة ونحن الخطاءون، ونحن المذنبون، ونحن المكثرون من الذنوب والمعاصي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ففي التوبة امتثال أو اقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلقد كان عليه الصلاة والسلام يتوب بالقول وبالفعل. وكذلك من فوائد التوبة: تنقية وتصفية القلب من شؤم المعاصي. فإن التوبة تمحو هذا الذنب فيمحى أثره في القلب، وكما جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر سقل قلبه، وإن عاد زيدت فيه، فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». فهذه أيضاً من فوائد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. وينبغي أن يكون العبد في توبته صادقاً، فالتوبة الصادقة كما تقدم هي التي تجمع شروط التوبة المتقدمة، ومن ذلك الإقلاع عن الذنب. فليس من التوبة أن يستغفر الإنسان في اليوم مئة مرة أو أكثر وهو لا يزال مقيم على المعصية، يقول: أتوب إلى الله من الربا وهو لا يزال يتعامل بالربا، يقول: أعوذ بالله من النظر إلى الحرام وهو لا يزال ينظر إلى الحرام. هذا لا يفيده الاستغفار، وهذا لا تفيده التوبة شيئاً لأنه لم يأتِ بشروطها المتقدمة، ومن ذلك الإقلاع عن الذنب. وكذلك - بارك الله فيكم - هذا الحديث فيه فوائد نبه على بعضها العلامة ابن العثيمين في شرحه لهذا الحديث، فمن فوائد هذا الحديث: فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام معلم الخير بلسانه وفعاله، لم يقتصر على التعليم باللسان بل علم الأمة كذلك بالأعمال والأفعال. فانظر في هذا الحديث: فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس توبوا، استغفروا، وإنما قال: «فإني أتوب إلى الله في اليوم مئة مرة، أتوب إلى الله»، أي: أنا ممن يعمل بما أقول، فآمركم بالتوبة وأفعل ذلك بأن أتوب إلى الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن الإنسان مهما بلغ من العلم والتقى والصلاح فلا غنى له عن التوبة، فإن الإنسان لربما يقع في شيء من الذنوب، وكما تقدم أن الذنوب تكون بترك الواجب أو التقصير فيه، وبارتكاب المحرم. والإنسان عرضه في حياته للوقوع في شيء من الذنوب والمعاصي، وكما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر - الحديث القدسي - أن الله عز وجل قال: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، فاستغفروني أغفر لكم». فالله سبحانه وتعالى حثنا على الاستغفار ورغبنا فيه، فهو سبحانه وتعالى ينزل من السماء حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: «هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» فهذا يعد حثاً عظيماً على التوبة والاستغفار. وأيضاً من فوائد هذا الحديث: الإكثار من التوبة والاستغفار، ولذلك جاء في حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه - والحديث في الصحيح المسند لشيخنا - أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً، طوبى». فالاستغفار في نفسه عبادة، لما تستغفر الله وتتوب إليه هذه عبادة تؤجر عليها، مع ما فيها من غفران الذنوب. فينبغي للمسلم أن يكثر من التوبة والاستغفار اقتداءً بنبيه عليه الصلاة والسلام، وامتثالاً لأمر ربه سبحانه وتعالى. هذا ما تيسر ذكره عند هذين الحديثين، وبه نكتفي، وإلى هنا والله تعالى.