كتاب الصلاة 45

كتاب الصلاة 45

الدرس في كتاب الصلاة 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود

يناقش المقطع تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الواجب فيهما التسبيح والدعاء. كما يستعرض خلاف العلماء في بطلان الصلاة بقراءة الفاتحة فيهما ووجوب التسبيح بعدد معين.

وجوب الأذكار والتسبيح في الركوع والسجود

يرجح المقطع وجوب الأذكار في الركوع والسجود لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلح فيها كلام الناس، مع جواز التنويع وعدم التقييد بصيغة محددة. ويستعرض الخلاف في عدد التسبيحات مرجحاً قول مالك بعدم التحديد بجواز الزيادة على الثلاث.

مدة السجود ومشروعية الدعاء والأذكار المأثورة

يبيّن المقطع تقارب أركان الصلاة في الوقت وأن إطالة السجود تكون يسيرة، مع جواز الدعاء بما ورد وبما لم يرد وأفضلية المأثور. ويناقش حديث عائشة في جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين التعظيم والاستغفار في الركوع والسجود.

مسارعة النبي لامتثال أمر الله وتعظيم الربوبية

يُبرز المقطع سرعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في تنفيذ أوامر الله قياماً بحق العبودية وتعظيماً للربوبية. ويشير إلى أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بفضل هذا الامتثال.

  • 19 جمادى الآخرة 1447هـ - 09/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الحافظ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم». رواه مسلم. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا». قال: فكأنه قيل: فماذا تقول فيهما؟ فقال: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب». قد بيّن كيفية هذا التعظيم حديث مسلم عن حذيفة: فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم». وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن - بفتح القاف وكسر الميم - ومعناه: حقيق أن يستجاب لكم. رواه مسلم. فقمن: معناه حقيق أن يستجاب لكم. قال: والحديث دليل على تحريم قراءة القرآن حال الركوع والسجود، لأن الأصل في النهي التحريم. وظاهر وجوب تسبيح الركوع، ووجوب الدعاء في السجود للأمر بهما. قد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وطائفة من المحدثين، كأحمد وإسحاق وغيره، قالوا بالتحريم: تحريم قراءة القرآن حال الركوع والسجود، أنه لا يجوز أن يقرأ القرآن. وقال الجمهور: إنه مستحب، لحديث عائشة في صلاته، فإنه لم يفعله صلى الله عليه وسلم، لم يعلمه صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان واجبا لأمره به. ثم ظاهر قول: «فعظموا فيه الرب» أنها تجزي المرة الواحدة، ويكون بها ممتثلا ما أمر به. طيب، الآن هذه المسألة: صحيح كما ذكر المؤلف التحريم، لأن النهي واضح به، ولم يأت ما يزيل هذا النهي. نهى أن نقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. وجاء في حديث علي: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن راكعا أو ساجدا». ففيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. وأما قراءة الآية على أنها دعاء فهذا جائز، مثلا إذا قرأ في السجود آية في الدعاء: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقينا عذاب النار»، فهذه آية، لكن المقصود بها هنا الدعاء. وإنما إذا قرأ قرآنا لا يقصد به الدعاء. وهل تبطل الصلاة إذا قرأ قرآن؟ ذهب الشافعي إلى أنه إذا قرأ الفاتحة تبطل الصلاة. الشافعي يقول: إذا قرأ الفاتحة في الركوع والسجود تبطل صلاته، لأنه حول ركنا إلى مكان آخر. هذا إذا لم يكن سهوا، وأما إذا كان سهوا فلا شيء عليه. وعند الشافعي أنه لا يسجد للسهو، وكذلك الرواية المشهورة عن أحمد. وذهب أحمد إلى أن المشهورة عنه وعن إسحاق أنها لا تبطل الصلاة، إنما يحرم لكن لا تبطل الصلاة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، فهو من أمر الصلاة. قال: ثم ظاهر قوله: «فعظموا فيه الرب» أنها تجزي المرة الواحدة، ويكون بها ممتثلا ما أمر به. وقد أخرج أبو داود من حديث ابن مسعود: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدنى». ورواه الترمذي في السنن. قال أبو داود: فيه إرسال، أي مرسل، هذا الحديث لأن عون بن عبد الله بن عتبة لم يلقَ ابن مسعود، والظاهر أنه لم يدركه. قاله رواه الترمذي في السنن، إلى أنه قال أبو داود في إرساله، وكذا قال البخاري والترمذي. وفي قوله: «ذلك أدنى» ما يدل على أنها لا تجزي المرة الواحدة. الآن مسألة قوله: تعظيم الرب، وقوله في الدعاء أو في السجود الدعاء. ذهب بعضهم إلى وجوب الذكر الذي في الركوع: «سبحان ربي العظيم»، وأيضا «سبحان ربي الأعلى» في السجود، على أنه واجب، وهذا مذهب أحمد وإسحاق. لكن هناك رواية عن أحمد أن المقصود هو تعظيم الرب، وليس المقصود «سبحان ربي العظيم». وذكر الحافظ ابن رجب في فتح الباري أن أصحابهم من الحنابلة قالوا: لابد أن يأتي بـ «سبحان ربي العظيم»، ثم يأتي بالأدعية التي يريدها. وهكذا قالوا في السجود: لابد أن يقول «سبحان ربي الأعلى» أولا، ثم بعد ذلك له أن يأتي بالأذكار. وذهب إسحاق إلى أنه يجزئ أن يأتي بأي شيء من هذه الأذكار التي وردت في الركوع والسجود، وهذا هو الصحيح. وأما جعل «سبحان ربي العظيم» واجبة فهذا لا دليل عليه، فهي جاءت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل غيرها، جاءت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل غيرها. وأيضا مسألة الأذكار في الركوع والسجود فيها خلاف بين أهل العلم. فمنهم من قال: إنها واجبة، وهو قول أحمد وإسحاق. ومنهم من قال: إنها مستحبة، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة. وهناك قول بأنها ركن، نسب ذلك إلى أحمد، وكذلك هو قول الظاهرية، وقال به أيضا بعض الشافعية أو بعض المالكية كمحمد بن نصر. فالصحيح أنها واجبة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، وأيضا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير»، فتدخل ضمن هذا الحديث، فهي من أصل الصلاة، التسبيح من أصول الصلاة، فيقال: إنها واجبة. وكذلك أيضا القول في تكبيرات الانتقال: قول أحمد وإسحاق أنها واجبة. كذلك فلهذا كما قلنا ليس الواجب أنه يأتي بـ «سبحان ربي العظيم» أو «سبحان ربي الأعلى». صحيح أنه لو قال مثلا: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، هذا الدعاء ثبت في الصحيح، في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل قول الله عز وجل: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفر، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول القرآن فيقول في الركوع والسجود: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. فدل على أنه يأتي بـ «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» وغيرها مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «سجد وجهه الذي خلقه، وشق سمعه وبصره». قال: والحديث دليل على مشروعية الدعاء حال السجود بأي دعاء كان، من طلب خير الدنيا والآخرة، والاستعاذة من شره، وأنه محل الإجابة. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأدعية، قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه جل وعلا وهو ساجد، فاجتهدوا في الدعاء». فاجتهدوا في الدعاء. وهنا مسألة أخرى قبل هذا: عند عدد الأذكار أو عدد التسبيح الذي يقال في الركوع والسجود. فعند الشافعي أنها ثلاث مرات، أو أدناه ثلاث مرات، أي أدنى الكمال. وعند أحمد أن أدنى الكمال ثلاث، وأكثره عشر. وفي رواية عن الشافعي أنها ثلاث لا يزيد عليها، خاصة إذا كان إماما. وعند مالك أنه ليس لها عدد معين، مالك يقول: ليس لها عدد معين، إن شاء جعلها ثلاثا أو أربعا أو خمسا. وقد كان عمر رضي الله عنه يسبح خمسا، سمع منه أنه كان يسبح خمسا. فظاهر أن هذه الأحاديث لم تثبت، لم يثبت منها شيء صحيح أنها ثلاث. لكن من قالها ثلاثا أو رأى أنها صحيحة على ما قاله الألباني وغيره على تصحيح الثلاث، لا بأس. لكن قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكثر، خاصة في صلاة الليل، فلذا الصحيح - على ضعف هذه الأدلة - هو قول مالك: أنه لا عدد معين، يسبح إن شاء ثلاثا، وإن شاء أربعا، وإن شاء خمسا. وأما ما جاء في العشر في سنن أبي داود فهو لم يثبت أيضا، فيه رجل مجهول، لم يثبت أنه يسبح إلى عشر. فلذا الصحيح أنه له الخيار: إن شاء ثلاثا، وإن شاء خمسا، أو أكثر، ما لم يشق على الناس. وأيضا في هذا الحديث كما قال المؤلف: فيه مشروعية الدعاء للسجود، أنه مستحب أن يدعو حال السجود، لكن ليس معنى ذلك أنه يدعو ويطول. فالصحيح الذي جاءت به الأدلة أن هذه الأركان كلها متقاربة: الركوع، والسجود، والاعتدال، والجلوس بين السجدتين، كلها متقاربة في الوقت. وقد جاء في حديث البراء بن عازب في الصحيحين: قال: كان ركوع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتداله، وسجوده، وجلوسه بين السجدتين، قريبا من السواء، قريبا من السواء، متقاربة. قد يطيل في السجود ما لا يطيل في غيره، لكن إطالة يسيرة، أما إطالة طويلة مميزة فهذا لم يأت. وبعضهم أيضا تجد أنه إذا كان السجود الأخير يطيل، وبعض الأمة اعتاد أنه بالسجود الأخير يطيل، وهذا أيضا ليس بسنة، لم يأت أن هذا سنة. وأيضا كذلك مسألة أخرى: مسألة الدعاء، الدعاء في السجود، هل يدعو بما ورد، أو أنه له الخيار بأن يدعو بما ورد وما لم ورد؟ فلا شك أن الأفضل أن يدعو بما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هل له أن يدعو من غير الثابت؟ أيضا الصحيح وهو قول الجمهور: أنه يدعو. واستحب أحمد أنه يدعو بما ورد، يدعو بما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أجاز الدعاء بغيره. وما يقول أنه ما يجوز، يجوز، لكن الأفضل عنده الدعاء بما ثبت. وهذا لا شك فيه، لا شك أن الأفضل هو الدعاء بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن دعوته جامعة وشاملة غالبا. لكن إذا احتاج الإنسان إلى دعاء في أمر الدنيا أو كذا، فلا بأس، فلا بأس أن يدعو في محل السجود. والحنفية لا يرون ذلك، وكذلك أتباعهم، بل الحنفية يعتبرونه مبطلا للصلاة، وهذا كلام باطل. قال: وقد بيّن بعض الأدعية ما أفاده. قوله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». متفق عليه. قال: الواو للعطف، والمعطوف عليه ما يفيده ما قبله، والمعطوف يتعلق بحمدك، والمعنى: أنزهك وأتلبس بحمدك. ويحتمل أن تكون للحال، والمراد: أسبحك وأنا متلبس بحمدك. «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك»: أي أنا متلبس بحمدك، أي حال كوني متلبسا به، أنا سبحانك وأنزهك وأنا أحمدك. قال: «اللهم اغفر لي». متفق عليه. الحديث ورد بألفاظ، منها أنها قالت: عائشة: ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أنزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلا يقول: «سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». كلاهما متفق عليه. قالوا: الحديث دليل على أن هذا من أذكار الركوع والسجود، ولا ينافي حديث: «أما الركوع فعظموا فيه الرب»، لأن هذا الذكر زيادة على ذلك التعظيم الذي كان يقوله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجمع بينه وبين هذا، يعني يجمع بين «سبحان ربي العظيم» أو شيء من التعظيم، وبين هذا. لكن أيضا هذا يكون تعظيما كذلك: «سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». فالتسبيح... فالتسبيح تعظيم وتنزيه، التسبيح تنزيه وهو تعظيم، والتنزيه من أعظم التعظيم لله جل وعلا. ولهذا كانت «سبحان الله» بمثابة «لا إله إلا الله»، لأنها نفي لكل نقص في الرب جل وعلا، فهي نوع... فهي أبلغ من «لا إله إلا الله»، لأن «لا إله إلا الله» نفي الشريك، وهذا نفي النقص كله، سوى كان الشريك أو الصاحب أو الولد. وهذا يعتبر باب تعظيم لله جل وعلا، فلذا لو اكتفى بهذا الدعاء يكفي، فهو يعتبر تعظيم. قال: قول: «اللهم اغفر لي»، امتثال لقول تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفر﴾. وفيه مسارعته صلى الله عليه وسلم إلى امتثال ما أمره الله به، قياما بحق العبودية، وتعظيما لشأن الربوبية، زاده الله شرفا وفضلا، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.