الدرس في كتاب الطهارة 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر وأمر بإيقاف ذلك وأكفئت القدور التي تحتوي على لحم الحمر. جاء هذا النهي بعد أن سأل بعض الجائعين النبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كانوا قد أكلوا الحمر.
ذهب الجماهير من الصحابة والتابعين إلى تحريم أكل لحم الحمر الأهلية لثبوت الأحاديث في ذلك، بينما ذهب ابن عباس إلى عدم تحريمها. يُوضح ضعف قول ابن عباس وثبت تحريم أكل لحم الحمر الأهلية بناءً على الأحاديث الصحيحة.
يتناول المقطعان طهارة لعاب الإبل ونجاسة الميتة، واستدل بحديث عمر بن خارجة وآراء العلماء في نجاسة السباع وطهارة ما يؤكل لحمه، كما يبين أن الأصل في سؤر الحيوانات الطهارة وعدم الدليل على نجاسته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الحافظ بن حجر رحمه الله: عن أنس قال: لما كان يوم خيبر، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، إنها رجس. متفق عليه. قال الشارح الصنعاني رحمه الله: عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم خيبر، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم -بتثنية الضمير لله تعالى ولرسوله- وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال للخطيب الذي قال في خطبته: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما... الحديث. بئس خطيب القوم أنت. هذا الحديث الذي سعى المسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع خطيبًا يقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فهنا أنكر عليه قوله: ومن يعصهما، فقال: بئس خطيب القوم أنت. فلجمعه بين الضمير -ضمير الله تعالى وضمير رسوله صلى الله عليه وسلم- قوله: من يعصهما. لكن هنا قال: ينهيانكم، على ثناء الضمير لله ولرسوله. وأيضًا كذلك قد جاء أيضًا في خطبة الحاجة: ومن يعص الله ورسوله، ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. وجاء أيضًا كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: أن يكون الله ورسوله أحب إليهما من سواهما. فلهذا جمع العلماء بين هذا كما ذكر المؤلف. قال: وقد وقع أيضًا في كلامه صلى الله عليه وسلم تثنية بلفظ: أن يكون الله ورسوله أحب إليهما من سواهما. وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم نهى الخطيب لأن مقام الخطابة يقتضي البسطة والإيضاح، فأرشده إلى أنه يأتي بالإسم الظاهر لا بالضمير. لكن يشكل عليه مثل ما ذكرنا أنه جاء في خطبة الحاجة هذا أيضًا، النبي صلى الله عليه وسلم جاء بنفس العبارة. قال: فأرشده إلى أنه يأتي بالإسم الظاهر لا بالضمير، وأنه ليس معنى الإسم الظاهر يقول: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، لا يقول: ومن يعصهما. قال: والثاني أنه صلى الله عليه وسلم له معنى الجمع الثاني، أنه صلى الله عليه وسلم له أن يجمع بين الضميرين، وليس لغيره، لعلمه بحكم ربه وعظمة الله. بعضهم يقول: أنه بحسب القوم الذين يخاطبهم. قال: عن لحوم الحمر الأهلية، قال: فإنها رجس. متفق عليه. الحمر الأهلية معناه الحمار الأهلي، سمي أهليًا معناه ضد الوحشي الذي يعيش خارجًا في الغابات. الأهلي هذا الذي يعيش عند الناس ويألفه الناس، فالأهلي هو الأليف من الحيوان، بخلاف الوحشي الذي يكون في الغابات. ومعنى رجس: فإنها رجس -كسر الراء وسكون الجيم- عن جمع وأرجاس، أي قذر ومحرم. قال: وحديث أنس في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جائع، فقال: أكلت الحمر. ثم جاءه جائع، فقال: أكلت الحمر. ثم جاءه جائع -يعني جاء رجل- فقال: أفنية الحمر، فأمر منادي ينادي أن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الأهلية، فإنها رجس. فأكفئت القدور -القدور معناه التصوّت التي فيها لحم الحمر- وإنها لتفور بالحمر. قال: وأنها يعلَمُ الحمر الأهلية ثابت في حديث علي عليه السلام، وابن عمر، وجابر، وابن أبي أوفى، والبراء، وثعلبة، وأبي هريرة، والعرباض بن سارية، وخالد بن الوليد، وعمر بن شعيب عن أبيه عن جده، والمقدام، وابن عباس. وكلها ثابتة في دواوين الإسلام. ابن عباس معناه كان يتأول هذا التحريم، يقول: أنها إنما حرمت لأجل الجلة التي تأكل العذرة. لكن الصحيح أن تحريمها عام، ولهذا ذهب جماهير العلم على عدم جواز أكل الحمر الأهلية، أكل لحم الحمر الأهلية، وأنها رجس لا تجوز. ولهذا أكفئت القدور وصب ورمي ما فيها من اللحم، فلو كان حلالًا لما رمي. فلهذا لم يؤخذ قول ابن عباس في هذه المسألة، وثبت واستقر كلام العلماء على أنه لا يجوز أكل الحمر الأهلية، لا يجوز أكل لحم الحمر الأهلية. قال: وهي دالة على تحريم أكل لحم الحمر الأهلية، وتحريمه هو قول الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لهذه الأدلة. وذهب ابن عباس إلى عدم تحريم الحمر الأهلية. وفي البخاري عنه: لا أدري أنها حرمت من أجل أنها كانت حمولة الناس أو حرمت. قالوا: لا يخفى ضعف هذا القول، لأن الأصل في النهي التحريم وإن جهلنا علته. قال: واستدل ابن عباس بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا... وهذا قبل تحريم المحرمات. قال: فإنه تلاها جوابًا لمن سأله عن تحريمها. ولحديث أبي داود أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن أبجر، فقال: يا رسول الله، أصابتنا سنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية. فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية -جوال القرية أي الذي يجول-. لكن هذا الحديث لا يصح، فإسناده فيه ضعف، وكذلك فيه اضطراب، فهو لا يقاوم الأحاديث التي جاءت في تحريم لحوم الحمر الأهلية. قال: ووجيب -أي عن هذا- الآية والحديث بأن الآية خصت عمومها، خصت عمومها الأحاديث الصحيحة المتقدمة أن الآية عامة: قل لا أجد في موحى إلي محرم على طعيم يطعم. لكن جاءت الأحاديث وخصت هذا العموم. قالوا: بأن حديث أبي داود مضطرب مختلف فيه اختلافًا كثيرًا، وإن صح حمل على الأكل منها عند الضرورة، كما دل عليه: أصابتنا سنة -سنة معناه جوع أي شدة وعاجة-. قال: وذكر المصنف لهذين الحديثين في باب النجاسات وتعدادها، مبني على أن التحريم من لازمه التنجيس، وهو قول الأكثر، وفيه خلاف. أنا لماذا ذكر الحافظ هنا هذا الحديث في باب النجاسات وهو الآن في تحريم الأكل؟ لكن لماذا ذكره في باب النجاسات؟ قال: لأن بنى كثير من أهل العلم على أن لازم التحريم النجاسة -لازم التحريم النجاسة- قالوا: الحق أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلزم النجاسة، فإن الحشيشة محرمة طاهرة، وكذا المخدرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها. وأما النجاسة فلا يلزمها التحريم، فكل نجس محرم لعكس. وهذا قول كثير من العلماء، وهي رواية عن أحمد، وهو قول الشافعية: أن الحمار ليس بنجس -أي قصده ليس بنجس بدنه- شعره إذا مسه الإنسان ما ينجس، سواء كان يابسًا أو مبللًا أو غيره. بخلاف مثلًا عند الشافعية الكلب عندهم نجس حتى شعره. وهنا الحمار قالوا: لا ينجس. لكن ينجس لحمه، ينجس لحم وبوله وعذرته -هكذا يقولون عن الروثة- أما لحمه فينجس لأنه ميت، لأن لحمه يكون ميتًا سواء كان ذكيًا أو لم يذك، سواء كان ذبح أو لم يذبح لا يطهر، فهو ميت يكون نجسًا. قال: فإذا عرفت هذا فتحريم الحمر والخمر الذي دلت عليه النصوص لا يلزم منه نجاستهما، بل لا بد من دليل آخر عليه، وإلا بقينا على الأصل المتفق عليه من الطهارة. فمن ادعى خلافه فالدليل عليه. ولذا نقول: لا حاجة إلى إتيان المصنف بحديث عمر بن خارجة الآتي قريبًا مستدلًا به على طهارة لعاب الراحلة، لأن هذا ولو لم يرد فلعاب الراحلة -أي الإبل- طاهر. قال: وقد قال أكثر العلماء: أن كل ما أكل لحمه فهو طاهر، وكل ما أكل لحمه فهو طاهر لعابه وبوله وروثه وأيضًا عذرته، فأعتبر طاهرًا عن الإبل والبقر والغنم وما كان مثلها. وأما ما لا يؤكل اللحم فذهب جماعة من العلماء وقال الجمهور أنها نجسة كالسباع أرواثها وأبوالها وسؤرها، يقولون أنها نجسة. واستدلوا بحديث ابن عمر لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لم يذكر أن السباع ليست نجسة، لكن هذا ليس صحيحًا. حتى الدواب لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ليست نجسة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى جوابًا عامًا، وجواب يقطع كل ما يكون فيه شك في هذا الباب، فقال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. فلهذا لا دليل في الحديث على نجاسة سؤر السباع. قال: وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَلَوْلَا أَنَّهُ وَرَدَ دَبَاغُ الْأَدِيمِ طَهُورَهُ... وقد غلط الشوكاني رحمه الله فحكى في الميتة خلاف، حكى في الميتة خلاف في نجاستها، وهذا ليس صحيحًا، لم يخالف أحد في الميتة أنها نجسة، حتى الظاهرية يقولون أنها نجسة. قال: وعن عمر بن خارجة رضي الله عنه قال: خطبنا النبي عليه الصلاة والسلام بمنى وهو على راحلته، ولعابها يسيل على كتفي. أخرجه أحمد والترمذي، صححه. وهذا الحديث صحيح لعمر بن خارجة، رواه أحمد وأهل السنن، وإن كان فيه شهر بن حوشب، إلا أن الحديث له شواهد قد صححه الشيخ الألباني بهذه الشواهد. قال: وعن عمر بن خارجة -هو صحابي أنصاري أعداده في أهل الشام، وكان حليفًا لأبي سفيان بن حرب، وهو الذي روى عنه عبد الرحمن بن غنم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث. قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وهو على راحلته -أي بالحاء المهملة وهي من الإبل الصالحة لأن ترحل أن تكون رحلًا يوضع فيها الرحل حتى يركب عليه- قال: ولعابها -بضم اللام فعين المهملة وبعد الألف موحدة- وهو ما سال من الفم. قال: يسيل على كتفي. أخرجه أحمد والترمذي، صححه. قال: والحديث دليل على أن اللعاب ما يؤكل لحمه طاهر، قيل: وهو إجماع، وهو أيضًا الأصل لأن الأصل في الأشياء الطهارة. فذكر الحديث بيان للأصل، هذا مبني على أنه صلى الله عليه وسلم علم سيلان اللعاب عليه ليكون تقريرًا. أنا هذا أخذ الحكم بالتقرير أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر بن خارجة. وكما قلنا الأصل في هذا أنها طاهرة، وهذا لا خلاف فيه. ولهذا إنما اختلفوا كما قلنا في سؤر غير ما يؤكل اللحم، في سؤر غير ما يؤكل اللحم، والصحيح أيضًا أنه طاهر لعدم الدليل على النجاسة.