الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 47، الدرس السابع والأربعون : (والذبح والنذر وغير ذلك ... شرك وذاك أقبح المناهي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الذبح لغير الله تعالى يعتبر شركًا، سواء كان شركًا في الاستعانة أو في القصد، وهو محرم. يجب إخلاص العبادة لله وحده.
النذر عبادة لا يجوز صرفها إلا لله وحده، ونذر غير الله لا ينعقد. ابتداء النذر وعقده غير محبب لله لأنه إثقال على النفس.
المقطع يحذر من الشرك في العبادة والمحبة، ويؤكد أن المحبة الصحيحة لله وحده. صرف العبادة لغير الله شرك يجب التوبة منه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، قال الملف رحمه الله تعالى: كَذِبَ غَازِيَة بِهِ سُبْحَانَهُ وَالذَّبْحُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَافْهَمْهُ. ديث أوضح المسالك يقول: كذلك من العبادة الذبح والنذر. وأما الدليل على أن الذبح من العبادة، قول الله جل وعلا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. فقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فيه الأمر بإخلاص الصلاة له، فكذلك النحر. فكما أن الصلاة لله جل وعلا وحده، فكذلك النحر -وهو الذبح- يكون لله جل وعلا وحده. وهكذا كذلك قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ فيه أن النسك من العبادة، فهو يصرف لله جل وعلا وحده. لأن الله جل وعلا أمر نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله جل وعلا وحده. وهكذا كذلك في صحيح مسلم عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ». لعن الله من ذبح لغير الله. فالذبح من العبادة التي لا يجوز أن تصرف لغير الله جل وعلا. فإذا علمنا ذلك، فليعلم أن ما كان من ذبح لغير الله جل وعلا فهو من الشرك. وقد يكون هذا الشرك شركًا في الاستعانة، وقد يكون شركًا في القصد. فمثال الشرك في الاستعانة: أن يقول أثناء ذبحه -بدلًا من بسم الله- يقول مثلًا: باسم المسيح، أو باسم الله والعزاء، أو باسم العيد الروس والمحضار ونحوه. فهذا شرك وكفر. فإذا كان هذا في حق شرك الاستعانة، فإن شرك القصد أعظم وأشد. شرك القصد أعظم وأشد. ولهذا صح عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه ذكر هذا المعنى، وهو أن شرك القصد أعظم من شرك الوافدة والسبب والتوسل. فربما يظن بعض الناس أن قول القائل: باسم المسيح في ذبحه شرك وكفر، بينما لو قال: باسم الله، وجعل ذبيحته لغير الله، فإنه ربما يلتبس عليه ويظن أن ذلك لا ينافي عبادة الله جل وعلا. وفي الحقيقة أن الشرك في القصد أعظم من النوع الأول من الشرك، وهو ما كان في شرك الاشتعانة، ما كان في شرك الاشتعانة والسبب ونحوه. فإذا علم ذلك، فليعلم أن ما يفعله الكثير من الناس اليوم -ممن يذبحون لبعض القبور والقباب- أنواع الذبائح، أو يذبحون كذلك دفعًا للعين ودخول الجن، كما يفعل عند افتتاح بعض البيوت الجديدة، أو كذلك ما يذبح كذلك دفعًا للشؤم من بعض البقاع إذا تكرر فيها الحوادث أو القتل. فربما ذبح الذبائح، قيل: أنها للجن، حتى لا تحصل الحوادث في هذا الشارع أو في هذا البلد أو في هذا المكان، أو للبيت الجديد والمبنى الجديد حتى لا يدخله الجان. تذبح ذبائح للجن، أو ما شابه ذلك. تذبح لبعض الأصنام والقبور. ثم يزعمون أنهم قالوا: بسم الله. وما علموا أن الشرك قد يكون شركًا في الاستعانة بذكر اللفظ، كما سبق، أو شركًا في القصد، وهذا أعظم. فإن من توجه بدبيحته لغير الله، شركه أعظم من شرك من استعان بغير الله. وكله شرك. وبه يلبس بعض الملبسين من أهل الباطل على عامة الناس. فإذا قالوا لهم: قالوا لنا أن هذا شرك. أجاب بعض رؤوس الباطل من القبوريين وغيرهم، فيقولون لهؤلاء العامة: ألستم تقولون: بسم الله؟ ألستم تقولون: اللهم هذا منك وإليك؟ حبما زادوا هذا. وفي الحقيقة لو تلفظوا بهذا اللفظ، وكان قصدهم غير ذلك، العبرة بالنية، ليس بما تلفظوا به. بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ، إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». فهم نووه ليس لله، نووه للقبر وللقبة وللزيارة، ونووه إرضاء للجن، وهكذا من تلك النيات التي تنافي العبادة لله عز وجل والتوحيد. ولذلك صارت شركًا. وهل ذبائح المشركين إلا كانت من جنس هذه الذبائح؟ فقصة الرجل الذي نذر أن ينحر إبلًا ببوانه تدل على بعض صفات ذبائح المشركين. كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يمنعه، وسأل عليه الصلاة والسلام: «هَلْ فِيهِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قالوا: لا. قال: «هَلْ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قالوا: لا. قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». الشاهد: لو كان هناك وثن من أوثان الجاهلية يعبد، ما جاز أن يذبح ذبيحته التي أراد بها وجه الله ونذرًا لله في ذات المكان. منع. وما حل ذلك. فكيف بمن يذبح بذات الوثن الذي يزار ويعبد ويسأل من دون الله عز وجل؟ ومع الله هذا يطلب الولد، وذاك يطلب الشفاء، وذاك يطلب الرزق، وذاك يطلب التوفيق، وغير ذلك. لو قال مئة مرة: اللهم هذا منك وإليك، وهو يقصد ذلك. ما يقصده الباذلون بهذه الأوثان التي تعبد من دون الله، ما كان إلا شركًا. ما كان إلا شركًا. فهو ما ذبح هذه الذبيحة في هذا المكان، وتعنى وخرج من بيته، وربما سافر، إلا وهو يطمع في حصول مطلوب وخير، أو دفع مكروه وشر، يظنه عند هذا الذي ذبح عنده وله. وهذه هي العبادة. كونه على ذلك مع المحبة والتعظيم والخضوع والذل لهذا الذي نواها له، هذه هي العبادة في عينها. فينبغي أن يبين مثل هذا المعنى، حتى لا يلتبس على الجهال، وعلى بعض من يلبس عليهم مثل تلك الشبه التي سمعناها. وقوله رحمه الله: «وَالنَّذْرُ كَذَلِكَ». النذر من العبادة التي لا يجوز أن تصرف إلا لله عز وجل وحده. فإن الله عز وجل أثنى في النذر على الموفين به. فعلم أنه مما يحبه -أي يحب الوفاء به- يحب الوفاء به. فدل ذلك على أنه من العبادة. فالعبادة اسم جامع لكل ما يحب الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. كما قال سبحانه في حق النذر: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. ويقول: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾. وهكذا يقول سبحانه وتعالى كذلك: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. يعني يعلم الصادق من الكاذب، وكذلك أحوال الناس بهذه النذور. وفي حديث عائشة في البخاري وغيره، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ». فعلم أن الوفاء بالنذر مما يحبه الله. وهنا أمر ينتبه له، وهو أن الوفاء بالنذر يحبه الله، وأما ابتداء النذر وعقد النذر، فهو مما لا يحبه الله، لأنه فيه إثقال على النفس، وإلزامها بما لم يلزمها الله عز وجل به. هذا في قول جماعة من أهل العلم، لما جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر. وذهب بعض أهل العلم أن المنهي عنه إنما هو النذر المشروط، كأن يقول: إن شفيت مريضي، يقول: الله علي إن شفى مريضي أن أصوم كذا وكذا، أو أتصدق بكذا، أو أصلي كذا. فهذا النوع من النذر المشروط اتفق أهل العلم على أنه مكروه، بل ذهب بعض أهل العلم إلى أنه محرم، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كثير من الحديث: ابن عمر وغيره: النهي عن النذر، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج من البخيل. وإنما يستخرج من البخيل. يعني البخيل هو الذي يعامل الله جل وعلا بالمقايضة: أعطني أعطك. وهذا سوء أدب مع الله عز وجل. فإن قال قائل: كيف يسمع من يريد أن يؤدي طاعة شكرًا لله عز وجل، وفرحة لحصول ما يحب؟ الجواب: أنه يجعل ذلك غير شرط. لا يقول: إن شف الله مريضي فلله علي أن أصوم كذا وكذا. لكن إن شف الله عز وجل مريضه، فهو يتصدق أو يصوم أو يفعل ما يطيق شكرًا لله عز وجل على ما أنعم عليه. فإن الشكر يكون باللسان بالثناء، ويكون بالجوارح. ومن ذلك هذا ما تيسر من العبادات شكرًا لله عز وجل. كما قال سبحانه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾. وقليل من عبادي الشكور. فإذا علمنا ذلك أن النذر من العبادة، فلا يجوز أن ينذر لغير الله عز وجل. وما كان من نذر لغير الله، فإنه لا ينعقد. كما قال شيخ الإسلام: هو مثل الحلف بغير الله شرك. من حلف بغير الله فقد أشرك. فإذا وقع ذلك، فإنه لا ينعقد، ولا تلزم كفارة، ولكن تلزم التوبة. تلزم التوبة. وهكذا كذلك النذر من نذر أرضًا أو مالًا لقبة من القباب، وضريح من الأضرحة التي تعبد من دون الله عز وجل، هو مثل من ينذر للأصنام والأوثان. فلا ينعقد، ويكون شركًا، ويجب عليه التوبة منه. فإذا لم ينعقد، جاز لورثة هذا النذر الذي جعل هذا النذر، جاز لهم أن يتصرفوا فيه بما شاءوا، ولو خافوا وخشيوا على أنفسهم من فتنة العامة فيهم، لأنهم يأكلون الأوقاف أو غير ذلك. فيحولوه إلى موضع آخر أمسع مما يحبه الله ويرضاه، كأربط علم، أو كذلك مساجد، سنة، أو نحو ذلك. وهكذا كذلك ينبغي في هذا المقام أن ينبه على بعض ما يفعله العامة من النذر بإيقاف بعض الأوقاف على بعض الأمور المبتدعة من الموالد ونحوها. فهو مما لا ينعقد. هذا النذر لا ينعقد. من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. ما ينعقد، ولا يتم. فيقال فيه بمثل ما سبق. بمثل ما سبق. وأما إذا كان النذر ينعقد، فلم يستطع الوفاء به، فكفارته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: كفارة يمين. هذا إذا كان في شيء مباح ومشروع، أو مستحب. فلم ينعقد عليه، أو انتقل إلى ما هو أفضل منه. ثم قال رحمه الله: «وغير ذلك». ليبين أن ما يدخل في معنى العبادة لا ينحصر بما ذكره رحمه الله، بل له أمثال كثيرة. فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة من العبادة. فالحب من العبادة، أي إذا كان معه المحبة والتعظيم والخضوع والذل، فينبغي أن يكون لله عز وجل خالصًا. فليس شيء أحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى. فهذا الحب حب القرب والذل والمحبة والتعظيم لله عز وجل وحده. فإذا صرف لغير الله، صار شركًا. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. فقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ هذا هو الشرك. شرك المحبة. فهم جعلوا لهم في قلوبهم محبة تنافي المحبة التي يجب أن تكون لله عز وجل وحده. فهي تزاحم محبة الله. هذا إن كان عندهم محبة لله، فإلا فقد تنفرث المحبة من المحبة لله إلى المحبة لغير الله. وهذا هو الشرك. وهذا هو الشرك. فينبغي الإنسان أن يحذر منه، أن يحذر من المحبة التي تضيع عليه دينه وإيمانه. فلينبغ أن تكون محبة لله عز وجل وحده. ومنه هذا الذي يفعله عباد القبور، يدخلون عشق من يعبدونهم من دون الله، بالتعلق بصورهم، والتعلق كذلك بقبورهم، حتى تتعلق القلوب حبًا وتعظيمًا وخضوعًا وذلًا وإجلالًا لهذا الذي يعبد من دون الله عز وجل. وهذا هو الشرك والعياذ بالله. هذا هو الشرك. ويؤكده ما يفعلونه من طلب خير أو دفع شر من هؤلاء المعظمين حبًا والمخضوع لهم ذلًا. فهذا يزيد تأكيدًا أن هذه المحبة محبة شركية تنافي ما أمر الله عز وجل من محبته وحده. وهكذا أعمال أخرى مما هي في اللسان، ومما هي كذلك في الجوارح، أو في القلب، ينبغي أن تصرف لله عز وجل. قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: «فَافْهَمْ هَدِيتَ، تَوضِحُ الْمِثَال». يعني: انتبه لهذا الذي ذكر، واحذر من وقوع الشرك فيها، واحرص على إكمال التوحيد والعبادة لله عز وجل فيها على أكمل وجوه. وهكذا كذلك احذر من المشابهة التي تنافي الإخلاص فيها. فكل ذلك يدخل في معنى فهم الذي ينبغي أن يكون فيه أداء ما علمت على أكمل الوجوه. وقوله: «ديت أوضح المثال» يعني من العلم والعمل. وما كان بمعنى. ثم قال رحمه الله تعالى: «وَصَرْفُ بَعْضِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ، وَذَاتُ أَقْرَبُ الْمَنَاهِي». صرف بعضها لغير الله شرك. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله: «وَذَاتُ أَقْرَبُ الْمَنَاهِي». لأن الشرك أعظم ما يبغضه الله عز وجل. كما جاء في حديث معاذ وغيره: «فَإِنَّهُ أَعْظَمُ الذَّنْبِ وَأَبْغَضُهُ وَأَقْبَحُهُ». ولهذا قدم في مواضع كثيرة في التحذير منه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. وهكذا غير ذلك كثير. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.