الحرص على الآخرة

المحاضرة بعنوان الحرص على الآخرة، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

الحرص على الآخرة وتصحيح العقيدة والإخلاص في العبادة

يؤكد الشيخ على وجوب استشعار المسلم لقاء الله ومحاسبته لنفسه قبل الحساب، مبيناً أن الغاية من الخلق هي عبادة الله وحده لا شريك له. ويوضح أن سعادة الدارين لا تتحقق إلا بتصحيح التوحيد وإخلاص العمل لله، محذراً من الغفلة والشهوات التي تبعد عن طاعة الله.

خطر الشرك ووجوب التمسك بالكتاب والسنة

يحذر المقطع من الشرك بأنواعه كذبح غير الله والنذر للأضرحة ودعوة الأموات، مبيناً أن ذلك يحبط الأعمال ويخالف توحيد الله. ويؤكد أن النجاة تكمن في إخلاص العبادة لله وحده، والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين، محذراً من البدع ومحدثات الأمور.

دعاء الختام والثناء على الله

يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيذهم من الفتن الظاهرة والباطنة. ويختتم بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الحرص على الآخرة، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنعم عباد الله، الواجب على المسلم أن يعلم أن له موعدا مع الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل سائله عن دينه، وسائله عن ماله، وسائله عن أهله وولده، وسائله عن علمه، سائله عن حياته كلها. لهذا تجدون عباد الله التذكير والوعظ في أمور شتى، وفي أشياء مختلفة ومتعددة، لأن الإنسان لا يزال في مكابدة، ولا يزال في معالجة، ولا يزال في مجاهدة لنفسه حتى يتوفاه الله تبارك وتعالى. فإن الذي بصره الله عز وجل بالحق، وشرح صدره للهدى، وعرف الموعد واللقاء مع الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل ما أوجدنا في هذه الدنيا للأكل والشرب والزواج والنكاح، وللتمتع بالشهوات والملذات وإكمال هذه الأشياء، وإنما أوجدنا الله تبارك وتعالى لحكمة عظيمة وغاية جليلة، ألا وهي القيام بعبادة الله تبارك وتعالى. ولا شك أن التقصير حاصل فينا، وأن الغفلة والتفريط أيضا صادرة منا، فيحتاج المسلم أن يراجع نفسه، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله تبارك وتعالى، وأن يتوب إلى الله عز وجل آناء الليل وآناء النهار. نعم عباد الله، فنحن في أمس الحاجة إلى أن نستغفر من ذنوبنا الكثيرة، والله سبحانه وتعالى يقول كما في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم». ما أكثر الزلل والخطأ، وما أكثر الذنب والتقصير عباد الله! فالعاقل والموفق، والموفق هو من وفقه الله سبحانه وتعالى للتمسك بدينه، واستغلال حياته، واغتنام أوقاته فيما يعود عليه بالنفع. الحياة الدنيا كما أخبرنا الله عز وجل عنها في كتابه الكريم: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. إذا كان هذا شأن هذه الحياة الدنيا، وهذه الدار الفانية، فعلى المسلم أن يحرص على عمارة آخرته، وأن يحرص على السعادة في تلك الحياة الباقية والحياة المستمرة، ألا وهي حياة الآخرة. وهذا لا يتأتى عباد الله بالحماسات، ولا بالأماني، ولا بالعواطف، ولا بتسويل الشيطان وتزيين الشيطان. وإنما من أراد أن يفوز غدا، وأن يسعد غدا، أن يسعد في هذه الدنيا، يشغل حياته فيما يقربه إلى الله تبارك وتعالى، يستقيم على طاعة الله، ويعمل بأوامر الله، ويفرح بنعمة الله ورحمة الله سبحانه وتعالى، يفرح بنعمة الإسلام والسنة، ويعلم أن نعم الله عز وجل عليه كثيرة وعديدة لا تحتقر ولا تستصغر، ولكن أعظم هذه النعم وأجل هذه النعم نعمة الإسلام. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، و﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. هذا الدين الذي لا يقبل الله سواه، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. نعم عباد الله، فأنت تفرح بالعلم النافع والهدى والعمل الصالح، أنت تفرح إذ وفقك الله سبحانه وتعالى لسلوك دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنت تفرح إذا أعانك الله على أداء الطاعة واجتناب المعصية. فهذا هو الواجب علينا عباد الله: أننا نقوم بديننا، وأننا نشكر ربنا سبحانه وتعالى، وأننا نسأله العون على حسن العاقبة. نعم عباد الله، فإن ناسا يتخبطون في هذه الدنيا في أنواع من اللهو والغفلة والشهوات، مع أن لهم موعدا مع الله سبحانه وتعالى، مع أن الله أمرهم بالتبصر في دينهم والتمسك به والثبات عليه حتى الممات، مع أن الله سبحانه وتعالى سائلهم عن دينهم، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، وكما قال الله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وكما قال الله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. أنت مسؤول يوم القيامة عن دينك. وأعظم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها المسلم أن يصحح عقيدته، وأن يحرص على أن يكون على عقيدة التوحيد الخالص. نعم عباد الله، لا يهتم المسلم بأمور، وإن كانت من الأركان والواجبات، لكنها لا تنفع ولا تثمر ولا تقبل حتى يقوم الأصل الأصيل، حتى يقوم الأساس. أنت إذا بنيت بيتا تحرص على تقوية أساس البيت، أو الحوش، أو الجدار، أو السور، سور المزرعة، كل واحد يحرص على تقوية الأساس. فهكذا أساس الدين والملة، ومفتاح القبول العناية بتوحيد الله تبارك وتعالى، كما سمعتم في الآية الكريمة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. نعم، الله خلقك لهذه الحكمة الجليلة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. خلقك للعبادة، وسائلك عن هذه العبادة: هل قمت بعبادة الله؟ هل أطعت الله؟ هل أطعت رسوله عليه الصلاة والسلام؟ هل أخلصت دينك لربك سبحانه وتعالى؟ نعم عباد الله، فالواجب علينا إذا أردنا السلامة غدا والفوز غدا أن نعتني بما أمرنا الله عز وجل بالعناية به، أن نحرص على إقامة العبادة التي هي جميع الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. من العبادة أعمال القلوب كالمحبة والخشية والرجاء والاستعانة والتوكل، وهكذا من العبادة أعمال الجوارح كالصلاة والصوم والحج والركوع والسجود والذبح والنذر والتحرك إلى الطاعات. وهكذا من العبادة أن تحرك لسانك بالتسبيح والتحميد والتهليل وتلاوة القرآن وتعلم العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه من العبادة التي ينبغي أن نعتني بها، والتي ينبغي أن نجعلها لله عز وجل خالصة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. نعم عباد الله، وهكذا يقول الله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فالله تبارك وتعالى لا يقبل من العبد العمل حتى يكون خالصا لوجهه، لا يجعل الإنسان شيئا من عباداته لله وشيئا من عباداته مشتركة لله ولغير الله. فمن الناس من يصلي لله، ومن يصوم لله، ومن يحج لله، ومن يمشي إلى المسجد لله، ومن يتصدق لله. ولكن هناك من العبادات ما يجعلها لله ولغير الله سبحانه وتعالى: يذهب يذبح لغير الله عز وجل، يذبح للولي أو للقبر، أو ينذر لهذا الضريح أو لهذه القبة. وهكذا يذهب إلى أناس قد صاروا عظاما ورفاتا وترابا، فيطلب منهم الحاجات، ويدعوهم من دون الله سبحانه وتعالى، بطلب الولد أو الرزق أو الشفاء والعافية، بدفع أذى الأعداء إلى غير ذلك، مع أن الله سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه الكريم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، وكما قال الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وكما قال الله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. نعم عباد الله، هؤلاء ما عرفوا دينهم، وما عرفوا حقيقة ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أرسله إلى أناس في غاية من الجهل، في غاية من العمى، في غاية من السقوط، في غاية من الغفلة والبعد، فاستنارت القلوب بدعوة الحق، وزكت النفوس، واستقامت الجوارح، وحصلت الألفة، وحصلت القوة والعزة بسبب رجوع هؤلاء وتمسك هؤلاء، واستنارت هؤلاء بنور الله المبين: ﴿الِفْ لَمْ رَاءَ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. نعم عباد الله، هذا نور، هذا نور، من استنار به نور الله عز وجل عليه قلبه، ونور عليه في قبره، والسنارة، السنارة الظلمات يوم بعثه ونشوره. وكما قال الإمام مالك وتبعه غيره: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. بأي شيء صلحت الأمة في أولها عباد الله؟ كانوا في فواحش، وكانوا في شركيات، وكانوا في شعوذة وكهانة، وكانوا في قطيعة للأرحام، وكانوا في ظلم، وكانوا في قتل ونهب، وكانوا في سفة بالغ، كما قال الله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. كان الواحد منهم يسافر سفرا فيأخذ أربعة من الحجار، يجعل ثلاثة تحت القدر، والرابع ينصبه صنما يعبده من دون الله سبحانه وتعالى. من أين أخذ هذا المألوه وهذا المعبود؟ أخذه على الطريق وهو ماشي في سفر، أخذه من الأرض، التقط هذه الحجرة، وما هو إلا لحظات، ما هي إلا لحظات، وإذا هو يتوجه ويرجو ويضعف ويذل ويخضع لهذه الحجرة التي التقطها من الأرض. وأحدهم يتخذ له صنما من تمر، فإذا جاع أكله. ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. هل هناك سفة أعظم من هذه السفة؟ هل هناك ضلال أعظم من هذا الضلال؟ أن يأتي إلى شجرة أنبتها الله وخلقها الله فيتبرك ويبكي ويطلب الحاجات والمدد والولد، أن يأتي إلى حجرة، أن يأتي إلى عبد ضعيف مخلوق عاجز لا يملك لنفسه قليلا ولا كثيرا، فيطلب منه الأشياء التي لا تطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. قال الله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. فأنقذهم ربنا تبارك وتعالى ببعثة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كانت لهم آلهة متعددة، فتوجهوا إلى الله، صلوا لله، وصاموا لله، وحجوا لله، وبذلوا وأنفقوا لله، ذبحوا لله، ونذروا لله، وعلقوا قلوبهم بالله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. والله يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. فالصلاة لله، والذبح لله، والنذر لله، والدعاء في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا يكون إلا لله، والرجاء في أمور لا تكون إلا من الله لا يكون الرجاء إلا في الله سبحانه وتعالى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. ويقول الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فهكذا ينبغي على المسلم إخواني في الله أن يعتني بدينه، هذا الدين الذي سيسأل عنه في القبر. ما الذي يسأل عنه المسلم؟ يسأل عن دينه، وعن نبيه، وعن ربه سبحانه وتعالى: «من ربك؟ ما دينك؟ من هذا الذي بعث فيكم؟». أما العبد الموحد الذي أطاع الله ووحد الله سبحانه وتعالى فيلقن الجواب، ليس بالذكاء عباد الله، وليس بدراسة في الكليات أو في المعاهد، إنما كما قال الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. الموفق يجيب بتوفيق الله، ليس بالسعادة بمراجعة يراجع، لكن لأنه أطاع الله وثبت على الحق فيوفق، فيوفق، يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فيفتح له فتح إلى الجنة، فيأتي من روحها ونعيمها، فيقول: يا رب أقم الساعة، يريد أن يرجع إلى أهله وماله إذا رأى هذا النعيم. أما الذي أعرض عن دينه، لم يتعلم الدين، ولم يهتم بالدين، ولم يحرص عليه، يسأل عن هذه الأسئلة: هاه، هاه، لا أدري. فيفتح له شيء إلى النار، فيأتي من سمومها وحرها، فيقول: يا رب لا تقم الساعة. فاحرص يا عبد الله على النجاة في الدنيا والسلامة، وعلى النجاة والسلامة والثبات في قبرك، وعلى الفوز والسعادة يوم بعثك ونشورك. وهذا لا يتأتى عباد الله إلا بالاستعداد بالعمل الصالح: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. الجنة تحتاج إلى أعمال، تحتاج إلى مسارعة ومسابقة، تحتاج إلى مكابدة. واعلموا أن الأعمال لا تقبل إلا بإخلاص الدين لله سبحانه وتعالى. من الناس من يبني المساجد، ويحفر الآبار، ويكفل الفقراء واليتامى والمساكين، ويسارع في مشاريع الخير، وتجده صائما في نهاره، قائما في ليله، مخبتا باكيا، لكن للأسف لم يوفق لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، دعوة الرسول، دعوة التوحيد، دعوة الرسول اتباع ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي هي إخلاص العبادة لله عز وجل، إفراد الله بالعبادة. أمر نبينا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. ونحن أمرنا باتباع ملة إبراهيم: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. ما هي ملة إبراهيم؟ إفراد الله بالعبادة، والبراءة من كل معبود سوى الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وكما قال الله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. كل ما يعبد من دون الله، فهؤلاء الذين يأتون إلى الأضرحة والقباب والمشاهد، يتعلقون بأصحابها، تسيل الدموع، وترتجف القلوب، وتخضع أيضا الرؤوس، ويلتفت إلى هؤلاء المدفونين، ويطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. هؤلاء ما أخلصوا التوحيد لله، وما أخلصوا دينهم لله عز وجل. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ذكر الله الأنبياء ثم قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. تهديد ووعيد يخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يقرأ القرآن المقصود هو نحن عباد الله، وإلا فالأنبياء معصومون من أن يقعوا في الشرك. فاحذر يا عبد الله، احذر أن تعمل، وأن تكل، وأن تتعب، وأن تتهجد، ثم تكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. الله غني عنا، أمرنا بطاعته وأمرنا بعبادته، وهو غني عن عباداتنا، وهو غني سبحانه وتعالى عن بذلنا وإنفاقنا، وهو غني عن صلاتنا وصيامنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وكما قال الله في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته هو وشركه». فاحرصوا عباد الله على إخلاص الدين لله، أن تكون العبادة لله وحده لا شريك له. نعاهد ربنا سبحانه وتعالى في جميع صلواتنا، فنقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. يا ربنا لا نعبد إلا إياك، ويا ربنا لا نستعين إلا بك. ثم يخرج من المسجد، في بعض المساجد التي حولها قباب وقبور وأضرحة، يقرأ في صلاته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ويرجع إلى هذا المدفون وهذا المقبور، ويناديه، ويناديه، ويسأله من دون الله سبحانه وتعالى. هل هذا عرف معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟ هو يخاطب الولي، أو يخاطب ربه سبحانه وتعالى؟ من يخاطب بقول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟ يخص ربه سبحانه وتعالى بالعبادة والاستعانة، ثم يرجع ويذبح وينذر ويطوف، ويتعلق قلبه، ويعتقد أن هناك من يتصرف في الكون، وأن هناك من يجلب الخير ويدفع الشر غير الله سبحانه وتعالى. فهذا مناقض لكتاب الله، وهذا مخالف لدعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فاحرصوا عباد الله على تعلم التوحيد، وعلى نشر وبث التوحيد في المجتمع، وهذا لا يتأتى إلا بطلب العلم بالجد والاجتهاد. فالعلم بالتعلم، العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه. فإذا رأيت المسلم حريصا على دينه، حريصا على توحيده، حريصا على عقيدته، حريصا على عباداته أن تكون مقبولة وسليمة وصحيحة، فاعلم أنه ممن أراد الله عز وجل به خيرا. ﴿مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ﴾. يسأل عن أمور دقيقة وجليلة، يسأل عن أمور كبيرة أو صغيرة. إذا رأيت المسلم أو رأيت المسلمة حريصا: ما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف صلى؟ كيف صام؟ كيف حج؟ ما هو حكم الشرع في كذا وكذا؟ هل فعل هذا رسول الله؟ هل كان على هذا أصحاب رسول الله؟ فهذا المسلم هو الموفق عباد الله. كثرت الفتن والاختلافات والمذاهب والآراء والطرق، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين، بلغ البلاغ المبين، قضى حياته كلها، وبذل كل ما يستطيع في سبيل تبليغ دين الله. ما من أمر يقود إلى جنة إلا ودل عليه، وما من أمر يقود إلى النار إلا وحذر منه. وهذا شأن الأنبياء أنهم يبلغون، وأنهم ينبهون الناس. فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين. فالدين كامل، والدين قد بلغه النبي صلى الله عليه وسلم، فما عليك يا مسلم يا عبد الله إلا أن تسأل عن دينك. لن تسأل عن شيء من أمور الدين إلا وبإذن الله سبحانه وتعالى تجد الجواب الشافي من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بلغ البلاغ المبين، وحذر الأمة من هذه الضلالات وهذه الانحرافات. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد. فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا». الآن في جانب السياسة اختلافات وآراء وطروحات، في جانب العبادة كل له طريق، وكل له يعني مسلك يسلكه في جوانب متعددة، ما من مسألة تطرح إلا وفيها الاختلافات. «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا». صدق النبي صلى الله عليه وسلم. لكن ما هو الحل؟ نحن واقعون في الاختلاف، واقعون في هذا التنازع. قال: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». هذا سبيل النجاة عباد الله، وهذا سلم النجاة: أن تتمسك بسنة رسول الله، أن تدعو ربك عز وجل أن يشرح صدرك للحق، وأن يبصرك بما كان عليه المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأن يميتك وأنت على طريق رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالله يوم القيامة ما يسألك عن قول فلان، ولا عن مذهب فلان، إنما يسألك عن قول الرسول، وأقوال الرسول، وأعمال الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. تسأل عن الرسول الذي أرسله الله عز وجل إليك: هل أطعته؟ هل اهتديت بهديه؟ هل سرت على طريقته؟ أم أنك وليت وجهك إلى أهل الشرق والغرب، أو أنك اتخذت غير الرسول عليه الصلاة والسلام، جعلته قدوة وأسوة وإماما ومربيا لك؟ فاحرصوا عباد الله على تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه دعوة أهل السنة من أجل رسول الله إلى يومنا هذا. أهل السنة لم يأتوا بدين جديد، ولم يأتوا بمذهب جديد، وليست عندهم طريقة على غير طريقة رسول الله عليه الصلاة والسلام. الأمر ليس معقدا، الأمر سهل: كتاب الله وسنة نبيه، ويرجع الجميع، ويفيء الجميع، ويتمسك الجميع بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾. ما هو المطلوب؟ ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. الله جعل كتابه مباركا، وجعله تفصيلا لكل شيء، وجعله هدى ورحمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. والله يقول: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾. فحرصوا عباد الله على التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نسأل الله عز وجل للجميع الثبات على الدين، والهداية إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. نسأل الله عز وجل أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيذ الجميع من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.