الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 28، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يُعالج العجب بتذكير العبد أن النعم فضل من الله لا بحوله، مستشهداً بقوله تعالى ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ وحديث «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، فيتواضع ويسأل العون على الشكر. أما الحسد فيُدفع بالعلم بأن توزيع الله للفضائل مبني على حكمة بالغة، فلا يجوز الاعتراض على قضاء ربه.
الحاسد يعترض على قضاء الله وقدره، بينما التنافس المحمود هو التسابق في الخيرات والطاعات لنيل رضا الله دون تمني زوال النعمة عن الغير. يُضرب المثل بعبدين يتنافسان في رضا سيدهما، مستشهداً بتنافس الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
يُبيّن فضيلة التنافس في الخيرات كما فعل عمر مع أبي بكر، ويؤكد أن طالب العلم وأهل القرآن يجب أن يتحلوا بأكرم الأخلاق، ويرفعوا أنفسهم عن دنيء الكسب، معتزين بعفة النفس واستغناء القلب بالله، مقتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن.
يحذر المقطع طالب العلم من إهانة العلم بالتردد على التجار وأصحاب الأموال والمسؤولين طلباً للدنيا، مؤكداً أن ذلك يذل العالم والعلم. وينصح بالتعفف والاستغناء بالله، مستشهداً بآية الملك.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال رحمه الله: قال: وطريقه في نفي العجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل له ما حصل بحوله وقوته، وإنما هو من فضل الله تعالى، فلا ينبغي أن يعجب بشيء لم يخترعه، بل أو دعاه الله سبحانه وتعالى فيه. نعم، كما تقدم أن العجب داء عضال ومرض خطير، وأنه سبب في حصول شرور للعبد عموما، ولطالب العلم على وجه الخصوص، فينبغي للعبد المسلم أن يترفع عن هذا الخلق الذميم، خاصة طالب العلم. وقال: الطريقة في دفع هذا العجب أن يتذكر، أو أن يذكر نفسه، أنه لم يحصل له ما حصل بحوله وقوته، ولهذا من هذه العلاجات في دفع هذا الداء هو أن يتذكر قول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾، فهكذا يعلم أن هذا من فضل الله عز وجل عليه، وأن الله تبارك وتعالى الذي منحه القوة، أو منحه الجمال، أو منحه المال، أو منحه العلم، قادر على أن يسلبه هذه النعمة، فالذي أعطاك قادر على أن يسلبك، والذي أعطاك أمرك بشكره والتواضع له ولنعمه، والتواضع لخلقه، فهكذا كلما تذكر الإنسان نعمة الله وسأل ربه تبارك وتعالى أن يعينه على شكرها فإنه يتواضع، وإنه أيضا يدفع عن نفسه داء العجب. أما إذا كان الإنسان معظما لعمله، فهذا أمر خطير، أنه يكبر في عينه عمله وما أعطاه الله عز وجل، هذا داء خطير، ينبغي أن يستصغر نفسه وأن يحتقر عمله، فإنه لن ينجو بعمله، وإنما ينجو إذا نجى بفضل الله ورحمته، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو القائل: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، قال: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»، فالفضل لله تبارك وتعالى، والتوفيق بيد الله عز وجل، فكيف يعجب الإنسان يترفع بشيء لم يصنعه هو، ولم يخترعه هو، وإنما هو شيء وهبه الله عز وجل له، يحرم نفسه الخيرات بسبب عجبه، فعلى كل هذا هو الدواء كما ذكر المصنف رحمه الله. قال: وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى مقتضى جعل هذه الفضيلة في هذا، فينبغي أن لا يعترض عليها، وأن لا يكره حكمة أرادها الله تعالى ولم يرضها، والله أعلم. نعم، كما تقدم أن الحاسد يعتبر قد اعترض على حكمة الله، وعلى قضاء الله وقدره، فالله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة في أخذه ومنعه، وفي إعطائه ومنعه، وفي رفعه ووضعه، وفيما يفعل في أقواله، في أفعاله، في قسمته، فكيف يتحكم الإنسان على ربه سبحانه وتعالى، يقول: هذا يستحق وهذا لا يستحق، الله عز وجل أعلم وأحكم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، فكيف يعترض على قضاء ربه سبحانه وتعالى؟ الله عز وجل قد يعطي العبد الشيء إكراما له ولعمله، وقد يعطيه ابتلاء وامتحانا واستدراجا، فكأن هذا إنسان يعترض على من هو أعلم منه، لماذا يفعل ولماذا يعمل؟ كيف بربه سبحانه وتعالى؟ ولله المثل الأعلى، فهكذا ينبغي للحاسد أن يتأدب مع ربه سبحانه وتعالى، وأن يرضى بعطائه وحكمه وقضائه وقدره، وأن يرضى بما أعطاه هو سبحانه وتعالى. قل: لمن كان، ألا قل: لمن كان لي حاسد، أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في فعله، إذ لم ترضَ لي ما وهب، فجازاك منه بأن زادني، وسد عنك وجوه الطلب. الشاهد: ألا قل، ألا قل: لمن كان لي حاسد، أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في فعله، إذ لم ترضَ لي ما وهب. فالحاسد هو عدو النعمة، وهو معترض على ربه سبحانه وتعالى، وينبغي أن يفرق بين التحاسد المذموم الذي يكون بين طلاب العلم، وبين التنافس المحمود. فالتنافس باب من أبواب الخير إذا كان في الخير، والتحاسد باب من أبواب الشر، فالفرق بينهما كما ذكر العلماء: أن التنافس يكون في الشيء المحبوب، فأنت ترى أخاك من طلاب العلم يتسابق إلى نيل الفضيلة العالية في طلب العلم أو في العمل، فأنت تحب أن تسابق إلى هذه الفضيلة التي يحبها الله سبحانه وتعالى، وتكره أن يسبقك هذا وأنت متقاعس، أنت لا تحب أن تزال عنه النعمة، لكن تحب أن تسبق أخاك في هذه النعمة، وأنت مجل له ومحب له، وأنت تريد الثواب من الله سبحانه وتعالى، فهذا شيء يحبه الله، هو أمر عباده بالطاعات والترقي في درجات المعالي والخيرات، ويحب من عباده أن يتنافسوا، ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾، وكما قال عز وجل: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، ﴿ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾، هناك مسابقة وهناك منافسة. وضرب العلماء مثلا لذلك بعبدين لهم سيد ومولى، فكلاهما يريد أن يصل إلى رضا سيده، فيحاول بكل طريقة أن ينال ويكسب رضا سيده، والعبد الآخر أيضا كذلك، فهما يتنافسان في نيل رضا السيد، هل السيد يفرح بهذا؟ كلا، العبدان يتنافسان في نيل رضا السيد، يفرح، يرى هذا يسابق، مثلا: إذا خلع نعليه كل بادر إلى أخذ النعال، إذا جاء شيء كل يبادر إلى رد هذا الشيء، إذا رأوا السيد يفرح بتصرف أو بفضيلة أو بخلق، فكل يبادر إلى فعلها ليكسب محبة ورضا هذا السيد، السيد إذا رأى هذه المنافسة فهو يفرح، يقول: هؤلاء يتنافسون في الوصول إلي ونيل محبة ورضاي. قال العلماء: فهكذا المتنافسون والمتسابقون في الخير، فكل يريد أن يصل إلى رضا ربه سبحانه وتعالى ونيل محبته، وينظر إلى صاحبه الذي يسابقه، فهو يريد أن يسبق هذا الصاحب، ولا يكره له الخير، لكن ما يحب أن يسبقه، هذا هو التنافس، وقل ما تنافس المتنافسون إلا وفازوا ونجحوا، فأهل الفضائل يستفيدون من هذا التسابق وهذا التنافس، فهذا هو التنافس المحمود، الذي لا يكون صاحبه، وقد يقع في الحسد المذموم. يتنافس العباد في الأعمال الصالحة، يتنافس طلاب العلم في نيل المراتب العالية، يتنافسون فيما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، مع تصفية القلب من الغل والحقد والبغي والحسد والعجب والرياء والسمعة، يتعامل مع ربه سبحانه وتعالى، وكلما رأى أخاه سيسبق، هو يزداد نشاطا ويزداد رغبة، ويعمل ويعمل، ويريد أن لا يسبقه أحد إلى ربه سبحانه وتعالى، وهذا هو تنافس السلف من الصحابة ومن جاء بعدهم، تعرفون تنافس الشيخين والكبيرين: أبي بكر وعمر، أبو بكر كان سباقا في الخير رضي الله تعالى عنه، وعمر ومن كان دونه من الصحابة يريدون أن يدركوه، لكن هيهات ما استطاعوا، مع أن عمر هو عمر رضي الله عنه في الدين والعلم، لكن أبو بكر أرفع، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، حاول مرات أن يدرك أبا بكر أو أن يسبقه فما استطاع، فقال: «إن كنت لسباقا في الخير»، وقال مرة: «إذن لا أسابقك إلى خير»، قال: يئس عمر، كلما حاول أن يدرك أبا بكر أو أن يسبقه ويتقدم عليه لم يستطع، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، فالتنافس في الخير ليس هو التحاسد المذموم، بل ينبغي على أهل الخير وطلاب الآخرة وطلاب العلم أن يتنافسوا في الخير، وأن يتنافسوا في الطلب، هذا يحفظ وأنت تحفظ، هذا يعمل وأنت تعمل، هذا يستغل وقته وأنت تستغل وقتك، فلا تسأل عن الخيرات والفضائل والنتائج والثمار الحسنة التي تترتب على هذا التسابق وهذا التنافس الذي يحبه الله، بل وأمر الله به، ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾، فهكذا الإنسان يرضى بما قسمه الله له، ولا يرد قضاء الله، أو يعترض على حكم الله وعطاء الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله في آداب الباب الخامس: في آداب حامل القرآن، قال: قد تقدم جمل منه في الباب الذي قبل هذا، ومن آداب أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالا للقرآن، وأن يكون مصونا عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعا. هذا من العمل بالعلم، من بركة العلم العمل به، ومن مسعود رضي الله عنه القائل: «كنا لا نتجاوز عشر آيات من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نتعلم معناها والعمل بها»، فكنا نتعلم العلم والعمل، وكل خلق عال، وكل أمر فاضل ينبغي أن يتحلى به طالب العلم، طالب العلم أولى الناس بالتحلي بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، والمسارع في امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لأنه عنده علم، والعلم يدعو إلى كل فضيلة، بخلاف الجاهل، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: «خلق حسن»، فينبغي لطالب العلم أن يكون كذلك. تقدمت هذه المسائل: أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، قال الإمام مالك: «إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعا لأثر من مضى»، كما في الجامعة للخطيب، قال: وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى الله عنه إجلال القرآن. نعم، كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم؟ كان خلقه القرآن، يعني: يمتثل الأوامر، ويجتنب نواهيه، ويتأدب بآدابه، ويقف عند حدوده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه. قالوا: أن يكون مصونا عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، هناك حرف ومهن هي جائزة لكنها دنيئة، فطالب العلم يترفع حفاظا على المروءة، يترفع عن دنيء الاكتساب، هناك حرف جائزة لكنها دنيئة، فيترفع طالب العلم حفاظا على المروءة. قال: شريف النفس، يكون عزيزا، العزة والعفة خلقان شريفان، أن يكون عزيز النفس، يعني: ليس مهان ذليل النفس، أن يكون عفيفا، ليس متطلعا يهين نفسه، أن يكون عزيز النفس، فعزيز النفس أو شريف النفس ما يحب أن يكون في مواضع الإهانة أو الذل، وكيف الحل؟ أن يستعين بالله سبحانه وتعالى، وأن يرضى بما أعطاه الله، وأن يستعف فيعفه الله، وأن يستغني بالله حتى يغنيه الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من يستغني يغنيه الله، ومن يستعف يعفه الله». لا يهين العلم بطوفه وطوافه على التجار، أو بملازمته لأهل الأموال، أو بحرص على القرب من المسؤولين والكبراء، كل هذا بسبب حرصه على الدنيا يهين نفسه ويهين العلم ويذل نفسه والعلم بسبب حرصه على الدنيا، لكن يعني ينبغي لطالب العلم أن يتعزز وأن يتكرم وأن يستعف وأن يستغني بالله سبحانه وتعالى، ولكن كما قال الله: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ