الدرس في رمضان والعناية بالجنان 1، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يشترط دخول الجنة تزكية النفس وتطهير القلب، والقلب السليم عند ابن القيم هو الخالي من الشرك والبدعة والهوى والغفلة والشهوة. يجب التوبة من هذه الآفات لسلامة القلب عند لقاء الله.
القلب السليم متجرد من الهوى والشهوات، دائم الذكر، مراقب لله، وخالٍ من الغل والحسد والكبر والشح. اتباع الهوى يهوي بصاحبه في النار، والشيطان القرين يسعى لإفساد القلب، فيجب مجاهدتهما بالاستعاذة والذكر وطاعة الشرع.
أمراض القلب كالحقد والحسد والغل والكبر، والقلب السليم هو التقي النقي الخالي منها. يتحقق التطهير بالمجاهدة المستمرة، والاستغفار، والذكر، وأعمال البر، والابتلاءات التي تمحص العبد، اقتداءً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في نقاء السريرة وحسن المعاملة.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يوفق الحاضرين لمرضاته، وأن يجعل قلوبهم سليمة نقية، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخير الخلق أجمعين، نبينا محمد عليه أتم صلاة وأزكى تسليم، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فحديثنا معكم في هذه الساعة المباركة عن إدراك الجنان بتطهير الجنان، إدراك الجنة التي هي دار النعيم ودار الخلد، الجنة التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وصفها بأوصاف جميلة في كتابه الكريم، وشوق عباده لها، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. هذه الجنة العظيمة لا ريب أنه لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، فلا يدخلها أهل الكفر ولا أهل الشرك، تدخلها النفوس الزكية والقلوب الطاهرة النقية، فينبغي على كل عبد أن يسعى لتحصيل هذه الجنة العظيمة التي جعل الله عز وجل لها أسبابا، ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾، ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾. فهذه النفس لا بد أن نسعى لها، فهذه الجنة لا بد أن نسعى لها، فنطهر الجنان أي القلوب، نطهرها، فإن الجنة لا بد أن يلقى الله عز وجل العبد وهو طاهر القلب وزكي النفس، ﴿ قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ﴾، ﴿ قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى ﴾. فلا بد من تزكية هذه النفس وتطهير هذه النفس، فالله عز وجل لا ينجو عنده ولا يفلح عنده إلا صاحب القلب السليم. لهذا قال الله عز وجل في سورة الشعراء: ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾. فما هو القلب السليم الذي يلقى الله عز وجل العبد به حتى يكون نافعا له عنده سبحانه وتعالى؟ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى كما في المدارج: صاحب القلب السليم هو القلب الخالي من الشرك، ومن الحقد والغل والحسد، ومن الشح والكبر وحب الرئاسة وحب الدنيا، هذا هو صاحب القلب السليم. وقال في موضع آخر: لا يكون القلب سليما حتى يتصف بخمسة أشياء. هذا القلب السليم يتصف بخمسة أشياء: أن يخلص من شرك ينافي التوحيد، ومن بدعة تنافي السنة، ومن هوى ينافي التجريد والإخلاص، ومن غفلة تنافي الذكر، ومن شهوة تنافي الأمر. هذه خمسة أشياء إذا سلم منها العبد كان القلب سليما، كان القلب سليما. أن يخلص قلبه من الشرك الذي ينافي التوحيد، والشرك منه شرك أكبر ومنه شرك أصغر، وكلاهما خطير على العبد، فالأول صاحبه عياذا بالله لا يدخل الجنة بتاتا، صاحبه مخلد في نار جهنم، والثاني وهو الشرك الأصغر محبط لذلك العمل الذي عمل معه صاحبه، رئاء وسمعة، وقد حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم. والأمر الثاني هو البدعة، وهو ما أحدث في دين الله سبحانه وتعالى ما ليس منه، فمن أحدث بدعة فليس قلبه سليما حتى يترك تلك البدعة، لأن عمله مردود عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فإذن صاحب البدعة أعماله التي يعملها إن كانت كلها بدعة مردودة عنه، ولن يجاز بها، وليس قلبه سليما حتى يلقى الله سبحانه وتعالى، فلابد من التوبة، التوبة من الشرك والتوبة كذلك من البدع. والأمر الثالث هو من هوى ينافي التجريد والإخلاص، أي لا يكون عند المسلم هوى يتبعه، فإن الله عز وجل ذم الهوى، وجعل صاحب الهوى الذي يتبعه كأنه اتبع إلها، فقال سبحانه: ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ﴾. إذن صاحب الهوى والعياذ بالله صاحب قلب مريض، صاحب قلب مريض، وهو الذي لا يتبع الدليل وإنما ما يملي عليه هواه، الدليل في ناحية وهو في ناحية، مع أنه يعلم هذا الدليل أو علم هذا الدليل بعدما أتاه، اتخذ إلهه هواه، رجع عن هذا الدليل من الكتاب والسنة وصد عنه عياذا بالله اتباعا للهوى. والله عز وجل نهى نبيه داود عليه الصلاة والسلام عن اتباع الهوى، فقال: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾. فالمسألة ليست أهواء، وإنما سمي الهوى هواه كما قال ابن عباس رضي الله عنهما لأنه يهوي بصاحبه في النار، الهوى يهوي بصاحبه في النار، وهو رد الأدلة الشرعية المحكمة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وصار صاحبه سائقه الهوى. ينافي الهوى التجريد لله عز وجل والإخلاص لله سبحانه وتعالى، فإذا صاحب القلب السليم هو المتجرد من الهوى، المتجرد من الهوى. صاحب القلب السليم كذلك هو المتجرد من الشهوة التي تنافي أو تناقض الأمر، الأمر من الله والأمر من رسوله صلى الله عليه وسلم، بل هذا الشخص يتبع شهوته سواء كانت شهوة بطن أو شهوة فرج، فيتبع هذه الشهوة، شهوة المال، شهوة الدنيا، فيتبع هذه أينما وجدت ولو كان ذلك مخالفا للكتاب والسنة، فهذا صاحب القلب المريض. القلب السليم هو الذي ليس فيه شهوة، ليس فيه حب لمثل هذه الأمراض التي قد تأتي بين الحين والآخر تناقض الأمر من الله سبحانه وتعالى، بل يتبع شهوته ولو كان في ذلك خروجاً عن أمر الله وعن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم. صاحب القلب السليم هو القلب الذاكر، هو الذي ليس فيه غفلة، لا يغفل عن ذكر الله سبحانه وتعالى، بل دائماً وأبداً يذكر الله في نفسه، يذكر الله على سائر أحواله، سواء كان في خلوته أو كان كذلك مع الناس، فإنه يراقب الله عز وجل، المراقب ذاكر لله عز وجل، فإذا ما جاءه أمر يخرجه عن الطريق الصحيح ذكر الله، فليس هذا القلب غافلاً لحظة عن الله سبحانه وتعالى، يتذكر دائماً وقوفه بين يدي ربه سبحانه وتعالى، يتذكر أن الله عز وجل مطلع عليه، يتذكر أن الله يراه، يتذكر أن الله يسمعه، يتذكر كل شيء، فلهذا صاحب القلب السليم قلب حي، قلب ذاكر لله بلسانه وذاكر لله بجنانه، ﴿ من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ﴾ كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي، فهذا ذاكر دائماً لله سبحانه وتعالى. إذا سلم القلب من هذه الخمسة الأشياء كان قلباً سليماً، مع ما ذكره رحمه الله تعالى أن صاحب القلب السليم قلبه خال من أمراض عظيمة قد تفسده، وهي الغل والحقد والحسد والكبر وكذلك الشح، كل هذا صاحب القلب السليم يخرجها من قلبه، يسعى دائماً أن يخرج هذه الأمراض القلبية ويعالجها، يعالجها إن كانت فيه، ويعالجها إن طرأت عليه، لأنه قد يكون قلبه سليماً برهة من الزمن ثم تأتي هذه، فالإنسان لا يأمن على نفسه ما دام فيه أنفاس تطرف، ما دمت يا عبد الله في هذه الحياة فأنت محاط بالأعداء الذين حولك وأنت مبتلى في هذه الحياة، ولهذا تسعى دائماً، يقول ذلك القائل: يا رب إني ابتليت بأربع يرمينني بالنبل عن قوس لها توتير، إبليس والدنيا ونفسي والهوى، يا رب أنت على الخلاص قدير. نستعين بالله عز وجل على أن تحارب هذه أو تحارب هؤلاء الأعداء، ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ﴾، فالشيطان عدو وهو أكبر الأعداء وألد، وأقسم بعزة الله عز وجل أنه لن يترك بني آدم، ﴿ فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين ﴾. الشيطان حريص على أن يغوي بني آدم ويقعه في الخطيئة والزلل والمعصية حتى لا يكون من أصحاب الجنة، لهذا قال الله: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ﴾، فاحذر يا عبد الله وحارب هذا العدو لأنه بين جنبيك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من إنسان إلا وفيه القرين»، فالله عز وجل يعينك عليه، القرين الذي يوسوس لك بأن تخرج عن صراط الله عز وجل المستقيم، القرين الذي يوسوس في قلبك دائماً كما ذكر ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس ﴾، أي الخفي الذي بين القلوب وداخل القلوب ويوسوس لهذا الإنسان من أجل أن يمرض قلبه ولا يصبح هذا القلب قلبا سليما، فاحذر أن تكون يا عبد الله ضعيفا أمام هذا العدو، بل كن قويا وحاربه بما تستطيع من ذكر الله عز وجل، بالاستعاذة منه وبعصيانه، لأن لا تفعل ما يأمرك به من مخالفة الشرع ومن مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أن يدخل عليك تلك الأمراض التي هي أمراض عظيمة، قل أن يسلم منها أحد: مرض الغل، مرض الحقد، مرض الحسد، مرض البغضاء، مرض الشحناء، مرض الكبر، مرض حب الرئاسة، مرض كذلك حب الدنيا، فلهذا لا يسلم صاحب القلب السليم حتى يكون دائماً في مجاهدة، في مجاهدة ليلاً ونهاراً، لأن بني آدم في الليل والنهار قد يرتكب بعض الأخطار وقد يرتكب بعض المعاصي، لكن الله عز وجل من رحمته بعباده أن جعل لهم في الليل والنهار ما يكفرون به عن معاصيهم وعن سيئاتهم وعن أخطائهم وعن تقصيرهم، بالصلوات والدعاء والذكر وأعمال الخير والبر والإحسان، كل هذه مكفرات، «إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم»، كن دائماً وأبداً متذكراً الاستغفار، كن دائماً وأبداً متذكراً الذكر لله سبحانه وتعالى، يلهج به لسانك، لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل، فصاحب... فصاحب القلب السليم في رتب وفي منازل عالية رفيعة، وهو عند الخلق أفضلهم، صاحب القلب السليم عند الخلق أفضلهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الناس صاحب القلب المخموم صدوق اللسان»، فقالوا: صدوق اللسان نعرفه يا رسول الله، فما صاحب القلب المخموم؟ قال: «هو القلب التقي النقي الذي لا غل فيه ولا حسد ولا حقد»، صاحب القلب التقي النقي الذي لا حسد فيه ولا غل ولا حقد، هذا صاحب القلب السليم، قلب يقال له قلب مخموم، قلب تقي، قلب نقي، أي صافٍ مثل الماء العذب الزلال، قلب لا يعرف الحقد، قلب لا يعرف البغضاء، قلب لا يعرف الغل، قلب لا يعرف الحسد، فهذا قلب نقي تقي صافٍ قلب سليم، قد سلم من هذه الأمراض، فكان صاحبه أفضل الناس عند الله سبحانه وتعالى، شهادة النبي صلى الله عليه وسلم. حتى الجنة عباد الله لا يدخلها إلا بعد التصفية، بعد التصفية والتنقية يوم القيامة، فتدخل هذه النفوس زكية نقية الجنان، لهذا قال الله عز وجل في سورة الأعراف: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين * إخوانا على سرر متقابلين ﴾، لابد من أن ينزع الله عز وجل ذلكم الأمر في هذا القلب الذي لقي الله عز وجل به على إخوانه وهو الغل، مرض والعياذ بالله خطير يهلك صاحبه، فينقيه الله عز وجل بأن يغفر له وأن يرضي أهله، أرضى من كان في... من كان عليهم هذا الغل والحسد، ربما ربنا سبحانه وتعالى عفى عن صاحب هذا القلب بأعمال أخرى جاء بها، فالله عز وجل غفور رحيم، فهذا القلب الله عز وجل نقاه، والله عز وجل طهره، وقد ينقي ربنا عز وجل صاحب هذا القلب في الدنيا قبل الآخرة بأن يبتليه بالابتلاءات ويمحصه بشتى التمحيص حتى يلقى الله عز وجل وما عليه خطيئة، وكما تعلمون الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النفس هذه لابد أن تزكى ولابد أن تطهر ولابد أن تغسل كما يغسل من الدرن، فتزكى هذه النفس قبل أن تلقى ربها سبحانه وتعالى وتطهر، فيبتلي الله عز وجل العبد بالمصائب، يبتليه بالمصائب وبأنواع الابتلاءات حتى يلقى الله عز وجل وما عليه خطيئة، فلهذا ينبغي علينا عباد الله أن نسعى في تطهير الجنان وتزكيتها حتى ندخل الجنان. ولنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لنا في سيرته في تطهير القلوب بالتعامل مع الناس، يتعامل النبي عليه الصلاة والسلام بالقلب النقي والقلب الطاهر في حياته صلى الله عليه وسلم، وهو القدوة الحسنة التي ينبغي على أهل الإسلام أن يقتدوا بها، فيتخذون من معاملته عليه الصلاة والسلام في طهارة قلبه ونقاء سريرته وحسن معاملته منهاجاً لهم يلقون به ربهم سبحانه وتعالى، سنذكر إن شاء الله في قادم الأيام كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب أن يعامل الناس، شتى أنواع الناس، مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم، صلى الله عليه وسلم يعاملهم بنقاء السريرة وصفائها لأجل أن هؤلاء الناس يقتدوا به صلى الله عليه وسلم، فلا تكون قلوبهم إلا سليمة تجاه بعضهم بعضاً، حتى إذا لقوا ربهم سبحانه وتعالى كانت كذلك، وكانوا من أهل الجنان. فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما فيه مرضاته، وأن يجعل قلوبنا سليمة نقية صافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.