رمضان والعناية بالجنان 3

رمضان والعناية بالجنان 3

الدرس في رمضان والعناية بالجنان 3، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

عفو النبي ﷺ وأبو بكر الصديق وتطبيق آية العفو بعد حادثة الإفك

يتناول المقطع خلق النبي ﷺ في العفو والصفح عمن أساء إليه، وكيف اقتدى به الصحابة، خاصة أبو بكر الصديق الذي أعاد النفقة على مطيع بن أثاثة وزاد عليها بعد نزول آية العفو في سورة النور محتسباً الأجر ومتأسّياً بأخلاق القرآن.

أخلاق أبي بكر الصديق في العفو والصفح والمبادرة للصلح

يروي المقطع موقف أبي بكر رضي الله عنه عند الإفك على عائشة، حيث حلف ألا ينفق على قريبه مطيع ثم عفا عنه امتثالاً لأمر الله. كما يبرز سرعة ندمه ومبادرته لطلب المغفرة من عمر بعد خلاف بينهما، وتدخل النبي صلى الله عليه وسلم لإصلاح ذات البين، مما يعكس خلقه الرفيع في العفو والصفح وصله الرحم.

أخلاق الصحابة في سرعة الرجوع والاعتذار عند الخلاف

يسرد المقطع موقفاً بين أبي بكر الصديق وربيع بن كعب الأسلمي في نخلة، حيث ندم أبو بكر على كلمة قالها وطلب من ربيع القصاص فرفض ربيع وردّ بالإحسان. ثم ذهبا إلى النبي ﷺ فحكم بالصلح، فدعا ربيع لأبي بكر بالمغفرة وفرح النبي ﷺ بذلك، مظهراً عظمة قلوب الصحابة وحرصهم على الإصلاح وتجنب المحرّضين.

الاقتداء بالسلف في تطهير القلوب والدعاء بالتوفيق

يختم المتحدث بالتأكيد على أن مواقف السلف الصالح تدفع المؤمنين لتطهير قلوبهم من الأدران. ويسأل الله أن يشرح الصدور ويوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق أجمعين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فما زلنا في إدراك الجنان بتطهير الجنان، وذكرنا فيما سبق كيف كان نبينا عليه الصلاة والسلام يعامل الناس بمقتضى سلامة القلب وطهارته ونقاء سريرته عليه الصلاة والسلام، وهو الذي وصفه ربه عز وجل كما في سورة القلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وعائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم لم تجد وصفا أبلغ وأعظم من أن تقول: «كان خلقه القرآن»، كان خلقه القرآن، كتاب الله عز وجل، أن يعمل بما فيه عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جاء في صفته في كتب أهل الكتاب التوراة والإنجيل أنه كان لا يجزي بالسيئة السيئة، وإنما يعفو ويصفح، هكذا جاء وصفه عليه الصلاة والسلام أنه ما يقابل السيئة بالسيئة، وإنما كان من شيمته العفو والصفح. وقد تقدم معنا كيف نبينا صلى الله عليه وسلم عفى عن قومه، عفى عن قريش لما دخل مكة وقال: «لا تثريب عليكم اليوم»، ولم يقابلهم إلا بالإحسان، وهكذا عفى عن أهل الطائف وعن ثقيف خاصة وقد آذوه، عفى عنهم بل دعا لهم وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم»، فنبينا عليه الصلاة والسلام حياته كلها وهو يعفو ويصفح عن من أساء إليه ترغيبا لهم في دين الإسلام وأن يدخلوا في هذا الدين العظيم، لأن الله عز وجل أرسله رحمة للعالمين. وكذلك أصحابه رضوان الله تعالى عليهم تخلقوا بأخلاقه وتأدبوا بآدابه، لأنهم خير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، كان لهم السبق في هذا الباب، وهو باب سلامة القلوب وطهارتها ونقائها، وهم بشر يصيبهم ما يصيب البشر، لكنهم يتداركون إذا نزل القرآن يعملون به، وإن حصل منهم قبل ذلك بعض الأشياء، لكنهم سرعان ما يتخلقون بأخلاق القرآن. فمنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه صاحب النبي عليه الصلاة والسلام، كان ذا خلق عظيم، وكان ذا أدب جم، فهو أيضا يعفو ويصفح ويعمل بكتاب الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، حتى قال بعض السلف عنه: أن أبا بكر أدرك ما أدرك من الفضل لا بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه، بشيء وقر في قلبه، فسر بعض أهل العلم هذا الشيء الذي وقر في قلبه: حسن الأخلاق والتعامل مع الناس. قد لا يكون الشخص من أصحاب العبادة الكثيرة والنوافل الكثيرة، أي أن يكون من أهل الصلاة نوافلها، أو كذلك أن يكون من أهل الصيام، أي نوافل الصيام والصدقات ونحو ذلك، لكنه قد يكون عنده حسن خلق، وينال الدرجات الرفيعة عند الله عز وجل، ويكون بقرب النبي صلى الله عليه وسلم، ما سبقهم كما قالوا أبو بكر بكثرة صلاة أو صيام، فهناك من الصحابة من هو كثير العبادة كعبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يختم القرآن في سبع أو في ثلاث، وغيره من الصحابة: أبي الدرداء، وابن مسعود، وغيرهم الذين كانوا يجتهدون في العبادة، وأبو بكر سبق هؤلاء كلهم بشيء وقر في قلبه، يتعامل مع الناس ذوي الأرحام. لما نزل قول الله عز وجل بعد حادثة الإفك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، قال أبو بكر، وقد فهم من الآية أنه المعني، أنه المعني لأنه قطع النفقة على مطيع بن أثاثة رضي الله عنه لما خاض مع أولئك في حادثة الإفك، قال: «بلى أحب أن يغفر الله لي»، فأرجع النفقة وزاد عليها. انظروا إلى هذا الصحابي الجليل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الشخص يغضبه إذا تكلم أحد في عرضه أو مس عرضه، وأبو بكر لما تكلم المنافقون في عائشة رضي الله عنها، تكلم المنافقون، وأنزل الله عز وجل فيهم القرآن، وبر الله عز وجل أم المؤمنين عائشة، النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الحادثة يدخله الهم والغم لأنهم تكلموا في عرضه، وكذلك أبو بكر رضي الله عنه دخله الهم والغم حينما تكلموا في عائشة رضي الله عنها حتى برأها الله جل وعلا، وحلف أبو بكر أنه لا يعطي درهما واحدا ولا ينفق على مطيع، وهو ابن خالته أو قريبه، حلف، وكان أبو بكر من أهل الغنى واليسر، فذكره الله عز وجل فقال: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ أَن يَحْلِفُوا أَهْلَ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فعفى وصفح عن مطيع رضي الله عنه. وهذا من أخلاق الكبار، أنهم ما يستمرون على قطع النفقة أو الصدقة أو الإحسان إلى الفقراء والمساكين، وكذلك أهل القرابة، وإن حصل منهم ما حصل، فإنك قد تؤذى من قرابتك، تؤذى من أحب الناس إليك كإخوتك، أو كذلك بني عمك، أو بني عمتك، أو بني خالك، أو بني خالتك، أو غيرهم، قد يأتيك البلاء والأذى من هؤلاء، وأنت كنت تحسن إليهم، فلا تقطع هذا الإحسان ولا هذه الصلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»، فأنت تصل قرابتك وأهل ود أبيك إن كان متوفى، وإن قطعوك، تعمل بأخلاق القرآن، تعمل بالقرآن، تعمل بالسنة، كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ولما حصل بين أبي بكر وعمر خلاف، وهذا قد يحصل بين الإخوة، حصل بينهم خلاف على أمر ما، وتكلم أبو بكر بكلام شديد، فندم أنه تكلم على عمر، وكان بينه وبينه مباشرة، فقال لعمر: «اغفر لي»، فقال: «لا أغفر لك»، فقال لعمر: «اغفر لي»، رجع مباشرة رضي الله عنه أرضاه، وهذا هو السر في أبي بكر رضي الله عنه، أنه كان يرجع مباشرة ويندم مباشرة، لأن الإنسان أحيانا في بعض المواقف تخرج منه بعض الكلمات غير اللائقة مثلا، أو غير ما في وضعه، وهو لم يقصدها، لكن ذلك الموقف الذي حصل بينه وبين هذا الأخ قد تخرج منه بعض الكلمات، فيرجع مباشرة، يتذكر أنه أخطأ، فقال لعمر: «اغفر لي»، فقال عمر: «لا أغفر لك»، فولى أبو بكر يبكي ورجع إلى داره، فندم عمر، كان عمر يغفر له في تلك الحال، وقول: تسامعنا وتصالحنا وانتهى الأمر، لكن عمر أيضا بعدها استدرك منزلة الصديق وعرف مكانته، فذهب إلى بيته، ذهب إلى بيته مباشرة بعد الواقعة، وقال: «أثم أبو بكر؟» قالوا: «لا، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فذهب رافعا ثوبا يجري جريا يدرك الموقف، فلما رآه، وقد علم النبي عليه الصلاة والسلام بالأمر، رأى عمر مقبلا وهو رافع ثوبه، فقال: «أما صاحبكم فقد غامر»، فما كان من عمر إلا أن يجثو على ركبتيه عند النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: «يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، أنا كنت أظلم، وإني طلبت، وإني أطلب من أبي بكر أن يغفر لي»، هنا طلب العفو والمسامحة من أبي بكر رضي الله عنه، فقال: «غفر الله لك يا عمر»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك يا عمر»، «فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» وهو أبو بكر، ولا أبو بكر من هذه الحادثة وهو يبكي. أنظروا إلى قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وسرعة رجوعهم وندمهم إذا حصل منهم الخلاف، ينبغي أن نكون كذلك إذا حصل منا شيء مع إخواننا، أننا نتذكر ونرجع ونندم ونطلب العفو والمسامحة، كما طالب عمر رضي الله عنه. وحادثة أخرى وقعت لأبي بكر كذلك رضي الله عنه وأرضاه، بينه وبين ربيع بن كعب الأسلمي، اختلفا في نخلة، هذا يقول في أرضي، وهذا يقول في أرضي، فقال كلمة، يقول ربيع وهو يحكي، ربيع بن كعب الأسلمي وهو يحكي الموقف: «اختلفت، يقول: أنا وأبو بكر في شجرة، أي في نخلة، فقال أبو بكر: هي في أرضي، وقلت أنا: هي في أرضي، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها، فقال مباشرة: يا ربيع، رد علي مثلها، رد علي مثلها حتى تكون قصاصا، فقال: لا والله ما أقول»، فربيع رضي الله رضي الله عنه حفظ لسانه من أن يرد تلك الكلمة على أبي بكر، وإن كانت في حقه يراها خطأ، فولى أبو بكر، رفض أن يرد بمثلها، فولى أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فحكى له الحديث. هكذا رجوع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المواقف إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليقرر وليحكم، لأن الأمر ليس بهين، هؤلاء قلوب وأفئدة عظيمة، إنهم ينظرون إلى اليوم الآخر، يوم أن يقف المرء مع المرء الآخر الذي أخطأ فيه في حقه، فلعله يأخذ من حسناته: سبه، شتمه، ضرب، وغير ذلك، هنا يأتي القصاص وميزان العدل يوم القيامة. فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة، قال ربيع: «وذهبت أتلوه، أي خلفه مباشرة»، فجاء ناس في الطريق من أسلم من قبيلة ربيع، وقال: «غفر الله لك يا ربيع، أبو بكر هو الذي اعتدى عليك، وهو الذي قال لك ما قال»، هنا قد يأتي بعض من يحرش بينك وبين أخيك، ويزيد الطين بلة كما يقال، انتبه للمحرشين، انتبه للدخلاء الذين يدخلون بينك وبين أخيك، أنت بإمكانك أن تصلح فيما بينك وبين أخيك بدون تدخل أي واحد، فقط ندم ورجع، وتعقل في المسألة. قال ربيع لهم بصوت عال واضح: «أتعلمون من هذا ويحكم؟ إنه الصديق، إنه الصديق، إنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه ثاني اثنين في الغار»، يذكر هؤلاء القوم بمنزلة الصديق رضي الله عنه، «أترون أن الله عز وجل، أترون أنه إذا ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي بكر، فيغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم، فيهلك ربيع؟ أي سركم هذا؟». هنا معرفة أهل الفضل لأهل الفضل، فلا يعرف أهل الفضل لأهل الفضل إلا ذووهم، فعرض ربيع منزلة الصديق وذكرهم به، وقال لهم: «إن النبي عليه الصلاة والسلام لو غضب لأبي بكر لغضب الله له، ولو غضب الله لرسوله لهلك»، قال: «فذهبت»، قال: «فرأيت أبا بكر عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ما لك وللصديق يا ربيع؟» قال: «فقلت: يا رسول الله، قد كان وكان، وذهبت أتل الحديث كما كان، وإنه، وإنه أراد، أي أبو بكر، أن أقول له تلك الكلمة التي قالها لي، فقلت: فقلت: فقلت: غفر الله، غفر الله، غفر الله، غفر الله لك يا أبا بكر»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام، وقد سر وفرح من هذا الموقف العظيم من ربيع رضي الله عنه: «نعم، قل: غفر الله لك يا أبا بكر، غفر الله لك يا أبا بكر». هكذا ينبغي أن يقال عند الخلاف وعند الخصام، أبو بكر رضي الله عنه كان ذا قلب عظيم وواسع، واسع الصدر، كان ذا ندم، فكان رضي الله عنه وأرضاه سابقا بالخيرات، سابقا بالخيرات، فهذا الذي كان ينبغي من أولئك الرجال العظماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهذه المواقف العظيمة تعطينا نحن عباد الله الدافع الحقيقي لكي نطهر هذه القلوب من أوساخها وأدرانها، ونتذكر كيف كان السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم يتعاملون في المواقف، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكرمه لشرح صدورنا، وليوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.