رمضان والعناية بالجنان 5

رمضان والعناية بالجنان 5

الدرس في رمضان والعناية بالجنان 5، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

أثر العفو وكظم الغيظ في تطهير القلوب

يسرد المقطع مواقف من حياة عمر بن الخطاب وسالم بن عبد الله وعلي بن الحسين والإمام أحمد رحمهم الله، تجسد تطبيق آية ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ عند مواجهة الإساءة والاتهام الباطل. ويبرز كيف أن تواضعهم واعترافهم بنقص أنفسهم وعفوهم عمن أساء إليهم كان سبباً في رجوع المخطئين وتطهير قلوبهم لدخول الجنة.

أخلاق العفو والصفح عند أئمة الإسلام

يسرد المقطع مواقف عظيمة في العفو عند الإمام أحمد بن حنبل الذي سامح المعتصم رغم تعذيبه، وعمر بن عبد العزيز الذي عفا عن غلامه الذي حاول قتله بالسم. ويبين أن العفو عند القدرة من أسباب العزة والتمكين من الله، وأن العاقبة للمتقين.

نماذج الإحسان وكظم الغيظ عند السلف

يسرد المقطع قصصًا لعلماء وأئمة تجسدوا معاني الإحسان وكظم الغيظ والعفو عن الناس، كإعتاق الإمام البخاري لجاريته وميمون بن مهران لخادمه، وقصة المقنع الكندي مع بني عمه. ويختم بتأكيد ابن عثيمين عن شيخه السعدي أن أنفع الأعمال نفع الخلق والإحسان إليهم.

الدعاء بالخاتمة الحسنة والصلاة على النبي

يسأل المتحدث الله أن يجعله والمستمعين من عباده المحسنين. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمَازلنا في تطهير الجنان لدخول الجنان. روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى قصة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما دخل عليه عيينة بن حصن الفزاري، وهذا في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]. فقال عيينة: «هي يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل». قال: فغضب عمر حتى همّ به، فقال ابن أخيه الحر بن قيس: «يا أمير المؤمنين، إن الله عز وجل يقول: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾، وإن هذا من الجاهلين». قال: فسكت عمر، فما تجاوزها رضي الله عنه وأرضاه. فعمر حينما تليت عليه الآية الكريمة عمل بها: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾. وهذا دخل، واتهم عمر بأنه ما يعدل، وبأنه ما يعطي شيئًا من بيت المال للمحتاجين، فكان من هذا الرجل سوء تصرف مع أمير المؤمنين، وهو مهنأ من العشرة المبشرين بالجنة، وهو الخليفة الملهم المحدث، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان بعدي نبي لكان عمر»، وله من الفضائل والمناقب العظيمة، ومعرفة فضله ومنزلته بين الصحابة مشهورة، وكانوا لا يفاضلون عليه أحدًا بعد أبي بكر رضي الله عنه، وهو من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة»، وعددهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العشرة. فهذا دخل على عمر وقال ذلك، ولكن عمر لما تليت عليه الآية سكت وهدأ، وما تجاوز هذه الآية، وعفى عن هذا الرجل. فهكذا أصحاب القلوب الطاهرة النقية السليمة، التي لا تحمل الحقد، ولا تعرف الحسد، ولا الغل، ولا الكبر، والكبر بمعناه الشرعي، فلا تتكبر على آيات الله، فلا تدفع الحق إذا جاء، بل تخضع وتذعن له تواضعًا لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا من سادات التابعين سالم بن عبد الله بن عمر رحمه الله، جاءه رجل كما في السير للذهبي، فقال له: «ما أحسبك يا سالم إلا رجل سوء». فقال له سالم رحمه الله: «يا هذا، ما أبعدت ما قلت، ما أحسبك أبعدت ما قلت»، ومشى، ومشى وترك. فقد يأتي إليك من يسبك، ومن يشتمك، ومن يتنقصك، ويحتقرك، ومع ذلك سالم في هذا الموقف قال: «ما أحسبك أبعدت»، وانتهى الموضوع في هذا المكان، فما رد عليه إلا بهذا الكلام. ورحم الله امرأة عرفت قدر نفسها، رحم الله امرأة عرفت قدر نفسها: «ما أحسبك أبعدت»، قال: «ما أحسبك إلا رجل سوء»، قال له: «ما أحسبك إلا أبعدت». وهكذا أيضًا ما ذكر ابن الجوزي رحمه الله في صفوة الصفوة عن التابعي الجليل علي بن الحسين زين العابدين رحمه الله، أنه جاءه رجل فقال له: «إن فلانًا قد وقع في عرضك». فقال له: «قم بنا إليه». قال الذي يحكي القصة: «فما أحسبه إلا سيقع عليه أن يرد له بالمثل». قال: «قم بنا إليه». فذهب إليه، إلى هذا الرجل الذي وقع في عرضه، فقال له: «يا هذا، إن كان ما تقول حقًا، غفر الله لي، غفر الله لي، وإن كان ما تقول باطلًا، فغفر الله لك». دعاء: «إن من تقول الذي قلته صادق أنت فيه، فأسأل الله أن يغفر لي ذنوبي». اعتراف بأن هذه النفس فيها ما فيها، فيها من القصور، فيها من الذنوب، فيها من الخطايا. هؤلاء ما يزكون أنفسهم، ما يزكون أنفسهم، يقولون: «أنا مثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام»، وإنما هؤلاء في أنفسهم يرونها أنها عندها قصور، وعندها ذنوب، وعندها خطايا، فيسألون الله العفو والعافية. فقال للرجل: «إن كان حقًا ما تقول، فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كان ما قلته أنت باطلًا، وليس فيّ ما قلت، فعفَا الله عنك». قال: وهذا الرجل استحى من الموقف، فقال: «بل عفَا الله عني، ما قلت فيك فإنه ليس حقًا، فإنه ليس حقًا». فانظروا كيف المواقف تثمر، واعترف الرجل أن ما قاله في علي بن الحسين كان باطلًا، ولم يكن صدقًا وحقًا. فلما يعامل المخالف بالتي هي أحسن، فإنه لا شك يرجع، يرجع ويتوب عما كان فيه. وبهذا أيضًا ما جاء في مناقب الإمام أحمد، ذكره ابن الجوزي، وأيضًا ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية عن الإمام أحمد رحمه الله، إمام أهل السنة والجماعة، أنه جاءه رجل، ويروي هذا ابن هان، قال: جاءه رجل فقال: «يا إمام، إني شربت شيئًا، وما أرى إلا أني وقعت فيك»، أي اغتابه، اغتاب الإمام أحمد وتكلم على الإمام أحمد، وكان في حالة سكر، وكان في حالة سكر وقعت فيه. هذه رواية ابن هان وغيرها، أنه جاءه رجل فقال: «لقد اغتبتك يا إمام». فماذا قال له الإمام أحمد رحمه الله تعالى؟ قال: «أنت في حل ما لم تعد»، واشترط عليه، قال: «أنت في حل ما لم تعد»، أي تعد إلى هذا الذنب العظيم. ما الذي أجرأك على أن تشرب المسكر، وعلى أن تقع في أعراض الناس؟ الغيبة، اكذروا عباد الله الغيبة، وهي الوقوع في أعراض الناس، تتكلم عليهم بما ليس فيهم، أو كان فيهم ولكنهم ليسوا حضورًا وشهودًا، ما يقدر على المواجهة، ولكن يذهب: «فلان فيه، فلان فعل، فلان ترك، وكذا». النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الغيبة، قال: «ذكرك أخاك بما يكره». فقال: «أرأيت يا رسول الله إن كان في أخي ما أقول؟» قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». وهذا شديد، فتصير إلى البهتان، والذي حذر منه ربنا سبحانه وتعالى، وتوعد أصحابه بالعذاب يوم القيامة. لهذا المسلم يحذر من الوقوع في أعراض المسلمين بغير حق. فالإمام أحمد رحمه الله تعالى، لما جاءه كتاب الواثق، كتاب الواثق، والواثق بعد المعتصم، جاءه كتاب الواثق بأن يعفو الإمام أحمد رحمه الله عن أخيه المعتصم، لأن المعتصم هو الذي في عهده ضرب الإمام أحمد، ضرب الإمام أحمد بالسياط حتى كان يغمى عليه، في فتنة خلق القرآن. فقال الإمام أحمد رحمه الله ردًا على الكتاب: «والله ما خرجت من داره»، أي من دار المعتصم، «إلا وقد جعلته في حل». ما هو بعد سنين، إمام يضرب حتى يغمى عليه، ويسجن، ويعذب من أجل أن يقول أن القرآن مخلوق. في عهد الواثق، ويرى الإمام أحمد السمع والطاعة للمعتصم، الذي كان أول أو بعد أبيه المأمون، وابتداء الفتنة كانت في عهد المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، ثم فرج الله عز وجل عنهم بالمتوكل، والذي أنهى هذه الفتنة ورفع شأن أهل السنة. فكان الإمام أحمد يقول: «والله ما خرجت من داره إلا وقد جعلته في حل». انظروا إلى إمام أحمد رحمه الله وتعالى، هذه الأخلاق العظيمة، وهذا مذكور ومشهور عنه الإمام أحمد في الآداب الشرعية وفي سيرته رحمه الله رحمة واسعة. وهكذا أيضًا من سادات التابعين عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الخليفة الذي قيل فيه أنه الخليفة الخامس، لما اشتهر عنه من العدل. هذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله، سمّه غلام، أي وضع السم لأجل أن يقتل عمر بن عبد العزيز. وقالوا: وكانت هذه مكيدة، يريدون التخلص منه، لأنه ما راق لهم حكمه، الأعداء كثر، فهم لا يرضون أن يحكم عمر بن عبد العزيز بالعدل، لهذا سعوا في قتله، فأغروا غلامه، وقالوا له: «إن وضعت السم نعطيك ألف دينار، ونعتقك بعد موته»، أي يصير الحكم لأحد خلفاء بني أمية الآخرين، ابن عبد الملك، ابن مروان، وهو هشام، الظاهر أنه بعد عمر بن عبد العزيز. فبعد ما عرف عمر رضي الله عنه، عمر بن عبد العزيز، قال: «يا مجاهد»، وكان ربما يفعل أشياء من آثار السم، قال: «ما يقول الناس عني؟» قال: «يقولون إنك مسحور». قال: «والله ما أنا بمسحور». ثم أمر لهذا الغلام، فقال له: «جيء به». فقال: «يا غلام، ما حملك على ما صنعت؟» قال: «ألف دينار أعطيتها، وأن أعتق بعد موتك». فقال له: «هاتي الألف دينار، وضعوها في بيت مال المسلمين، وضعوها في بيت مال المسلمين، وأما أنت فاذهب حتى لا يراك أحد». أي عفى عنه، وضع له سم وأراد قتله، ومع ذلك عمر رحمه الله قال: «فاذهب حتى لا يراك أحد». انظروا إلى الأخلاق العظيمة، قتل تصل إلى القتل، ومع هذا يعفو عن من أراد قتله، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك الرجل الذي ذكرنا قصته. وهكذا الخلفاء العظام يكونون في جانب عظيم من الأخلاق، فالرفعة والسمو والعزة من الله عز وجل تأتي لهؤلاء، كما قال موسى: «أي عبادك أعز؟» قال: «الذي إذا قدر غفر». هذا يعزه الله، عزيز عند الله سبحانه وتعالى، فإذا عزه الله لا أحد يستطيع أن يضعه. ولهذا قال: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه». فالرفعة من الله جل وعلا، مهما كاد بك الأعداء، وأنت على توكل من الله سبحانه وتعالى، وتعامل بالكتاب والسنة، فأنت في عز ونصر وتمكين، وإن كان قد تحصل لك في البداية بعض الإرهاصات، لكن العاقبة للمتقين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83]. يخلد الله عز وجل ذكرك في الناس بأنك عاملتهم بالذي أمرك الله سبحانه وتعالى به، وتبقى، تبقى صفحات التاريخ شاهدة لك لا عليك، بالمواقف المشرفة، بالمواقف المشرفة والعظيمة والجليلة في الأمة. والإمام البخاري رحمه الله تعالى، ذات مرة كما ذكر عنه، وأن له جارية، فدخلت عليه وكان يكتب، فوضعت، أو كانت المحبرة بجانبه، فجاءت رجلها وهي تمشي، وتعثرت، وضربت المحبرة، فطاش الحبر. فقال لها رحمه الله: «كيف تمشي؟» فردت عليه، فقالت: «كيف أمشي إذا لم يكن طريق؟» مع أن الطريق واسع، بس هي أرادت أن ترد على الإمام البخاري رحمه الله تعالى. فقال الإمام البخاري رحمه الله: هو ظن أنه في هذه اللحظة، لما قال لها: «كيف تمشي؟» يعني كلمة هذه ما ينبغي أن تقال، هي عذرت، والحبر وقع وسقط، كان يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله، ما جاء كذا، ما جاء كذا». فتذكر رحمه الله تعالى، قال: «كيف تمشي؟» تذكر أنه ما ينبغي أن يقول له هذه الكلمة، وقال: «اذهبي، فأنت حرة لوجه الله». فقيل له: «يا إمام، لقد أغضبتك، لقد أغضبتك». قال: «إن كانت أغضبتني فقد أرضيت نفسي، فقد أرضيت نفسي». أهم شأن أكون راضيًا بالذي فعلت، وأن هذا ما فيه تجاوز. نفوس عظيمة وقلوب سليمة طاهرة، تعامل الخلق بما هي أحسن. وهكذا مما ذكره أهل العلم في كتبهم عن ميمون بن مهران رحمه الله، وذكر هذا الإمام القرطبي في تفسيره عند قوله جل وعلا: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]. ذكر القرطبي أن ميمون بن مهران كان عنده ضيوف، فجاءت جارية له ومعها المرق، فعثرت، فانسكبت الصفحة، الصحف عليه، سقط المرق، مثل ما يفعل بعض الأطفال، يدخل فرحان يقدم للضيوف، فإذا المرق، أو مثلا الشاي، أو الشراب، يحصد، تعثر، فبعضهم قد يغضب، إن سكب على ثوبه وتبلل ثوبه، وهكذا فرحان، فلما هم، يعني غضب رحمه الله من هذا الموقف، بادرته الجارية، وكانت لعلها فقيهة أو شيء من هذا، فقالت: «يا مولاي، إن الله عز وجل يقول: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾». فقال: «قد عفوت عنك». أو قالت له الآية التي ذكرناها: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾، قال: «كظمت غيظي». قالت: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾، قال: «عفوت عنك». قالت: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، فقال: «اذهبي، فأنت حرة لوجه الله». يعني كملت الآية، ثلاثة أمور فعلتها، وهو يقول: «قد فعلت، قد فعلت، قد فعلت». فهذا مما ذكره العلماء رحمهم الله في سير هؤلاء العظماء الذين يتمثلون بالآيات الكريمة ويعملون بها. ونختم درسنا، درسنا، بقصة رجل من كندة، من حضرموت، يقال له المقنع الكندي، المقنع الكندي، اسمه محمد بن ظفر بن عمير الدوعني الكندي، وهذا كان من شعراء دولة الأموية، وعاش ما بين ستمائة هجرية إلى نحو ستمائة وثمانية وستين أو نحوها. كان هذا المقنع الكندي، قيل له المقنع، لأنه كان حسن الوجه جميلًا، فكان يخفي وجهه من الناس خوفًا من العين، وقيل لأنه كان في الحروب يقنع، أي يلثم وجهه، فلا يعرف أحد، وكان من الفرسان. هذا المقنع الكندي، كان أبوه غنيًا، وكان أميرًا في قومه، وكان ينازعه في الملك أخوه وأبناء أخيه، يريدون منه الملك. مات والده وترك له المال الكثير، وعمل المقنع رحمه الله بوصية أبيه، فكان ينفق المال على ذويه وبني عمه، يعني ما يقصر معهم، ينفق عليهم ويعطيهم، حتى نفد ماله، واستدان لهم، ما يريد أن يقال له بخيل، كان يذبح الذبائح ويعطي العطايا، رجل كريم، وخاصة في بني عمه. ثم طلب منهم أن يتزوج أختهم، بنت عمه، وكان يحبها حبًا شديدًا، فرفضوا بعدما صار فقيرًا وعليه ديون، رفضوا، قالوا له: «أنت الآن ما عندك شيء، أنت مديون»، مع أنه كان يستدين لهم، فما زوجوه أختهم. فقال، وكان شاعرًا، قال شعرًا يصف حاله مع بني عمه وقرابته، وتأمل هذه الأبيات التي يذكرها، فقد تقع في الواقع، قد تقع في الواقع الذي نعايشه. قال: يُعاتبُني في الدَّينِ قَومي وَإِنَّما ... دُيوني في أَشياءٍ تَكْسِبُهُم حَمدا أَلَم يَرَ قَومي أَنّي أُوسِرُ مَرَّةً ... وَأَعسِرُ أُخرى حَتّى تَبْلُغَ الجُهدا فَما زادَني اختِيارُهُم تَقرُّبًا ... وَما زادَني فَضلُ الغِنى عَنهُم بُعدا وَإِنَّ الَّذي بَيني وَبَينَ بَني أَبِي ... وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفٌ جِدّا أَراهم إِلى نَصرِي بَطِيئينَ وَهَمُهُم ... دَعَوني إِلى نَصرِهِم أَتيتُهُم شَدّا فَإِن يَأكُلوا لَحمي فَرَّت لَحومُهُم ... وَإِن يَهدِموا مَجدي بَنََيتُ لَهُم مَجدا وَإِن ضَيَّعوا غَيبي حَفِظتُ غُيوبَهُم ... وَإِن هَووا غَيّي هَوِيتُ لَهُم رُشدا وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِم ... وَلَيسَ رَئِيسَ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا ما أعظمها من أبيات، طبعًا أبيات طويلة، وإنما هذه مختطفات منها. انظروا حال هذا الرجل وسمو أفعاله الكريمة، فخلد التاريخ ذكرى المقنع الكندي رحمه الله. لهذا ينبغي على المسلم أن يكون ذا أثر طيب في مجتمعه، ذا أثر طيب في مجتمعه، فيعامل الخلق بالإحسان. ولعل من اللطائف ما ذكر عن الإمام ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن شيخه السعدي رحمه الله، أنه رآه بالمنام، فقال: «يا إمام، ما صنع الله بك؟» يقول لشيخه السعدي: «أو ما أنفع ما رأيت، وما أعظم ما رأيت، ما الذي نفعك في حياتك وفي قبرك بعد مماتك؟» فقال مجيبًا له: «قال: نفع الخلق، أو الإحسان إلى الخلق، نفع الخلق، أو الإحسان إلى الخلق، هذا الذي ينفع». فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنّه وكرم إحسانه أن يجعلنا وإياكم من عباده المحسنين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.