كتاب الصلاة 25

الدرس في كتاب الصلاة 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية الخشوع في الصلاة ومعناه

الخشوع هو لب الصلاة وروحها، ويتحقق بخوف الله واستشعار عظمته. يعين على الخشوع الابتعاد عن المشتتات وتعلق القلب بالآخرة.

أحكام تتعلق بالخشوع وتأثيرها على الصلاة

نهى النبي عن وضع اليد على الخاصرة في الصلاة لما فيه من تشبه باليهود وتحريك لليد لغير حاجة. هذا الفعل محرم لنهي النبي وتشبهه باليهود.

أحكام تقديم العشاء وصلاة المغرب والعشاء

يوصي حديث النبي بتقديم العشاء على صلاة المغرب إذا كان جاهزًا. اختلف العلماء في دلالة الأمر على الوجوب أو الاستحباب وكيفية التصرف في حالة ضيق الوقت.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي الحجري رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الصلاة، باب الحث على الخشوع في الصلاة: سأذكر رحمه الله في هذا الباب جملة من الأحاديث التي تحث على الخشوع في الصلاة. والخشوع في الصلاة قد مدح الله عز وجل عباده المؤمنين الموصوفين بذلك في قوله عز وجل: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾. والخشوع في اللغة هو السكون والانخفاض. قال الله جل وعلا: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن﴾، أي: سكنت. ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، يعني: منخفضة ساكنة. وأما في الشرع، فالخشوع في الصلاة هو حضور القلب وسكون الجوارح واستحضار ما يقوله المصلي أو يفعله من أول الصلاة إلى آخرها. والخشوع هو لب الصلاة وروحها. والذي يحمل الإنسان ويعينه على الخشوع هو الخوف من الله سبحانه وتعالى، واستشعار عظمة هذا المقام بين يدي الله سبحانه وتعالى. والخشوع يعني على قسمين: خشوع القلب وخشوع الجوارح، خشوع الباطن وخشوع الظاهر. وإذا خشع القلب خشعت الجوارح. كان حذيفة رضي الله عنه يستعيذ بالله جل وعلا من خشوع النفاق. كان يقول: «إياكم وخشوع النفاق»، فقيل له: ما خشوع النفاق؟ قال: «أن تخشع الجوارح ولا يخشع القلب». لأن حقيقة الخشوع هو خشوع القلب. والمسلم ينبغي أن يعتني بتحقيق هذا المقام العظيم في صلاته وعبادته، أن يكون خاشعًا لله. ومما يعين على الخشوع أن يتخذ الأسباب الجالبة للخشوع، وهو ما يسميه شيخ الإسلام رحمه الله بقوة المقتضي، وأن يدفع الأسباب التي تشغله وتمنعه من الخشوع، وهو ما يسميه رحمه الله بضعف الشاغل، كما ذكره في كتاب الفتاوى الكبرى. قوة المقتضي يعني العناية بالأسباب التي تعين المسلم المصلي على الخشوع، من استحضار عظمة هذا المقام الذي سيقوم فيه بين يدي الله سبحانه وتعالى. وأنه يقف بين يدي الله جل وعلا، ملك الملوك سبحانه وتعالى، لا ينبغي أن ينشغل بشيء في ذلك المقام العظيم. وكذلك أن يستحضر عظمة هذه العبادة والطاعة التي سيفعلها ويقوم بها، وكذلك عظمة أجرها وثوابها. وهكذا أيضًا أن يبتعد عن الأسباب التي تسلب منه الخشوع، من تعلق القلب بالدنيا ومشاغلها. بل ينبغي أن يجعل الدنيا خلفه، ولا ينشغل بشيء منها في صلاته. وهكذا يبعد الأشياء التي قد تشغله في الصلاة، من تصاوير نحو ذلك. حتى يتحقق له كمال الخشوع في صلاته. وكذلك يعلم المسلم أن حصول الأجر والثواب في الصلاة هو بقدر حضور القلب. هذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل ينصرف من صلاته ليس له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سُدسها، خمسها»، إلى آخر ما قال عليه الصلاة والسلام. كان بحضور القلب، فكلما كان القلب حاضرًا، كلما كان الأجر كاملًا، وكلما نقص حضور القلب، نقص من ذلك الأجر والثواب. واختلف أهل العلم بحكم الخشوع، وجمهور أهل العلم على أنه مستحب. وحكى الإمام النووي الإجماع، لكن ليس بصحيح، قد خالفه بعض أهل العلم كالحافظ العراقي رحمه الله، ذهب إلى الوجوب. وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يميل إلى الوجوب. لكن الصحيح هو الاستحباب، فلو أن المسلم صلى وغلبت عليه الوساوس في الصلاة والانشغال، فإن صلاته صحيحة، لكنها ناقصة الأجر. قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصرا»، متفق عليه. واللفظ لمسلم. ومعناه: أن يجعل يده على خاصرته. قال: وفي المختصر عن عائشة رضي الله عنها: «أن ذلك فعل اليهود في صلاتهم». ذكر هنا في أول هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مختصرا، ثم فسره المؤلف رحمه الله بقوله: أن يجعل يده على خاصرته. الخاصرة هي الموضع الذي يكون فوق الورك وأسفل العظم الأضلاع. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي الرجل مختصرا، يعني: يضع يده على خاصرته. وهذا التفسير هو التفسير الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم. ويؤيد هذا التفسير حديث عائشة رضي الله عنها في قوله: «أن ذلك فعل اليهود»، أنهم يضعون أيديهم على خواصرهم، فيكون النهي عن هذا الفعل في الصلاة حتى لا يتشبه المسلم باليهود. وعلى هذا، فما حكم وضع اليد في الخاصرة في الصلاة؟ فالصحيح أنه محرم، لنهي النبي عليه الصلاة والسلام، والأصل في النهي أنه للتحريم. وكذلك أن فيه تشبهًا باليهود، وتشبه بهم محرم. هذا هو القول الصحيح. وكان الجمهور ذهبوا إلى أنه مكروه. لكن أظهر هو التحريم. وما هي المناسبة من ذكر هذا الحديث في باب الخشوع؟ المناسبة في ذلك أن وضع اليد في الخاصرة فيه حركة وتحريك لليد لغير حاجة، فيكون في ذلك انشغال عن حضور القلب وسكون الجوارح والخشوع. الخاشع لا بد أن يكون حاضر القلب، ساكن الجوارح. قال رحمه الله: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا المغرب»، متفق عليه. وفيه أيضًا في آخره: «ولا تعجلوا عن عشائكم». وهذا لفظ البخاري. وخرجه مسلم بلفظ مقارب. العشاء هي وجبة العشي، الوجبة التي تؤكل في العشي، أي: العشي هو آخر النهار. وكانوا يتعشون قبل المغرب، يعني في آخر العصر قبل المغرب. وكانت هذه العادة موجودة في الأزمان القريبة. لكن مع ذلك أصبح الناس يتعشون بعد المغرب. وما زال إلى الآن في بعض القرى والبلاد يتعشون بعد المغرب. فمثلًا إخواننا في سقطرى إلى الآن ما زالوا يتعشون بعد المغرب. وإن كان غالب الناس اليوم أصبحوا يتعشون بعد العشاء، يتعشون بعد العشاء، ربما تأخروا في العشاء إلى منتصف الليل. وهذا لا شك أن فيه أضرار على البدن. فالمهم أنه النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا المغرب»، إذا قدم العشاء قبل الصلاة، فحينئذ يبدأ المسلم بالعشاء، يتعشى حتى يقضي حاجته، من ثم يقوم إلى الصلاة. ولو فاتت الجماعة، نقول: نعم، ولو فاتت الجماعة إلا تدرك منها شيئًا، فأنت معذور، وصلّيت إن وجدت أحدًا صليت معه، وإلا صليت في بيتك. لكن لا يتخذ الإنسان هذا ديدنًا، ما يتخذه عادة كل يوم قبل الصلاة بخمس دقائق ها هاتوا العشاء فابدأوا بالعشاء ويضيع صلاة الجماعة كل يوم. لا، إذا حصل هذا من غير قصد ومن غير تعمد، لا بأس. كان يبقى أن يحرص يعني أن يكون العشاء قبل موعد الصلاة وبعدها. لكن لو حصل هذا يعني جاء الإنسان مثلًا من عمله وهو جائع، قدم له العشاء، فأقيمت الصلاة، لا بأس يتعشى ثم يقوم إلى الصلاة، ليس عليه في هذا حرج. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم»، يعني: تعشوا بتمهل حتى تقضي نهمتك من ثم تقوم إلى الصلاة. وقول عليه الصلاة والسلام: «فابدأوا به»، هذا أمر، هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ جمهور أهل العلم أنه للاستحباب، يعني: يستحب أن يبدأ بالعشاء حتى يقضي حاجته من ثم يقوم إلى الصلاة. وذهب الإمام بن حزم رحمه الله إلى الوجوب، يجب أن يبدأ بالعشاء أولًا. ولهذا قال: لو قام إلى الصلاة قبل العشاء بصلاته باطلة. إذا قام قبل العشاء إلى الصلاة بصلاته باطلة. لكن الصحيح هو قول الجمهور، لو قام إلى الصلاة وترك العشاء، صلاة صحيحة، ليس عليه إثم، لكن الأفضل والأكمل أن يبدأ بالعشاء ثم بعد ذلك يقوم إلى الصلاة. لماذا؟ من أجل حضور القلب، من أجل الخشوع، المحافظة على الخشوع، لأنه إذا قام يصلي وهو يريد العشاء، سيصلي وقلبه متعلق بالعشاء، خاصة إذا كان العشاء دسمًا أو كان جائعًا، يعني سيدخل إلى الصلاة وقلبه عند الصحون. ليس هذا المقصود من الصلاة. إذن هنا يقدم العشاء ثم مع ذلك يصلي بحضور قلب، وكذلك سكون الجوارح. طيب هل هذا الحديث على عمومه حتى ولو ضاق الوقت؟ إذا ضاق الوقت يعني إذا قدم العشاء خرج وقت الصلاة، فهل يقدم العشاء حتى يصلي على خشوع ولو خرج الوقت؟ أو يحافظ على الوقت ويقوم من الصلاة ثم بعد ذلك يتعشى؟ الصحيح أنه يحافظ على الوقت فيصلي ثم بعد ذلك يتعشى. وهذا قوي، جمهور أهل العلم، وهو الصحيح أنه يقدم المحافظة على الوقت، فيقوم من الصلاة فيصلي ثم بعد ذلك يذهب إلى عشائه. قال بعض العلماء: بل له أن يقدم العشاء ولو خرج الوقت، محافظة على الخشوع. والقول الأول أقرب إلى الصواب. صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.