كتاب الصلاة 24

الدرس في كتاب الصلاة 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام المرور بين يدي المصلي

يتناول هذا الفصل حكم المرور بين يدي المصلي ومدافعة المار، حيث يشرح الحديث النبوي حول منع الشخص من المرور بين يدي المصلي ويبين حكم مدافعة المار بين السترة والمصلي.

حكم منع المار بدون سترة

يتناول هذا الفصل اختلاف العلماء في منع المار بين يدي المصلي إذا لم يكن له سترة، حيث رأى بعضهم عدم المنع بينما رأى آخرون المنع لعموم الأحاديث التي تدل على تحريم المرور.

اتخاذ السترة وأهميتها في الصلاة

يتناول هذا الفصل أهمية اتخاذ سترة أثناء الصلاة لمنع المرور أمام المصلي، ويشرح آراء العلماء حول الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع ودلالاتها الفقهية.

صحة الأحاديث المتعلقة بقطع الصلاة

يتناول هذا الفصل صحة الأحاديث المتعلقة بقطع الصلاة، حيث يناقش صحة حديث أبي ذر وحديث أبي سعيد ويشير إلى ضعف بعض الأحاديث التي تنفي قطع الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب سترة المصلي: قال عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» متفق عليه. وفي رواية: «فإن معه القرين». هذا الحديث حيث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بمدافعة من أراد أن يمر بين يدي المصلي، هو الحديث في الصحيح البخاري، وله قصة. أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه كان يصلي في يوم جمعة، فجاء فتى أراد أن يمر بين يديه، فدفعه، فنظر هذا الفتى فلم يجد مكانًا إلا بين يدي أبي سعيد، فأراد أن يمر، فدفعه بقوة، فذهب يشكوه إلى مروان. فدعاه مروان فسأله، قال: ما لك؟ قل: ابني أخيك، فذكر له هذا الحديث. وقوله: «فليدفعه» يعني يمنعه من المرور، يمنعه من المرور. وقوله: «فإن أبى فليقاتله» يعني يدفعه بشدة، يدفعه بشدة، ليس المراد بالمقاتلة المقاتلة الحقيقية، يعني يأخذ السلاح ويقاتله، وإن قال بهذا بعض الشافعية، لكن أكثر أهل العلم على أن المراد بالمقاتلة هي الدفع بشدة. وقوله: «فإنما هو شيطان» يعني ذكر لسبب حرصه على المرور أنه شيطان، إما أن المراد فيه شيطان يعني فيه تمرد كالشيطان، أو «فإنما هو شيطان» يعني يدفعه إلى المرور بين يديه الشيطان. ويدل على ذلك رواية الرواية الأخرى: «فإن معه القرين»، هذه الرواية تفرد بها الإمام مسلم، «فإن معه القرين» يعني قرينه من الجن؛ لأن ما من إنسان إلا وله قرين من الملائكة وقرين من الجن، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال الصحابة: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم. هذا الحديث فيه أن المسلم إذا صلى إلى سترة، وأراد أحد أن يجتاز يمر بينه وبين السترة، فإنه يمنعه. وقوله: «بين يديه» هذا من باب ذكر البعض وإرادة الكل، «فليدفع» يعني يمنعه من المرور، يبدأ بالأسهل فالأسهل، أولًا يضع مثلًا يده، فإن أبى أصر إلا أن يمر فيدفعه بقوة. طيب إذا دفعه بقوة وسقط وانكسرت يده وانكسرت قدمه، هل يضمن الدافع؟ الجواب: لا، لا يضمن، بل حتى لو تلف ومات، ليس على الدافع شيء؛ لأن هذا الدفع ما ذون له الشرع، الشرع أذن له بأن يدفعه، والقاعدة الشرعية أن ما ترتب على المأذون غير مضمون. قوله عليه الصلاة والسلام: «فليدفعه» هذا أمر، فهل يدل ذلك على وجوب مدافعة أو دفع من أراد أن يمر، أو أن ذلك على جهة الاستحباب؟ أكثر أهل العلم قالوا: بأن قوله عليه الصلاة والسلام: «فليدفعه» أن هذا على جهة الاستحباب والندب. حتى قال الإمام النووي رحمه الله: لا أعلم أحدًا قال بالوجوب، وتعقبه الحافظ ابن حجر رحمه الله بأن هناك من قال بالوجوب، وهو رواية عن إمام أحمد، وهو قول كذلك الظاهرية، وقال به الإمام الصنعاني، وهكذا أيضًا الإمام الشوكاني، وهذا هو الصحيح؛ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب، ولا صارف يصرف هذا الأمر إلى الاستحباب. قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه»، هل هذا المنطوق له مفهوم؟ الآن منطوق الحديث أن الإنسان إذا صلى إلى سترة فلا يجعل أحد يمر بين يديه ويمنعه، هل مفهوم ذلك أنه إذا صلى إلى غير سترة لا يمنع أحد أراد أن يمر؟ هذا خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: الدفع ومنع المار بين يديه المصلي هذا في حق من صلى إلى سترة؛ لهذا الحديث: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره»، قالوا: أما من صلى إلى غير سترة فهذا لا يمنع أحد أراد أن يمر بين يديه؛ لأنه مفرط لأنه مفرط في ترك السترة وعدم الصلاة إلى سترة. هذا القول قال به الإمام الخطابي والإمام البغوي، وكذلك الإمام النووي، وهكذا أيضًا الإمام ابن القيم رحمه الله، وابن حجر، والصنعاني، فهؤلاء قالوا: هذا الدفع هو في حق من صلى إلى سترة، وأما من لم يصل إلى سترة فإنه لا يمنع أحد ولا يدفع أحد أراد أن يمر بين يديه. وسبب هذا الخلاف هو كما ذكرنا: هل هذا المنطوق له مفهوم أم لا؟ فإن قيل: أن له مفهوم، إذن لا يمنع الذي صلى إلى غير سترة أن يمر أحد بين يديه. وجاء في بعض الروايات حيث أبي سعيد لم يقيد هذا الحكم بمن صلى إلى سترة، وجاء أيضًا في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عمر إطلاق هذا الحكم من غير تقييد الصلاة إلى سترة، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم أو إذا كان أحدكم يصلي فأراد أحد أن يمر بين يديه فليقاتله فإن معه القرين»، وهذا اللفظ ليس فيه تقييد هذا الحكم بالصلاة إلى سترة. وهنا أتى الخلاف: يعني هل يحمل المطلق على المقيد؟ الآن هذا الحكم قيد في أبي سعيد بمن صلى إلى سترة، وأطلق في حديث ابن عمر بأنه عام ولو صلى إلى غير سترة. فمن قال بأنه يحمل المطلق على المقيد قالوا: فإنه لا يدفع إلا من صلى إلى سترة، ومن قال بعدم حمل المطلق على المقيد قالوا: فإنه يدفع من أراد أن يمر بين يديه ولو صلى إلى غير سترة، وهذا القول الثاني هو الأظهر، ويؤيده حديث أبي الجهم ذي مرة معنا في قول عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه»، يعني أن مرور المار بين يدي المصلي إثمه عظيم، بل كبير من كبائر الذنوب كما عدّه الإمام الشوكاني رحمه الله. فكيف يمكنه أن يمر بين يديه؟ كيف يمكنه من فعل هذا الإثم ويجعله يمر ولا يمنعه؟ فهذا يدل على أنه ينبغي أن يمنعه ولو صلى إلى غير سترة، فهذا من باب التعاون على البر والتقوى والمنع من الإثم والعدوان. وعلى هذا فيحمل حديث أبي سعيد على جهة التغليب؛ أن الغالب يعني أن الإنسان يصلي إلى سترة، وليس قيد له مفهوم واضح، وعلى هذا فيكون لا مفهوم له، ويكون هذا الحكم عامًا فيمن صلى إلى سترة وفيمن لم يصل إلى سترة، فإنه يمنع من أراد أن يمر بين يديه. قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصًا، فإن لم يكن فليخط خطًا، ثم لا يضره من مر بين يديه» أخرجه أحمد وابن ماجة، وصححاه، ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن. هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجة، وابن حبان من طريق إسماعيل بن أمية عن أبي عمر بن محمد بن حريث عن جده عن أبي هريرة، والحديث ضعيف؛ فأبو محمد هذا مجهول، وجده كذلك مجهول، وإسماعيل بن أمية اضطرب في هذا الحديث اضطرابًا شديدًا، ولهذا ضعفه جمع من الحفاظ منهم الإمام ابن عيينة والإمام الشافعي والبغوي والإمام الدارقطني في العلل، وهكذا أيضًا الإمام العراقي والإمام ابن الصلاح. حتى جعله الإمام ابن الصلاح من أمثلة الحديث المضطرب في كتابه المقدمة، وقال الإمام السخاوي: حكم غير واحد من الحفاظ بالاضطراب سنده، وعزاه الإمام النووي رحمه الله للحفاظ. هذا الحديث لا يصح. وهذا الحديث فيه أن المصلي إذا أراد أن يصلي فإنه يحرص على أن يجعل شيء تلقاء وجهه يعني يتخذ سترة، هذا المعنى صحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصلي إلا إلى سترة»، إذا أراد أن يصلي يحرص على اتخاذ سترة: سارية، جدار، شجرة، كومة من الرمل، أي شيء يجعله سترة ويصلي إليه. فإذا لم يجد قال: «فلينصب عصًا»، فإذا لم يجد قال: «فليخط خطًا»، إنسان في صحراء أراد أن يصلي ما وجد شيء، ففي هذا الحديث أنه يخد خط ويصلي. فمن قال به من قال بهذا الحديث قال: يخد خطًا ويصلي، ومن لم يقل به هو قول جمهور أهل العلم، فإنه يصلي ولا يخط خطًا ويكون معذورًا يعني هذا واجب عجز عنه، وعلى هذا فلا يسقط عنه؛ لأنه لا واجب مع العجز، والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. على القول بالخط يعني اختلفوا كيف يخط؟ من من قال: يخط طولًا يجعل خط هكذا ويصلي، ومن من قال: يخط عرضًا يجعل خط عرضًا هكذا أو كالهلال أمامه، والإمام محمد رحمه الله استحب ذلك يعني كالأمرين، قال: يجوز والأفضل العرض أن يجعل الخط عرضًا. لكن كما سمعنا حديث الخط ضعيف، قال الإمام مالك رحمه الله: الخط باطل يعني حديث الخط هذا باطل لا يصح. وبعض العلم يعني وإن ضعف الحديث قال: لا بأس أن يجعل الخط، لا بأس أن يخط خطًا كالإمام النووي رحمه الله. قال رحمه الله: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقطع الصلاة شيء وادرأوا ما استطعتم» أخرجه أبو داود، وفي سنده ضعف. نعم هذا الحديث ضعيف، فيه سنده مجالد بن سعيد وهو ضعيف، وقد جاء من طرق أخرى، جاء من حديث أنس، أبي أمامة، وكلها ضعيفة. وهذا الحديث استدل به الجمهور الذين قالوا بأنه لا يقطع الصلاة شيء، قال: «لا يقطع الصلاة شيء»، وهذا صريح في هذا الحكم، لكنه ضعيف ليس بصحيح. وصل صحيح كما مر معنا أن مرور الحمار والمرأة والكلب الأسود يقطع الصلاة لحديث أبي ذر، وأصح من هذا الحديث، ولهذا قال الإمام أبو حاتم كما ذكر ابن أبي حاتم في العلل أنه قال: حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الكلب الأسود البهيم» أصح من حديث أبي سعيد «لا يقطع الصلاة شيء». والإمام الجوزي في العلل المتناهية قال: ليس في هذه الأحاديث شيء صحيح يعني حديث القطع أنه لا يقطع الصلاة شيء، هذه كلها ضعيفة. وبهذا نكون انتهينا من قراءة ما في الأحاديث هذا الباب، وبعده إن شاء الله باب الخشوع في الصلاة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.