كتاب الصلاة 23

الدرس في كتاب الصلاة 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في قطع الصلاة بمرور بعض المخلوقات

شرح حديث أبي ذر حول قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود، واختلاف أهل العلم في المراد بالقطع.

القول الثاني في تفسير قطع الصلاة

يناقش القول الثاني بأن المراد بالقطع هو بطلان الصلاة بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود، واستدلاله بروايات بعض الصحابة والإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية.

تفاصيل أحكام مرور الكلب والمرأة والحمار أمام المصلي

يناقش تفاصيل أحكام مرور الكلب والمرأة والحمار أمام المصلي، وآراء أهل العلم في تفسير الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «البلوغ» في كتاب الصلاة، في باب سترة المصلي: قالوا، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقطع صلاة الرجل المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل، المرأة والحمار والكلب الأسود» الحديث، وفيه: «الكلب الأسود شيطان» أخرجه مسلم. قال: وله عن أبي هريرة نحوه دون الكلب، ولأبي داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه دون آخره، وقيد المرأة بالحائض. حديث أبي ذر رضي الله عنه في صحيح الإمام مسلم، ولفظه: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يفسد صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود». قلت يا أبا ذر -والقائل هو عبد الله بن الصامت الراوي عنه-: قلت يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان». وقوله: «له عن أبي هريرة نحوه» يعني مسلم أخرج مسلم الحديث حيث أبي هريرة نحو حديث أبي ذر، قال: دون الكلب. «دون الكلب» يعني دون ذكر الكلب، لكن الحديث في مسلم فيه ذكر الكلب، فيه ذكر الكلب، ولفظه: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل». فقول الحافظ: «دون الكلب» يعني ظاهره أنه لم يذكر الكلب، لكن ذكره الإمام مسلم، فيكون هذا وهمًا من الحافظ رحمه الله. وحديث ابن عباس قال: نحوه -يعني نحو حديث أبي ذر- أخرجه أبو داود والنسائي، «دون آخره» يعني دون آخره، يحتمل أن يراد دون آخر حديث أبي هريرة، وهو قوله: «ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل»، أو يكون مراد دون آخره أي دون آخر حديث أبي ذر، وهو قوله: «ما بال الكلب الأسود من غيره». وهذه الأحاديث فيها أن المصلي إذا كان يصلي إلى سترة فلا يضره مرور هذه الأمور الثلاثة: المرأة والحمار والكلب الأسود إذا مرت من ورائه، فإنها لا تضر بصلاته. وأما إذا كان يصلي إلى غير سترة ومرت أحد هذه الأمور الثلاثة، فإنها تقطع صلاته، فإن صلاته تقطع صلاته. واختلف أهل العلم في المراد بالقطع: هل المراد به البطلان أو المراد به نقصان الأجر في الصلاة؟ فجمهور أهل العلم على أن المراد بالقطع في هذا الحديث هو النقصان وليس البطلان، قالوا: المراد بالقطع أنه يعني ينقص في صلاته، يكون نقصًا بصلاته بما يكون من الانشغال بمرور هذه الأمور الثلاثة، واستدلوا بحديث: «لا يقطع الصلاة شيء»، وادرأوا ما استطعتم، والحديث سيأتي في آخر هذا الباب، وهو حديث ضعيف لا يصح. والقول الثاني: أن المراد بالقطع البطلان، أن المراد بالقطع بطلان الصلاة، وهذا القول روي عن بعض الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وأنس، وهو رواية عن الإمام أحمد، رواية عن الإمام أحمد، وبه قال الإمام قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والإمام ابن القيم، وهكذا أيضًا الشيخ الألباني رحمه الله يذهب إلى كذلك البطلان، أن هذه الأمور الثلاثة إذا مر أحدها والمصلي يصلي إلى غير سترة، فإن صلاته تبطل. والإمام أحمد في رواية ذهب إلى أنه لا يقطع الصلاة إلا مرور الكلب فقط، إلا مرور الكلب فقط، قالوا: في نفسي من الحمار والمرأة شيء. أما الحمار فلحديث ابن عباس لما مر بين يدي بعض الصف، والحديث في الصحيحين، قالوا: أما المرأة فلحديث عائشة حين صلى النبي عليه الصلاة والسلام وهي معترضة أمامه، كانت على السرير والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهي في قبلته، ثم تعرض لها الحاجة فتنسل -يعني تنسحب وتذهب- ولما ذكر لها هذا الحديث أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود، قالت: «شبهتمونا بالحمير والكلاب»، قالت رضي الله عنها: «شبهتمونا بالحمير والكلاب»، فليأت هذا. قال إمام أحمد: في نفسي شيء من المرأة والحمار، أما الكلب فلم يأت شيء عارضه، لم يأت شيء عارضه، فقال بقطع الصلاة بمرور الكلب. والأرجح والقول الثاني: أن مرور هذه الثلاثة بين يدي المصلي إذا لم يكن يصلي إلى سترة أنها تبطل صلاته، ويدل على ذلك أن الأحاديث التي فيها قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة صريحة بذلك، حديث أبي ذر، حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس. والأمر الثاني: أنه قد جاء صريحًا بالأمر بإعادة الصلاة إذا مر أحد هذه الثلاثة، كما عند الإمام ابن خزيمة، فقد جاء حديث أبي ذر بلفظ: «تعاد الصلاة من ممر الحمار والمرأة والكلب الأسود»، وهذه الرواية صححها شيخ الألباني رحمه الله، وهي صريحة بالبطلان. وكذلك أيضًا أن هذا فهم -يعني الصحابة رضوان الله عليهم- وقد صح عن ابن عمر كما عند ابن أبي شيبة أنه كان يصلي مع بكر بن عبد الله المزني، فمر جرو -كلب صغير- بين يدي بكر بن عبد الله المزني، فقال له ابن عمر: «عليك أن تعيد»، «عليك أن تعيد»، «ولا أعيد أنا لأنه مر بين يديك»، «لأنه مر بين يديك». وكذلك أيضًا أن القول أن المراد بها النقصان والانشغال، هذا يحصل بمرور أي شيء -يعني حتى لو كان المرور بغير هذه الأمور الثلاثة- لو مرت شاه أو مرت هرة أو مر غير ذلك، لحصل الانشغال، إذن ليس هذا هو المقصود بالقطع، بل دل هذا أن المراد شيء زائد عن مجرد النقصان والانشغال، فيكون الراجح أن المراد بالقطع هو البطلان، بطلان الصلاة بمرور أحد هذه الأمور الثلاثة. حديث عائشة كيف يوجه كونها تصلي بين يدي النبي عليه السلام؟ يقال: هذا فرق -يعني فرق بين المرور وبين ماذا- أن تكون أمام المصلي، المصلي فرق بين المرور وبين كونها أمام المصلي متجعة، فهي لم تمر بين يديه، وإنما كانت متجعة على السرير وهو متوجه إلى -يعني جهة القبلة- فهي لم تمر بين يديه، فليس بهذا معارضة لحديث أبي ذر بقطع الصلاة بمرور المرأة. وأيضًا حديث ابن عباس في مروره بالحمار بين يدي الصف، فابن عباس لم يمر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما مر بين يدي المأمومين، مر بين يدي المأمومين، ومعلوم أن الإمام سترة للإمام سترة لمن خلفه، سترة الإمام سترة لمن خلفه، فليس بهذا -يعني معارضة- لقطع الصلاة بمرور الحمار. وفي هذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله في «الزاد»: «إنما عارض أحاديث القطع إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح»، صريح غير صحيح كحديث: «لا يقطع الصلاة شيء»، هذا صريح لكن ليس بصحيح، وصحيح غير صريح كحديث ابن عباس في مروره بالحمار بين يدي الصف، وأحاديث عائشة رضي الله عنها. ومن باب التنبيه: كنت ذكرت كلام ابن القيم هذا في الكلام على حكم السترة، ذكرته في الدرس الماضي، في كلام ابن القيم أن ما عارض أحاديث إما صحيح غير صريح أو صريح غير صحيح، ذكرته في الكلام على حكم السترة، وهذا وهم، وإنما ذكره ابن القيم رحمه الله في هذا الموضع فيما يتعلق بقطع الصلاة، أن ما عارض أحاديث القطع إما صريح غير صحيح، وإما صحيح غير صريح. طيب، في حديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي أنه قيد المرأة بالحائض، وفي حديث أبي ذر وحديث أبي هريرة المرأة مطلقة لم تقيد لم تقيد بالحائض، وهنا حمل أهل العلم المطلق على المقيد، ما أطلق في حديث أبي هريرة قيد بحديث ابن عباس، فيكون قطع الصلاة بمرور المرأة، المرأة الحائض والمرأة البالغة، فإذا مرت الصبية الصغيرة ومن لم تكن بالغة فإنه لا تقطع بها الصلاة. وهكذا أيضًا الذي يقطع الصلاة من الكلاب الكلب الأسود خاصة، يعني سئل أبو ذر: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر؟ لماذا هذا التفريق؟ قال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فقال: «الكلب الأسود شيطان». قال بعض أهل العلم: يعني أن الشيطان يظهر بصورة الكلب الأسود، يظهر بصورة الكلب الأسود، وقيل: شيطان أن فيه شرًا فيه شر وتمرد خلاف غيره من الكلاب، فلهذا خص بهذا الحكم دون غيره من الكلاب. وهكذا أيضًا في الحكم بقطع الصلاة بمرور الحمار، بمرور الحمار، هل هذا يعم الحمار الأهلي والوحشي أو أنه خاص بالحمار الأهلي؟ طبعًا غالبًا الحمار الذي يعيش مع الناس هو الحمار الأهلي، يسمى الحمار الأهلي أو الإنسي الذي يستعمله الناس ويحملون عليه ويركبون عليه، وقد يكون مراد بقوله: «والحمار» أي هذا الحمار الحمار الأهلي، لكن لو مر الحمار الوحشي لو وجد مثلًا، فظاهر الحديث العموم. طيب، هنا أيضًا مسألة أخرى وهي: قوله: «يقطع صلاة الرجل» يقطع صلاة الرجل المرأة والحمار إلى آخره، قوله: «صلاة الرجل»، هل هذا الحكم يعني خاص بالرجال؟ يعني إذا مرت المرأة الحائض أو الحمار أو الكلب بين يدي الرجل بطلت صلاته؟ طيب إذا كانت المصلية امرأة ومرت أمامها امرأة، هل تبطل صلاتها أم لا؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: لا تبطل صلاتها، صلاة المرأة أو مرور المرأة أمام المرأة لا يبطل به الصلاة، ومنهم من قال: بل تبطل، تبطل به الصلاة، وهذا هو الأظهر أنه تبطل به الصلاة، وذلك لعموم الأحاديث الأخرى التي لم تقيد بذكر الرجل، إذا أبي هريرة قال: «يقطع الصلاة»، هذا عام يشمل الرجل ويشمل المرأة، والأصل أن النساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما جاء الدليل بتخصيص الحكم بالرجال دون النساء، وليس هناك دليل يخص -يعني الرجال- بهذا الحكم دون النساء، وعلى هذا فيكون هذا الحكم عام للرجال وللنساء، فمرور المرأة أمام المرأة كذلك إذا كانت تصلي إلى غير سترة فإنها تقطع صلاتها بذلك. نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.