الدرس في كتاب البيوع 51، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل شرط الصلح في الدين وأنواعه، حيث يوضح أن الصلح على قسمين: صلح على إقرار و صلح على إنكار. كما يبين أن بعض الشروط في الصلح قد تكون غير جائزة.
ذكر المؤلف أمثلة على صلح غير صحيح مثل الصلح بشرط الإسقاط أو التأجيل، أو الصلح على سكنى دار، أو إقرار بالعبودية مقابل مال، أو إقرار بالزوجية بعوض، وكل هذه الأمثلة لا تجوز شرعاً.
الصلح عن الدعوى جائز إذا لم يتضمن تحليل ما حرم الله، مثل التنازل عن دعوى الزوجية مقابل عوض. أما إذا كان الصلح عن دين مقابل تنازل عن جزء منه، فإن الإقرار بالأصل صحيح، لكن الصلح عن الباقي غير صحيح إذا كان حقا ثابتا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وما بعد. قلنا: الصلح هنا الذي يبحث الفقهاء هو الصلح في الأموال، والصلح على قسمين؛ صلح على إقرار، وصلح على إنكار. صلح على إقرار: أي يقر أنه عنده هذا الشيء، ثم يصطلحون على شيء بينهم. وصلح على إنكار: أن ينكر أنه عنده مال، أو ينكر أنه عنده هذا العدد أو هذا المال. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- شيء طيب. فلا يجوز له أن يشترط، كما قلنا: لا يجوز له أن يشترط، أما أن يجوز -مثلا- أن يسقط شيئا من الدين، أو يؤجله، فلا بأس؛ أيضا إن أسقط وأجّل، فعلى الصحيح -كما قلنا- لكن لا يجوز أن يكون شرطا. قال: "وإن صالح أحدا مؤجّلاً ببعضه حالا لم يصح". يعني: أن يقول -مثلا- عليه مثلا مئة ألف إلى سنة، فيقول له الدائن: أعطني خمسة آلاف حالا، أو مثلا عشرة آلاف، أعطني إياها الآن، وأسقطك أربعين ألفا من الدين. هم اتفق -معنى اتفاقهم- كان على سنة، لكن بعد شهرين يقول له: أعطني من الدين كذا وكذا، وأسقط عليك كذا. فهنا يقول: إن هذا الفعل لا يجوز، وليس هناك في الأدلة ما يمنع؛ إذا كان اتفقوا على هذا، فما في شيء. مثلا، أحيانا يقول الشخص: محتاج إلى مال، وماله عند صاحب الدين، فيقول له -مثلا- أعطني كذا وكذا من الدين، وأنا مسامحك في كذا، فهو محتاج، فهذا ليس فيه ما يدل على الحرام، ليس فيه ضرر عليه؛ لأنه صاحب المال، ومن دائما أنه هو الذي اشترط، فما في شيء، ليس هذا معنى المدين هو الذي اشترى، وانما هذا الدائن يقول له: معنى هذا لأجل الإسقاط، لأجل -مثلا- أنه يدفع المال، هذا متى؟ إذا كان لم ينته الأجل. أما إذا انتهى الأجل، فله ذلك، وله أن يطالبه. لكن إذا لم ينته الأجل، فقال له -مثلا- أعطني مئة ألف، أو أعطني مثلا خمسين ألفا، وأسقط عليك الخمسين الباقي، فهذا لا شيء فيه إذا وافق الشخص -معنى المدين- ما في شيء. إذا لم يوافق، فهو ليس ملزما. ولهذا اختار شيخ الإسلام وغيره: أن هذه المعاملة جائزة، وهو الذي اختاره السعدي أيضا، وغيره: أنه هذه المعاملة صحيحة، لا شيء فيها، وليس فيها ما يدل على الحرام. قال: "أو بالعكس". أو العكس: نفس المسألة التي تقدمت، اشتراط -معنى- نفس المسألة التي تقدمت: أن وضع بعض حالا، وتأجيل باقي، أو الإسقاط فقط. وكأن المؤلف أخذ هذه الكلمة من المتون، ولم ينتبه أنه قد جاء بهذه المسألة: أنه -أشبه العكس- أنه يقول له: سأعطيك قبل الأجل، قبل أن ينتهي الأجل، يقول له: سأعطيك -مثلا- كذا وكذا، وتسامحني في الباقي. سأعطيك -مثلا- عنده مئة ألف، يقول له: سأعطيك خمسين ألفا، وتسامحني في الباقي، أو تسقط عني الباقي، أو تؤجله. هذا إن وافق، لا بأس. قال: "وقر له ببيت، فصالحه على سكنه، أو يبني له فوقه غرفة لم يصح". سبب عدم الصحة: يقولون: هو المعاوضة. فإذا أقر أن هذه الدار له، لكن يشترط عليه أن يسكنها إلى سنة، أو أن يبني له غرفة فيها، فيقولون: إن هذا معاوضة على الحق المقَر به. خاصة -كما قلنا- إذا كان على طريقة الشرط، فيقول له -مثلا- أنا أقر أن هذا بيتك، لكن ما سأعطيك إياه إلا بشرط تصالحني سنة. هذا لا يجوز. فهذه الطريقة لا تجوز؛ لأنه أولا هذا الحق حقه، لماذا تشترط عليه؟ ما سأعطيك هذا إلا أن تعطيني كذا، أو تسقط عني كذا. ما أعطيك إياه هذا الدار إلا أن تجعلني فيها سنة. ما يلزم هذا، ما يلزم هذا في الصلح. فهذا افتيات على مال الآخرين. قال: "أو صالح مكلفا ليقر له بالعبودية على رجل حر". وقال له: أقر لك، أو قال له: أقر لي بالعبودية، وأعطيك كذا وكذا. فهذا لا شك أنه حرام، ولا يجوز. وقد قال النبي ﷺ: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة"، وذكر منهم: "رجل باع حرا فأكل ثمنه". وهذا مثله، وإنما يريد أن يعطيه مالا -مثلا- احتاج للمال، فجاءه، فقال له: أقر أن لك، أو لي، أنك عبدي، سأعطيك هذا المال. هذا لا يجوز؛ لأنه تحليل ما حرم الله. "أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض لم يصح". على نفسها أيضا، إذا قالت امرأة: أقر لي بأنك زوجتي، وأعطيك كذا وكذا. هذا أيضا لا يصح؛ لأنه استباحة فرج قد حرمه الله، وبغير طريقة شرعية. قال: "وإن بذلاه ما له صلحا عن دعواه صح". إذا قال له: نحن نبذل لك العوض، نعوضك على هذا الأمر، لكن اترك هذه الدعوة. إذا قال: إذا هذا، فالمسألة الأولى يقول له: أعطيك مالا، وأقر على ذلك. والمسألة الثانية هنا: إذا قال له: خلاص، أنا أعطيك مالا، وأسحب هذه الدعوة، على أني عبدك، أو المرأة تقول له: اسحب هذه الدعوة، على أني زوجتك، وتعوضه بشيء، هذا جائز. معنى هذا: الآن الذي ادعى أنه عبدا له، أو امرأة ادعت أنها زوجته، ممكن -مثلا- يأتي بشهود أنها زوجته. فالآن تريد أن تصرف عنه هذا الأمر، تريد له -مثلا- تقول له: سأعطيك مالا، لكن اسحب هذه الدعوة. فهذا الطريقة قالوا: يصح. لماذا؟ لأنه ليس فيه تحليل ما حرم الله، بل فيها دفع. قد يكون شيء محرم الآن، ما تعترف أنها زوجته. أحيانا يحصل خلط، أو مثلا عدم اتفاق في مسألة العقد، وغيره، فيحصل مثل هذا. قال: "وإن قال: أقر بديني، ويعطيك منه كذا، ففعل". صحة الإقرار، لا الصلح. معنى هذه: معنى ظاهر، كأنها حيلة. يقول له: أقر لك بديني، فأعطيك منه النصف. معنى: يقول له -مثلا- يدعي عليه مئة ألف، يقول له: أنا مقر، أنا عندي مئة ألف، أو سأقر لك: أنا عندي مئة ألف، لكن سأعطيك نصفها. هو الآن يطلب إقراره، ويريد الآن إقراره، فيقول له: سأعطيك نصف، خمسين فقط. خلاص انتهى، والباقي تسقطه. فممكن هذا صاحب الدائن هذا يرضى؛ لأنه يريد مالا، فيقول: خلاص تمام، يصطلحون على هذا. هنا يقول: الإقرار صحيح، لكن الصلح ليس صحيح. معنى الإقرار: أنه أقر مئة ألف، هذا صحيح، لكن إلزامه بأنه يكون نصف، هذا الصلح ليس صحيح. فالصلح لا يحق، ولا يصح؛ لأنه حق ثابت له. فلهذا إذا كان هذا العوض، أو هذا الصلح لعجل هذا، فالصلح غير صحيح، لكن الإقرار يكون صحيحا. إذا كان -مثلا- عند القضاء، يطالبه القاضي بالإقرار. أما الصلح، فيلغى. في مسألة، مسألة المجهول، لكن -إن شاء الله- نجعلها ما بعد ترجمة نانسي قنقر.