الدرس في كتاب الصلاة 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث أبي ذر الذي يرويه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه حول حكم مسح الحصى أثناء الصلاة، وتناول ضعف إسناد الحديث وشهادة حديث معيقيب الصحيح له.
تناول نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تسوية الحصى أثناء الصلاة إلا عند الضرورة، وشرح العلة في ذلك وهي الانشغال عن الخشوع، كما ذكر النهي عن الالتفات في الصلاة واعتباره اختلاسا يفعله الشيطان.
الالتفات في الصلاة نوعان: بالقلب وبالبدن، وهو مكروه عند جمهور العلماء وقد يكون محرما إذا كان بغير حاجة، بينما يجوز عند الحاجة، وينبغي للمصلي تجنب الالتفات لضمان صحة الصلاة.
الحمد لله رب العالمين، وصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام» في باب الحث على الخشوع: وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه». رواه الخمسة بإسناد صحيح، وزاد أحمد: «واحدة أو دع». هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق سفيان عن الزهري عن أبي الأحوص عن أبي ذر. وأبو الأحوص هذا لم يرو عنه غير الزهري ولم يوثق، إن لم يكن يحيى بن معين فهو مجهول. ولهذا قال النسائي: «لا نعرفه». وقال ابن معين: «ليس بشيء». وقال ابن القطان: «لا يعرف له حال». وعلى هذا فالحديث ضعيف. الحديث بهذا السند ضعيف. ومع ذلك أيضا قد خولف في هذا الحديث، فقد رواه الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذر أنه قال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن كل شيء حتى سألته عن مس الحصى، فقال: «واحدة أو دع». قال: «واحدة أو دع». وابن أبي ليلى هذا سيء الحفظ، ابن أبي ليلى سيء الحفظ، لكن يشهد لحديثه حديث معيقيب الذي ذكره المؤلف رحمه الله بعد هذا الحديث في قوله: «وفي الصحيح عن معيقيب نحوه بغير تعليل». وحديث معيقيب وهو في الصحيحين، وفيه ذكر هذا المعنى، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تمسح الحصى، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: إن كنت فاعلا فواحدة». أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت فاعلا فواحدة». هذا لفظ حديث معيقيب عند البخاري، ورواه مسلم أيضا. نعم، هو عند البخاري ومسلم بهذا اللفظ. فهذا الحديث، حديث معيقيب يشهد لحديث أبي ذر الذي هو من طريق أبي ليلى عند الإمام أحمد، أنه إذا أراد أن يمسح الحصى فواحدة، يعني مرة واحدة. وصحح الحديث، حديث أبي ذر هذا عند الإمام أحمد الشيخ الألباني رحمه الله، وذكر ما يتعلق بهذا الحديث في الحكم عليه في كتابه «إرواء الغليل». فالآن الحديث الذي صح هو ما رواه الإمام أحمد من طريق أبي ليلى عن أبي ذر بلفظ أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن كل شيء حتى سأله عن مس الحصى، فقال: «واحدة أو دع». طيب، الآن هذا الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى»، بأن المصلي إذا قام يصلي وهو يصلي على حصى، يعني الأرض مفروشة بالحصى أو بالتراب، فليس الحصى يعني حكم خاص، وإنما ذكر من باب التغليب، الغالب في المساجد في ذلك الزمان كانت تفرش بالحصى، الحصى الصغيرة. فإذا قام الإنسان يصلي فربما يسجد على شيء من أطراف الحصى الذي قد يؤذي جبهته، فيحتاج إلى التسوية وتعديل الحصى. فإذا احتاج إلى ذلك فإنه لا يزيد عن واحدة، يفعل ذلك مرة واحدة فقط، يفعل ذلك مرة واحدة فقط. ولو سواها قبل الصلاة هذا أفضل، إذا سواها وعدلها قبل الصلاة فهذا أفضل، حتى لا يحتاج إلى أن ينشغل بها في أثناء الصلاة. لكن إذا أراد أن يسويها وفي الصلاة فإنه يفعل ذلك مرة واحدة. قال: «فواحدة أو دع»، يعني أو ترك، إما أن تفعل هذا مرة واحدة وإما أن تترك فلا تفعل ذلك. فهذا فيه النهي عن تسوية الحصى في الصلاة إلا إذا احتاج إلى ذلك فمرة واحدة يفعل ذلك مرة واحدة. وما هي العلة في ذلك؟ في الرواية الأولى قال: «فإن الرحمة تواجهه»، يعني هذه هي العلة أن الرحمة تواجهه، يعني أن رحمة الله عز وجل تتنزل عليه بخشوعه في الصلاة وعدم تحركه وانشغاله بشيء، فلا ينشغل عنها بمثل ذلك، كلما سجد جعل يمسح الحصى فلا يفعل ذلك. لكن هذه الرواية كما علمنا ضعيفة، التعليل بقوله: «فإن الرحمة تواجهه» هذا الحديث لم يصح. إذا العلة تكون هي الانشغال عن الخشوع وحضور القلب والسكون في الصلاة الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، أن يكون ساكنا خاشعا لا يتحرك في صلاته، فهذه العلة. وإذا احتاج إلى ذلك ما قلنا، فمرة أن يفعل ذلك، أجاز ذلك: «إن كنت فاعلا فواحدة»، إن كنت فاعلا فواحدة، يعني مرة واحدة تكفي أن تسوي بها الحصى. وألحق أهل العلم كذلك بمسح الحصى مسح الجبهة والأنف، مسح الجبهة والأنف إذا سجد الإنسان مثلا على أرض مفروشة بالتراب، فقد يعلق التراب في جبهته وأنفه، فكذلك ربما يحتاج إلى أن يمسحه. فإن فعل ذلك فمرة واحدة، والأفضل أن يتركه، الأفضل أن يتركه حتى لا يشغل بذلك وتكثر الحركة من غير حاجة إلى ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم صلى مرة على أثر ماء وطين حتى روي في جبهته ولم يمسح عليه الصلاة والسلام. فعلى هذا فتركه أولى، حتى لا يشغل به عن حضور القلب وسكون الجوارح. وقوله: «وفي الصحيح عن معيقيب نحوه بغير تعليل»، يعني لم يذكر قوله: «فإن الرحمة واجهه»، هذا لم يأتي في الصحيحين بحديث معيقيب، وإنما فيه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن كنت فاعلا فواحدة»، إن كنت فاعلا فواحدة، أي مرة واحدة فقط. وقول الحافظ هنا: «وزاد أحمد واحدة أو دع»، يعني ظاهر هذا أن الحديث واحد، أن لفظ الحديث واحد، وزاد في لفظ هذا الحديث: «واحدة أو دع». وليس الأمر كذلك كما ذكرنا، رواية الإمام أحمد أنه قال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن كل شيء حتى سألته عن الحصى، فقال: «واحدة أو دع». فلفظ الحديث يختلف، لفظ الحديث يختلف وليس هو حديث واحد. قال رحمه الله: وعن عائشة رضي الله عنها قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». رواه البخاري. وللترمذي وصححه: «إياك والالتفات في الصلاة، فإنه هلكة». فإن كان لابد ففي التطوع. رواية الترمذي هي من حديث أنس رضي الله عنه، وفي سنده علي بن زيد، ومن جدعان وهو ضعيف. وكذلك أيضا فيه انقطاع بين سعيد بن المسيب وأنس. فرواية الترمذي هذه لا تصح. وقول النبي عليه الصلاة والسلام عن الالتفات بأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، الاختلاس هو أخذ الشيء بسرعة مع غفلة، أخذ الشيء بسرعة مع غفلة. والمعنى أن الشيطان ينقص من صلاة المصلي، يخطف من صلاة المصلي من خشوع وحضور قلبه ما ينتقص به صلاته، فينقص به الأجر والثواب. فهذا الالتفات الذي يحصل من المصلي يتلفت يمينا أو شمالا، هذا من فعل الشيطان، الشيطان يجعلك تفعل ذلك حتى ينقص عليك أجر الصلاة. وهذا الالتفات هو صادر عن غفلة في القلب، لما غفل القلب غفلت الجوارح، غفلت الجوارح وصار الإنسان ينظر يمينا وشمالا. والالتفات كما قال أهل العلم على قسمين: التفات بالقلب، والتفات بالرأس. الالتفات بالقلب وهو غفلت القلب وانشغاله بغير الصلاة. والالتفات بالرأس أن يتلفت يمينا وشمالا يتلفت يمينا وشمالا. فإن كان هذا الالتفات بالبدن بكل البدن، التفت بكله عن القبلة، فصلاته باطلة، إذا التفت الإنسان عن القبلة وعرض عنها، فصلاته باطلة لأنه حينئذ يترك شرطا من شروط الصلاة، وهو استقبال القبلة. وأما إن كان الالتفات وهو متجه إلى جهة القبلة، فإنه وقع في أمر محرم. واختلف أهل العلم في حكم الالتفات، وجمهور علماء على أنه مكروه. وذهب جماعة من أهل العلم كالظاهرية إلى التحريم، هو قول بعض الشافعية. وهذا هو ظاهر النهي أو الأصح النهي أنه للتحريم، فيكون الالتفات في الصلاة محرما لأنه من اختلاس الشيطان. وفي رواية الترمذي: «إياك والالتفات في الصلاة، فإنه هلكة»، يعني هلك للإنسان يهلك بذلك لأنه يتبع الشيطان، واتباع الشيطان هلكة على صاحبه. إذا كان الإنسان متبعا للشيطان، فإن ذلك سبب لهلاكه. وقوله: «فإن كان لابد ففي التطوع»، يعني لك أن تلتفت في التطوع دون الفريضة، لأن التطوع والنافلة ليست كالفريضة في الوجوب وفي فرضيتها ووجوبها. لكن الحديث هذه الرواية لا تصح. والصحيح أنه لا فرق بين النافلة وبين الفريضة في أحكام الصلاة إلا ما دل عليه الدليل. وأما إذا احتاج الإنسان للالتفات، إذا احتاج الإنسان إلى الالتفات فلا بأس، إن كان هناك حاجة فلا بأس أن يلتفت. فأبو بكر رضي الله عنه لما صلى بالناس حين تأخر النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجعل الناس يصفقون، فلما أكثر الناس التفاتا التفت فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فرجع القهقرة. فهذا يدل على أنه يجوز الالتفات عند الحاجة، إنسان يصلي فغاب عنه ابنه مثلا، فخاف عليه أن يتضرر بشيء، فالتفت ينظر ماذا يفعل أين ذهب، لا بأس، هذا التفات للحاجة لا بأس به، ويكون أيضا قليل يسير. أما التفات من غير سبب ومن غير حاجة، فهذا من فعل الشيطان ومن اختلاس الشيطان من صلاة المصلي، فالمسلم يحذر من ذلك. ثم إن الالتفات كما أنه نقص في صلاة المصلي، فهو أيضا فيه إعراض عن الله سبحانه وتعالى، وسيأتي معنا في الأحاديث القادمة أن المصلي إذا قام يصلي فإنه يناجي ربه، فإنه يناجي ربه وهو يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فكونه يلتفت هذا إعراض يعرض عن الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن هذا فيه شيء من سوء الأدب، يعني لو قام الآن أحد من الناس أمام ملك من ملوك الدنيا يخاطبه، فيلتفت عنه ويعرض عنه، لا شك أنه سيسوءه ذلك. فكيف بوقوف العبد بين يدي ملك الملوك سبحانه وتعالى، ثم يلتفت ويعرض، لا شك أن هذا يعتبر سوء أدب من العبد مع ربه سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا أن هذا الالتفات بلا حاجة يوقع هذا المصلي في فعل مكروه، أن الالتفات بغير حاجة يعتبر من الحركة اليسيرة التي لا حاجة لها، فهي مكروهة، والمصلي ينبغي أن يتنزه عن ذلك وأن يحذر من فعل المكروهات قدر المستطاع. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.