شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 51

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 51

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 51، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم رواية المبتدع وبيان خطر التعصب على الرواية

يبين العلماء تفصيل قبول رواية المبتدع فيردون رواية الداعية لبدعته لاحتمال تحريفه الأدلة نصرة لمذهبه، ويقبلون رواية غير الداعية. ويضرب أمثلة على تعصب المبتدعة في تضعيف الأحاديث الصحيحة أو تصحيح الضعيف لتأييد بدعهم كتعصب بعض الأشاعرة في حديث الجارية.

معايير الرواية عن المبتدعة ومواقف الأئمة في التفريق بين الداعية وغيره

يناقش المقطع الفرق بين المبتدع غير الداعي والداعي إلى البدعة، وكيف تعامل الأئمة كالأحمد ويحيى بن معين مع رواة كعبد الرزاق وعبيد الله بن موسى، مبيناً أن البخاري ومسلم رويا عن بعض المبتدعة للمتابعة لا للأصول، ويرجح ابن حجر تفريق الجوزجاني برد رواية المبتدع إذا أيدت بدعته سواء كان داعية أم لا.

نسب التفريق بين الداعية وغيره لأكثر أهل العلم والمذهب الرابع

أشار الشيخ إلى أن القول بالتفريق بين الداعية وغير الداعية منسوب إلى أكثر أهل العلم، مستدلين بأقوال ابن المديني وشعبة وابن دقيق العيد والجرجاني والجوزقاني. ووعد بذكر المذهب الرابع في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فذكر مسألة المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، فذكر أنه في قبور روايتي مذاهب. منهم من ردها مطلقاً، ونسب هذا القول إلى مالك وغيره. ومنهم من لم يقبلها مطلقاً إلا إذا علم أنهم يستحلون الكذب، كما ذكر ذلك عن الشافعي رحمه الله أنه يستثني رواية أهل البدع إلى الخطابية لأنهم يستحلون الكذب لمذهبهم. هنا ذكر المذهب الثالث، قال: وأولى أكثر من العلماء التفصيل، وذلك بقبول رواية غير الداعية لبدعته، ورد حديث الداعية. ومأخذ هذا القول أن المبتدع إذا كان داعية كان عنده باعث على رواية ما يشيد به بدعته، وقد يحمل ذلك على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، لأن مسألة الهوى تغلب على الشخص، فيحرف الأدلة لأجل هواه. لهذا تجد مثلاً العلماء حتى في المذاهب الفقهية في تعصب الحنفية، فإنهم يتعسفون حتى في الأدلة، معناه يأتون لها بتأويل بعيد جداً لأجل أن تكون توافق مذهبهم، حتى قال بعضهم: كل حديث يخالف مذهبنا، أي مذهب أبي حنيفة، فهو إما منسوخ أو مؤول. أنا جعل الأصل هو مذهبه، لا حديث ولا دليل التي تخالف مذهبهم إما منسوخة وإما مؤولة، وأولوا أحاديث ليست على ظاهرها. وهذا من أشد التعصب. فهذا في الأمور الفقهية، فكيف في الاعتقادات؟ في الاعتقادات يكون التعصب أعظم، ولهذا يتجرأ كثير من هؤلاء المتعصبة بأمور معناه قد تلحقهم بالكفر، كما ذكرنا أن ذاك عباد بن عقبة الجواليقي، يقول: من فلق البحر أنا. ومن هذا يقول مثل هذا الكلام، هذا الاعتقاد السيء. لهذا يستطيع، مادام أنه يريد أن ينصر قوله، فهو يتجرأ على الأدلة ويحرفها. ولهذا تجد كثير من المبتدعة يكتم بعض الأحاديث، يكتم بعض الأحاديث لأجل أنها لا تؤيد مذهبه. وإلى الآن تجد بعض المبتدعة، همهم أنهم كيف يجدون تضعيف هذه الأحاديث التي استدل بها أهل السنة. مثلاً حتى قال: هذا ممدوح، هذا ممدوح بن سعيد، وكذا هذا الذي رد على الشيخ الألباني، واحد من تلاميذه، قال له أبو أحمد الكويتي: ضعفت الأحاديث على السلفيين كلها. معنى الأحاديث التي استدلوا بها السلفيون ضعفتها عليه. أنا مثلاً حديث الافتراق، حديث العرباض بن سارية، كله بدعة ضلالة. من هذه الأحاديث ألف كتاب، وذكر بعض هذه الأحاديث وبعض كذا، قال: ضعفت الأحاديث على السلفيين. فهذا هو، يريد أن ينصر مذهبه وما هو عليه حتى بتضعيف الأحاديث. والآن تجد أيضاً بعض المبتدعة لا يسأل عن الأحاديث التي يأتي بها، حديث موضوع، قصص باطلة، لكن لأنها في مذهبه وتأييده يأتي بها. لكن إذا كان هذا الحديث أو القصة مثلاً لا تؤيد مذهبه، تجده يبحث عنها ويأتي بالعلل التي لا يعرفها حتى علماء العلل، يأتي من هنا ويأتي من هنا يريد أن يضعف هذا الحديث. واحد ألف كتاب اسمه أبو خليفة العليو، هذا الرجل من الأزهري، جاء عند حديث حديث الجارية يريد أن يضعف بأي طريقة، ذكره في الكتاب تقريباً أربع مرات. مرة يقول: أن هذا الحديث ضعيف، وأن الصحيح فيه أن هذه الجارية كانت عجماء وإنما أشارت فقط، أنا على رواية الإمام محمد، أنا هو. فالآن يريد أن يضعف رواية بسلام، ويصحح رواية الإمام محمد، مع أن رواية بسلام صح من ناحية الإسناد. وقال: هذا الحديث الأصل أن فيه وجد في بعض النسخ أنها لا، فيها ذاك في حديث آخر كان الله فيه. فهنا مرة قال: أن هذا الحديث باطل لأنه كيف يسأل بأين؟ طيب كيف يسأل بأين؟ من أين أن الحديث باطل؟ قال: لأنه كيف يسأل بأين، والله عز وجل يمتنع أن يسأل عنه بأين. طيب هذا لأنتم قلتم هذا، أنتم الذين ابتدعتم أنه لا يسأل عنه بأين، وهم عندهم في عقائد الأشاعرة أنه لا يسأل بأين ولا كيف. طيب كيف؟ هذا ما في شيء في القدر، لكن من أين جئتم بها أنه لا يسأل عنه بأين؟ ومرة قال: أن أين تدل على المكان، فلو قلنا أن هذا الحديث صحيح معناه أننا جعلنا الله عز وجل في مكان. والمهم يخبط عشواء، وهؤلاء أهل... وهكذا. لهذا منع كثير من العلماء أن الداعي إلى البدعة لا يقبل منه، لأن الداعي ليس مثل غير الداعي. غير الداعي لا يبالي، معناه الذي هو ليس بداعية، صحيح قد يعتقد هذا الشيء لكنه لا يبالي بالأدلة هل توافق أو لا توافق. لهذا تجد أن بعضهم يروي حديث قد تكون ضد المذهب الذي هو عليه، ضد مذهبه. مثلاً عدي بن ثابت الذي قال له قاضي الشيعة، قد أخرج له البخاري ومسلم، فهو يروي حديث في فضائل أبي بكر وعمر. فلو كان رجل مثلاً، وإن كان هو قاص يسمونه قاص الشيعة، لكنه ما ثبت عنه أنه داعي إلى التشيع، وإنما كان يقص لهم، لكنه كان يروي حديث بفضائل أبي بكر وعمر، وهذا يدل على أنه لا يبالي بما هو عليه من مذهب. لكن إذا خرج منه شيء من الكلام، هذا مثل عبد الرزاق، اختلف العلماء فيه هل هو داعي أو لا. فالإمام أحمد يقول: أن عبد الرزاق ليس بداعية، ويحيى بن معين يعتبره داعياً. معنى الكلمات التي خرجت من عبد الرزاق، بعضها كلمات كبيرة، لكن عبد الرزاق معروف في السنة وأنه يذكر فضائل عمر وأبي بكر، لكن خرجت عليه بعض الكلمات، وخاصة في آخر حياته، هل هو من الاختلاط؟ هل هو مثلاً من الأشياء التي تذكر عنده؟ لهذا لما ذكر حديث عمر، لما قال للعباس: عمر رضي الله عنه قال للعباس: أنت تريد مال ابن أخيك، وقال لعلي: أنت جئت تطلب مال أو إرث أبي زوجتك أو كذا. فقال: هذا عبد الرزاق، انظر إلى الأخرق، أي على عمر، يقول على العباس: أنت تريد، أنت جئت لأجل أن تأخذ إرث ابن أخيك. ليه يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا كلام باطل. عمر رضي الله عنه إنما أراد الحقيقة، لماذا جاء العباس لأجل إرث النبي صلى الله عليه وسلم؟ لماذا جاء علي لأجل إرث زوجته من النبي عليه الصلاة والسلام؟ أو قال: لو إرث زوجتك من أبيها. فهذا يدل على أن عبد الرزاق يتكلم على الصحابة. لهذا يقول: لما سئل الإمام أحمد عن عبيد الله بن موسى للشعي، فقال: لا يأخذ منه الحديث، الإمام أحمد ولا يكتب حديثه. فقال: وكيف عبد الرزاق؟ قال: عبيد الله داعية. قال: عبيد الله بن موسى داعية. لما ذكروا ذلك لابن معين، قال: والله الذي سمعته من عبد الرزاق أكثر من الذي سمعت من عبيد الله. أنا يقول ليحيى: أن عبد الرزاق كلامه أكثر من كلام عبيد الله بن موسى، لكن عبيد الله بن موسى أكثرهم أخذ عنه، منهم البخاري وأكثر عنه بروايته عن سفيان الثوري. ولهذا هذه المسألة من المشكلات في علم الحديث، هذه المسألة مسألة الرواية عن المبتدع من المشكلات في علم الحديث، حتى قال الإمام الذهبي رحمه الله: وأنا آيس من هذه المسألة، لأنك إذا نظرت إلى فعل الأئمة تجد أنه يختلف. فمنهم من يروي عن الداعية، معناه لأصحاب الأمهات الست مثلاً، بل البخاري ومسلم تلقاهما الناس بالقبول، تجد أن هناك أناس من المبتدعة ومن دعاة المبتدعة. مثلاً البخاري روى عن عمران بن حطان حديثين، وروى عن عباد بن عقبة، وروى عنهم متابعة، لم يروي عنه في الأصول، وروى كذلك عن بعض الشيعة الذين هم غلو التشيع. فهذا يدل على أن البخاري له مذهب آخر، معناه كأنه إذا رأى صدق الشخص وصدق الرجل أخرج. علم أيضاً أبو داود أخرج عن معبد الجهني، والترمذي كذلك، ومعبد الجهني يعتبر من رؤوس هذه البدع، بل من رؤوس الغلاة. لكن قد يكون هذا أخذه، معناه أخذ عنه قبل أن تظهر بدعته، لأنه كان من علماء، معناه من من يطلب العلم في البصرة، كان معبد الجهني كان من من يطلب العلم في البصرة. ولهذا ذكر في سنن أبي داود، سنن الترمذي في حديث عثمان في الوضوء. وهكذا غيرهم كثير. لهذا صارت المسألة مشكلة من ناحية التفريق مثلاً بين الداعية وغيره. ولهذا ركن الحافظ ابن حجر إلى كلام الجوزقاني أو الجوزجاني، أنا ركن إلى قوله، وهو أنه يقال بالتفريق بين المبتدع وغيره، لكن إن روى المبتدع ما يؤيد بدعته رد، سواء كان معناه كأنه يقول: سواء كان داعية أو غير داعية، إذا روى ما يؤيد بدعته يرد الحديث. وأيد الحافظ هذا القول. لكن لكن مسألة تأييد مثل هذا القول أو عدم تأييده لا يجد شيئاً، معناه بعد زمن الرواية، معناه بعد زمن الرواية. لكن المقصود هو عمل الأئمة كيف فعله. لهذا بعضهم صرح بكلام في رد رواية أهل البدع، وبعضهم صرح بكلام يشير إلى قبول رواية أهل البدع غير الدعاة، مثل ما جاء عن الإمام أحمد، وسيأتي أيضاً أن الإمام أحمد أيضاً فرق بين المبتدعة. لهذا كما قلنا صار هناك إشكال في هذه المسألة. لكن الأصل أن من ثبت عدالته فلنا كما قال الإمام الذهبي: لنا صدقه وعليه بدعته، لنا صدقه وعليه بدعته. هذا من ثبت، من ثبت صدقه. لكن كما قلنا الإشكال أيضاً سيكون في غلات البدع الدعاة. لهذا الإمام الدارقطني رحمه الله في حديث الحرير الذي أخرجه البخاري، قالوا: قالوا هذا من رواية عمران بن حطان وهو متروك لبدعته، ولا نقبل حديثه ولا كرامة. هنا الإمام الدارقطني رد حديث الحرير لعلة رواية عمران بن حطان. لهذا كما قلنا أن الإشكال في رواية الدعاة، وخاصة أن البدع الكبيرة كبدعة الجهمية وبدعة الروافض وغيرهم من هؤلاء، فهذا يكون الأمر فيهم أعظم. قالوا: وقد تنوعت آراء الأئمة القائلين بهذا التفصيل على ما يلي: من الأئمة من اكتفى بالتفصيل المذكور عن التفريق بين الداعية وغيره. ومنهم من فصل في شأن غير الداعية، فقال: أن اجتمعت روايته على ما يشيد بدعته ويزينها ويحسنها ظاهراً فلا تقبل، وإن لم تشتمل على ذلك فتقبل. وهذا ذكر في هدي الساري عن الجرجاني، وأيده. قالوا: منهم من فصل في شأن الداعية، أقصد ليس الجرجاني، الجوزقاني، الجوزقاني شيخ النسائي، أبي داود، له كتاب سماه أحوال الرجال. قال: ومنهم من فصل في شأن الداعية، فقال: إن اجتمعت روايته على ما يرد بدعته قبلت، وإلا فلا تقبل. قال: فصل ابن دقيق العيد في شأن الداعية من حيث تفرده بالحديث أو عدم تفرده، فقال: نرى أن من كان داعية لمذهبه المبتدع متعصباً له متجاهراً بباطله أن تترك الرواية عنه هجنة له، إخماداً لبدعته، اللهم إلا أن يكون ذلك الحديث غير موجود لنا إلا من جهته، فحينئذ تقدم مصلحة حفظ الحديث على مصلحة هجنة المبتدع. وهذا الظاهر، ذكرها الإمام ابن دقيق العيد، العجل أن يرد ما قاله، أو أن يجمع بين قول ابن المديني رحمه الله: لو ترك أهل البصرة للقدر، وترك أهل الكوفة للتشيع، لخرّبت الكتب. قال الإمام علي بن المديني رحمه الله: قال: لو ترك أهل البصرة للقدر، أنا ترك حديثهم لعلة القدر، وترك أهل الكوفة للتشيع، لخرّبت الكتب. وقال الإمام شعبة رحمه الله بالحجاج: قال: لو لم أرد أن أروي إلا عن ثقة، فما رويت إلا عن هذه الشيعة. أنا يقول: أو أردت أن لا أروي إلا عن ثقة، عن ثقة رجل متمكن في الحديث، فما رويت إلا عن هذه الشيعة. أنا شيعة أهل الكوفة، الأعمش وغيره. فهذا كلام الإمام ابن دقيق العيد يريد أن يفصل في هذه المسألة، يريد يقول: أن من كان وجدنا الحديث أو لم نجد الحديث إلا عنده، ولم نجده عند أهل السنة، فإننا نأخذ هذا الحديث لأجل المصلحة، لأجل أننا لم نجده عند أهل السنة. وإن كان وجدنا الحديث عند أهل السنة فنترك حديثه إخماداً لبدعته. وهذا الذي كان يفعله الأئمة، فإذا كان الحديث عند غيرهم من أهل البدع، فإنهم لا يأخذون حديثه، وإن أخذوا لا يروونه، وإن أخذوا حديثه لا يروونه، لا يروون عن فلان أو عن فلان، كانوا كما قال: من هذا أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، قال: قد أخذت عن مئة، قد أخذت عن مئة من علماء أهل المدينة، لم أروي عنهم شيئاً. قيل: أنهم ليسوا أهلاً للحديث، ليسوا أهلاً للحديث لأنهم ما يتقنون للحديث، أو أنهم من أهل البدع أو كذا. لهذا يقول الحافظ ابن دقيق العيد: أن من كان داعياً إلى بدعة فإنه لا يؤخذ منه الحديث. وهذا الأصل عند أهل السنة، أن من كان عنده بدعة، وعنده علم من العلوم، وهذا العلم موجود عند أهل السنة، فالأولى يؤخذ على أهل السنة، ولا داعي أنه يؤخذ من هؤلاء المبتدعة، لأنهم كما قال السلف: يضعون السم في العسل، أن يضعون سمومهم في هذا العلم. طيب، فهذا القول نسبه هنا الشيخ إلى أكثر أهل العلم، وهو التفريق بين الداعية وغير الداعية. وإن شاء الله تعالى نذكر المذهب الرابع في درس آخر. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر