شرح مختصر السيرة 21

شرح مختصر السيرة 21

الدرس في شرح مختصر السيرة 21، الدرس الحادي والعشرون : وفيه : ( أبو طالب عم رسول الله وأما أبو طالب ... فإن بلالاً إذ ذاك لعله لم يكن موجوداً ) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دور أبي طالب في حياة النبي وإقراره بنبوته

يتناول هذا الفصل دور أبي طالب في تربية النبي ورعايته، وإقراره بنبوته قبل وفاته. يبرز المقطع محاولة النبي إقناع عمه بقول كلمة التوحيد.

فوائد مستفادة من قصة وفاة أبي طالب

يستعرض هذا الفصل الدروس المستفادة من قصة وفاة أبي طالب، مثل ضرر رفقة السوء وأهمية التأدب في التعامل مع الكفر. يشير أيضاً إلى شروط الشفاعة.

تفاصيل حول أولاد أبي طالب وهجرة النبي

يتناول هذا الفصل تفاصيل أولاد أبي طالب وهجرة النبي وأصحابه إلى المدينة، مع ذكر موقف قريش من الهجرة. كما يتطرق إلى قصة بحيرى الراهب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم» قال: أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: أم أبو طالب؟ فهو الذي تولى تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد جده، كما تقدم. ورق عليه رقة شديدة، وكان يقدمه على أولاده، وذلك لما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من كونه يتيما لا أب له ولا أم، كما تقدم معنا. قال: وقال الواقدي: قام أبو طالب من سنة ثماني من مولده -من مولد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى السنة العاشرة من النبوة، ثلاثة وأربعين سنة، يحوطه ويقوم بأمره ويذب عنه، ويلقفه به. يعني: هذه هي الفكرة التي أحاط أبو طالب بالنبي عليه الصلاة والسلام من سن ثماني سنوات إلى السنة العاشرة من النبوة. قال: وقال أبو محمد بن قدامة: كان يقر بنبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والإقرار غير الإيمان، الإقرار يعني الاعتراف القلبي، وربما اللساني، لكن الذي ليس معه إيمان لم يكن منه إيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولو بذلك أشعار، منها: وهذه الأشعار بعضها صحيح، وبعضها ضعيف. وأكثر ما يروى بغير إسناد، لكن بالجملة معناها صحيح. فإنه قد روي هذا المعنى عنه كما جاء في صحيح مسلم، بقصة وفاة أبي طالب، ودعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له أن يؤمن وأن يقول: لا إله إلا الله، كلمة يحاج له بها عند الله. فما منعه أن يقولها إلا أن يؤثر عليه قومه أنه خالف دين آبائه وأجداده. قال: ومنها: «ألا أبلغ عني على ذات بيننا، لؤيّا وقصة من لؤي بني كعب، لأن وجدنا في الكتاب محمدا نبيا كموسى قطف أول الكتب، وأن عليه في العباد محبة، ولا خير ممن فصل الله بالحب». قال: ومنها: «تعلم خيار الناس أن محمدا عندي بالتشديد، ولعله تعلم خيار الناس أن محمدا وزيرا لموسى والمسيح ابن مريم، فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا، فإن طريق الحق ليس بمظلم». قال: ولكنه أبى أن يدين لذلك خشية العار. ولما حضرت الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أميّة، فقال: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة نحاج لك بها عند الله. والحديث في صحيح مسلم، كما تقدم. قال: فقال: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرددا ذلك عليه، وهم يردان عليه، حتى كان آخر كلمة قالها: هو على ملة عبد المطلب. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا أستغفرن لك ما لم أنه عنك». فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. وهذا الأخير بسبب النزول في الصحيحين، كما هو مشهور بتخريج، وهذا ظاهر بأن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد كان كاد أن يسلم، ولولا أنه خشي أن تؤثر عنه المخالفة لدين آبائه وأجداده لكان ممن أسلم. وبهذا ثلاثة مسائل: أولها: ضرر رفقة السوء، فإن رفقة السوء كانت سببا في موته على الكفر، والعياذ بالله. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». الحديث في غرر السنة. المسألة الثانية: فيه أدب لفظي ينبغي أن يتعلمه وينتبه له طالب العلم، خصوصا، والمسلم عموما، وهو أن من حكى الكفر فلا يحكيه بلسانه، ولكن يحكيه بلسان غيره، بضمير الغائب. فانظر إلى قوله: «فكان آخر كلمة قالها: هو على ملة عبد المطلب». بينما الذي قاله: «أنا على ملة عبد المطلب». هذا الذي قاله أبو طالب، ولكن من باب الحرص على عدم التلفظ بالكفر، وكذلك التأدب بالآداب اللفظية الشرعية، حكى هذا اللفظ الذي قاله أبو طالب، وهو كفر، حكيه بضمير الغائب. فإذا حكى ما هو باطل من الكفر، فلا يحكى بقول القائل نفسه، ولكن يحكى بضمير الغائب، بما لا يكون فيه التلفظ والنطق بالكفر. فلا يقال: «أنا على ملة عبد المطلب». ولو كان القائل من أنت تحكي قول غيرك، فتقول مثلا: «قال هو كذا وكذا»، ولا تقول: «أنا كذا وكذا». انتبه لمثل هذا، فإن هذا شيء مهم، ونبه عليه العلماء. المسألة الثالثة: في هذا الحديث كذلك بيان أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك الشفاعة لأحد إلا بإذن الله. فإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد أن يستغفر لعمه أبي طالب، فلم يؤذن له بذلك، وهو عمه الذي أحاطه -كما سمعنا- من سن ثمان سنوات إلى عشر سنوات من النبوة. ومع ذلك لم يؤذن له بالاستغفار له، فكيف بمن دونه؟ فكيف بمن دونه في القرب والحق؟ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحب عمه لما كان منه من إحاطته به عليه الصلاة والسلام، بصغره وبكبره، وقبل الإسلام وبعد الإسلام. بل لقي أبو طالب وكل من كان معه شدة عظيمة من أهل مكة، بسبب إحاطته بالنبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك فلم يأذن ربنا جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له. إذن الشفاعة لها شروط، فمن شروطها: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة. فكيف يجزم بآخر الأزمان أناس بأنهم يملكون الشفاعة لمن كفر بالله وأشرك مع الله غيره؟ وأن ذلك ممكن لمن كان من أهل البيت، أو لمن كان كذا وكذا في الصلاة أو الولاية، مع أن ذلك لا يعلم إلا الله؟ قال رحمه الله تعالى: وقال ابن إسحاق: غدرت به ولده علي بأبيات، منها: «ربت لطير آخر الليل غرد، يذكرني شجوا عظيما مجددا، أبا طالب ما هو الصعاليك ذندا». ومعنى الصعاليك هنا: الضعفاء. يعني: من كان يجود على الضعفاء ذندا، يعني: صاحب العطاء والكرم. قال: «جوادا إذا ما أصدر الأمر أورد، إذا قال قولا فإنه ينفذه». قال: فأمسك قريش يفرحون بموته، ولست أرغب أن يكون مقلدا. وذلك لأن موت أبي طالب كان قربة عظيمة على المسلمين. فكان لأبي طالب منزلة عظيمة في قريش، فكانوا يهابونه ويخشونه. فلذلك تجرأوا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه بعد موته. وبذلك أمروا بالهجرة، فهاجر عليه الصلاة والسلام، وأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة. قال: فأمسك قريش يفرحون بموته، ولست أرغب أن يكون مقلدا، أراد أمورا زفتها حلومهم، ستوردهم يوما من الغي موردا، يرجون تكذيب النبي وقتله، وأن يفترى ضد من عليه، ويجحد كذبتم وبيت الله، حتى نذيقكم صدور العوالي والحسام المهند. ويذكر هنا أن قريش تحلم بإنهاء الإسلام وقتل النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن يذكر علي رضي الله عنه -إذا صحت هذه الأبيات- أن ذلك لن يكون، وأنهم سيواجئونهم بأسياف، ويدافعون عن دين الله عز وجل. وهنا الأرض ينزعها علي رضي الله عنه، إما أن تكون -إن صحت الأبيات- من تصرف بعض رواة هذه الأبيات، وإما أن يكون مما يثبت أن هذه الأبيات منسوبة لعلي رضي الله عنه ولا تصح. وخصوصا كما قلنا: أكثر هذه الأشعار تروى بما لا يثبت بمثله إسناد. وذلك بقوله: «كذبتهم بيت الله». فإن عليا رضي الله عنه من أعلم الناس بتحذير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الحلف بغير الله. وقوله: «بيت الله» حلف ببيت الله، أي: بالكعبة، ولا يجوز ذلك. فإن الحلف لا يكون إلا بالله عز وجل. قال: خلف أبو طالب أربعة ذكور وابنتين. فذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي. وبين كل واحد عشر سنين. فطالب أسنهم، ثم عقيل، ثم جعفر، ثم علي. فأما طالب، فأخرجه المشركون يوم بدر كرها. فلما انهزم الكفار قيل: فلم يوجد في القتلى ولا في الأسرى، ولا رجع إلى مكة. وليس له عقب. فقيل: إنه غرب. لأنه أخرج إلى هذا القتال كرها، ولم يرجع إلى مكة خشية أهله، ولم يذهب كذلك إلى أهل المدينة. فاستفى. وقيل: بالقتل. وقيل: غير ذلك. والله أعلم بأمره. قال: وأما عقيل، فأسر يومئذ، ولم يكن له مال، ففداه العباس. ثم رجع إلى مكة، فأقام بها إلى السنة الثامنة، ثم هاجر إلى المدينة، فشهد مؤتة مع جعفر. وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل ترك لنا عقيل من منزل؟». والحديث في البخاري ومسلم. ومعنى أن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر. فكان عقيل كافرا، فأخذ ما ترك من مال، ولم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه شيئا. ولكنه أسلم بعد ذلك. قال: واستمرت كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا. فلما بلغت اثنتي عشرة سنة -وقيل: تسعا- خرج به أبو طالب إلى الشام في تجارة. فرآه بحيرى الراهب، وأمر عمه ألا يقدم به الشام خوفا عليه من اليهود. فبعثوا عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة. وهذه القصة -قصة بحيرى الراهب- اختلف فيها العلماء. وقد مرت معنا قريبا في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، في مسند أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. فصححها شيخنا، رحمه الله. وممن صححها جماعة من الأمة، ومنهم الإمام الترمذي، رحمه الله. وينقل أن الإمام أحمد، رحمه الله، وابن معين قد حرصا على رواية هذا الحديث، ودل ذلك على تصحيحهما لهذه القصة لروايتها، وحرصهما على أخذها. وبعض أهل العلم يضعفها، ومنهم الذهبي، رحمه الله، في سيرته. عن هذه القصة: إن صحت. كأنه يتهم في صحتها. فالقصة صحيحة ثابتة، تلقاها جماعة من أهل العلم وأهل التحقيق بالقبول. قال: ووقع في الترمذي: أنه بعث معه بلالا. وهو غلط واضح. وهذه اللفظة لفظة شاذة، نبه على غلطها الحفاظ، ومنهم الذهبي، وابن كثير، والسيوطي، وجماعة من أهل العلم. قال: فإن بلالا إذاك لعله لم يكن موجودا. يعني: هذا خطأ. فإن بلالا لم يكن موجودا في ذاك الوقت، يعني: في وقت كون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ابن اثنتي عشرة سنة، حين خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام.