شرح مختصر السيرة 37

شرح مختصر السيرة 37

الدرس في شرح مختصر السيرة 37، الدرس السابع والثلاثون : وفيه : ( سؤالهم عن الروح وأهل الكهف ... ومع هذا فمن آيات الله ما هو أعجب من ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

سؤال قريش للنبي عن الروح وأهل الكهف بناء على مشورة اليهود

أرسلت قريش وفداً إلى أحبار اليهود ليمهدوا لهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح وأهل الكهف، فجاء الجواب من الله في سورة الكهف. اليهود هم من أشاروا لقريش بسؤال النبي عن هذه الأمور كاختبار لنبوته.

سبب نزول آية سورة الإسراء وتعدد روايات سبب السؤال عن الروح

هناك روايتان حول سبب نزول آية سورة الإسراء المتعلقة بالروح، إحداهما في مكة والأخرى في المدينة، ولا تعارض بينهما حيث سأل اليهود النبي بناءً على طلب قريش. يشير هذا إلى أن السؤال عن الروح جاء من اليهود بناءً على طلب كفار قريش.

طلب كفار قريش واليهود للمعجزات كدليل على نبوته صلى الله عليه وسلم

كفار قريش واليهود تعنتوا في طلب المعجزات من النبي صلى الله عليه وسلم، مثل تحويل الصفا إلى ذهب أو إزاحة الجبال. رغم تعنتهم، أمهلهم النبي صلى الله عليه وسلم استجابة لطلب جبريل عليه السلام.

دلالة قصة أهل الكهف على الأصول الثلاثة للإيمان

قصة أهل الكهف التي أجاب عنها النبي صلى الله عليه وسلم دلت على الأصول الثلاثة: الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر. يوجد من آيات الله ما هو أعجب من ذلك، وسيتم استكمال الموضوع في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: سؤالهم عن الروح وأهل الكهف. قال: وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمره، يعني يبحثون عن الأسئلة يسألون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس سؤال مستفسر وطالب حق، ولكنه سؤال عناد ومعارضة. قال: وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمره. قال ابن إسحاق: وهذا المعنى جاء كما سيأتي إن شاء الله، بعضه أو معناه بالجملة في الصحيح. قال: عن ابن عباس، قال ابن إسحاق عن ابن عباس: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدم المدينة، فسألاهم عنه ووصفا لهم أمره، فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فهو رجل متقول. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم؛ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فما كان نبأه. وسلوه عن الروح ما هي. فأقبل حتى قدم مكة، فقالوا: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد. قد أخبرنا أحبار يهود -يعني علماء اليهود- أن نسأله عن أشياء أمرونا بها. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن ما أخبرهم أحبار يهود. فجاءه جبريل بسورة الكهف، فيها خبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، قال: وجاءه بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية. قال ابن إسحاق: فافتتح السورة بحمده، وذكر نبوة رسوله لما أنكروه عليه -يعني من معارضة بهذه الأسئلة- قال: من ذلك فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ يعني أنك رسول مني، أي تحقيق ما سألوا عنه من نبوتك، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أي أنزله معتدلا لا خلاف فيه. وذكر تفسير السورة إلى أن قال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ أي ما رأوا من قدرتي في أمر الخلائق، وفيما وضعت على العباد من حججي ما هو أعظم من ذلك وأعجب. وهذا الذي ذكره ابن إسحاق ونقله الشيخ رحمه الله عن ابن إسحاق روي بلاغا من بلاغات ابن إسحاق، فسنده ضعيف، لكن أصل القصة صحيح. فقد جاء بسنن الترمذي بإسناد صححه الشيخ العلام الألباني رحمه الله تعالى، وذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند من أسباب النزول في سورة الإسراء في قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. وهكذا كذلك جاء أصل القصة في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود: أن الذين سألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح هم علماء اليهود حين قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة. ولا معارضة بين السببين، فقد قال ابن كثير رحمه الله تعالى: السورة مكية، وهذا يؤيد أنه سئل أولا بمكة، ثم سئل مرة ثانية بالمدينة، فأنزل عليه بمثل ما أنزل عليه بمكة -يعني كأن النبي صلى الله عليه وسلم تشوف أن يأتيه جواب غير الجواب الذي جاءه بمكة في أمر الروح- فأنزل الله عز وجل عليه مرة أخرى عن الروح ما يفيد ما سبق: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وفي حديث ابن عباس: أن أهل مكة -أي كفار قريش- أرسلوا بعضهم ليسألوا اليهود ماذا يسألون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا جاء عن عبد الله بن عباس: أن من أسئلة كفار قريش، وقد أثروا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأسئلة التعنت، ليست أسئلة الاستبصار والبحث عن الحق. حتى كان من أسئلتهم سؤالهم عن عيسى عليه الصلاة والسلام: كيف أنه نبي ورسول، والله عز وجل قد أخبر أن ما من عابد لغيره إلا وهو ومعبوده في نار جهنم. فأنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، فهذه الآيات نزلت جوابا عن ما صنع المشركون. وأصل القصة في الصحيح المسند من أسباب النزول، ورواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وهكذا كذلك من تعنتهم وسؤالهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسئلة العناد، وكذلك عدم البحث عن الحق: أنهم طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام إن كان نبيا حقا أن يجعل الله عز وجل له آية، إما أن يجعل الصفا جبلا من ذهب، أو ينحي الجبال عن مكة فيزدرعون كما يزدرع غيرهم من أهل القرى -يريدون أهل الطائف وغيرها- يزرعون في أراضيهم. فكذلك جاء بحديث ابن عباس، وهو بالصحيح المسند: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيرا أرسل إليه جبريل، فخيرا إما أن يجيب الله جل وعلا ما سألوه، فإن لم يؤمنوا عذبهم فأصابتهم صاعقة كما أصابت الأمم من قبلهم، وإما أن يتركهم لعل الله جل وعلا يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله، أو ذكر معناه. فطلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من جبريل أن يمهلهم، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. فكان هذا بعض الأسئلة التي سأل اليهود النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا كفار قريش من الأسئلة التي أسئلت تعنت. قال رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس قال: «الذي آتيتك من الكتاب والسنة أعظم من شأن أصحاب الكهف». قال ابن عباس: والأمر على ما ذكروا، فإن مكثهم نياما ثلاثمائة سنة آية دالة على قدرة الله ومشيئته، وهي آية دالة على معاد الأبدان كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾. قال: وكان الناس قد تنازعوا في زمانهم: هل تعاد الأرواح وحدها أم الأرواح والأبدان؟ فجعلهم الله آية دالة على معاد الأبدان -يعني أن الأرواح والأبدان تعاد- فإن أكثر ما أنكر المشركون من قديم الزمان هو بعث الأبدان، وأما بعث الأرواح فإن بعضهم قد آمن بذلك. قال: وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقصتهم من غير أن يعلمه بشر، آية دالة على نبوته. فإن أهل مكة أعرف الناس بالنبي عليه الصلاة والسلام، فهم يعرفون أنه رجل أمي ما قرأ ولا كتب، ولا صاحب أهل القراءة والكتابة، ولا خرج ليتعلم في أي بلاد من بلاد أهل القراءة والكتابة. فكان في هذا غاية في البيان والوضوح، وكذلك ظهور الحجة على أنه نبي مرسل من الله سبحانه وتعالى. فإنهم يعجزون -أي كفار قريش- أن يأتوا بالأسئلة، فضلا عن أن يأتوا بالأجوبة، يعجزون ماذا يسأل النبي عليه الصلاة والسلام حتى يسألوا أهل العلم عن الأسئلة بما لا علم لهم بها، فضلا عن جوابها. فيأتيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن من أعلمهم، بل كان رجلا أميا عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يجيبهم بما لا يستطيع أن يجحد جوابه أحد لا من علم ولا من لم يعلم. قال رحمه الله تعالى: فكانت قصتهم آية دالة على الأصول الثلاثة: الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر. ومع هذا فمن آيات الله ما هو أعجب من ذلك. طيب نقف إلى هذا الحد، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.