الدرس في ترجمة الشيخ محمد بن عبدالوهاب البنا 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن مرزوق البنى المولود في القاهرة عام 1333هـ، ونشأته في بيئة يسودها التصوف والعقيدة الأشعرية والعصبية المذهبية. يروي الشيخ عن نفسه أنه لم يكن يعرف شيئًا عن السلفية، ويسرد موقفًا عن تشدد والده في نقض الوضوء بمس المرأة.
يروي الشيخ محمد بداية رحلته في طلب العلم وما اعتراه من حيرة بسبب الاختلاف الفقهي، ثم توفيق الله له بمحبة القراءة وشراء الكتب النافعة على يد البائع السلفي محمد منير الدمشقي. يصف حضوره دروس الجمعية الشرعية وسماعه لعقيدة الأشاعرة في نفي العلو عن الله فعرف أنها بدعة وضلال.
يروي الشيخ محمد بن عبد الوهاب البنى مناظرته مع الشيخ علي حلوى الأشعري حول قولهم إن الله في كل مكان، واستدل بحديث الجارية في صحيح مسلم الذي أثبت فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله في السماء. ناقشا مصطلحي السلف والخلف، فانتهت المناظرة بمحاولة الاعتداء عليه، ففرّ وبدأ يفكر في طلب العلم عند أهل السنة.
يختتم المتحدث المقطع بالدعاء بالتوفيق للجميع، والصلاة على النبي محمد، والحمد لله، مع شكر المشاهدين على المتابعة. يؤكد على أهمية الاستمرار في طلب العلم الشرعي الصحيح.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الصفحات المضيئة وهذه التراجم المفيدة لعلمائنا المعاصرين الراحلين، الذين كما سبق وتكرر: حياتهم وتراجمهم عبارة عن مدارس، وهكذا جامعات يتعلم من خلالها طلاب العلم خاصة، والمسلمون على وجه العموم، يتعلمون دروسًا نافعة وأخلاقًا فاضلة وصفات كريمة. وكم تنشرح الصدور وتطمئن القلوب عند مذاكرة مثل هذه التراجم، يشعر الواحد أنه يعيش معهم وفي أوساطهم، فيحضر حلقاتهم ومجالسهم، ويخرج معهم في رحلاتهم وأسفارهم، ويشهد أحوالهم من السراء والضراء وغير ذلك. فهؤلاء العلماء وإن ماتت أجسادهم فإن علومهم لا تزال باقية، وينهل منها المسلمون ويستفيد منها الطالبون. فما أجمل وما أروع الاستفادة من حياة هؤلاء العظماء من العلماء العاملين الربانيين. وقد سبق معنا في الدرس الماضي الكلام حول ترجمة عالم كبير من هؤلاء العلماء، مع أنه مات في شبابه وفي عقده الرابع، في الثلاثين من عمره. فمن هو يا إخوان؟ يا أبا ناظم، من هو هذا؟ أبو صالح يرفع... نعم، الشيخ عبد السلام ابن برجس آل عبد الكريم، ويعتبر نموذجًا لطالبي العلم المجتهدين، كيف أن من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة. وهناك عدد من العلماء الذين ماتوا في شبابهم، ماتوا في شبابهم، لكن خلفوا ثروة علمية وميراثًا علميًا. سبق معنا فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الله عبد الرحمن ابن عمر ابن مرعي رحمه الله تعالى، وهكذا الشيخ حافظ ابن أحمد حكمي، وهكذا غيرهم ك النووي وغيرهم. وحديثنا أيها الأحبة في الله في هذه الليلة وفي هذا المجلس مع أحد هؤلاء العلماء، وهؤلاء الراسخين الذين شهد لهم العلماء بالعلم والفضل وسلامة المعتقد وصحة المنهج. حديثنا في هذا المجلس حول الشيخ العلامة محمد ابن عبد الوهاب ابن مرزوق البنى. الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ابن مرزوق البنى رحمه الله تعالى، من مواليد مدينة القاهرة بأرض الكنانة أرض مصر، وكان ميلاده في عام ألف وثلاثمئة وثلاث وثلاثين من الهجرة، يعني في بدايات القرن الميلادي الماضي، في ألف وتسعمئة وستة عشر من الميلاد. وولد الشيخ رحمه الله تعالى في بيئة يسودها التصوف والجهل بعقيدة أهل السنة والجماعة ومذهب السلف، ولا سيما في الأسماء والصفات. عاش في بيئة كان عندها من العصبية المذهبية... العصبية المذهبية. كان والده أزهريًا... أزهريًا نصب إلى ماذا؟ أزهريًا أزهريًا نصب إلى ماذا يا محمد؟ نصب إلى ماذا؟ أزهريًا إلى بني زهرة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم؟ أولئك النصب إليهم زهري ك محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري؟ لكن أزهريًا... نعم، إلى جامع الأزهر. أحسنت، جامع الأزهر والأزهر بمصر جامع وجامعة ومدرسة كبيرة جدًا، لكن في أكثر مراحله يتسلط عليه الأشاعرة والصوفية وغيرهم ممن عقيدتهم غير صحيحة. وقد يوجد في بعض الفترات من العلماء الراسخين من يدرس... من يدرس في هذا الجامع أو في تلكم الجامعة، لكن في أكثر المراحل كان ذلك هو الحال في جامع الأزهر: عقيدة أشعرية ومناهج وأفكار صوفية إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. فكان والده شيخًا أزهريًا وعلى الطريقة الصوفية ومتعصبًا لمذهبه. الشيخ محمد بن عبد الوهاب البنى قال عن نفسه: قال: «نشأت في هذا الجو الصوفي ولا أعرف شيئًا عن السلفية وأهل السنة والجماعة». قال: «وكنت أتعجب من والدي الذي كنت أراه يتوضأ، ثم عندما تمسه الوالدة عند مناولتها للفوطة يغضب كثيرًا ويقول: لقد انتقض وضوئي، ويذهب ويعيد الوضوء مرة أخرى. وفي ذلك الوقت لا يوجد كهربا ولا سخانات، فكنت أستغرب: كيف يرى أن مس المرأة ينقض، والوالدة لا ترى ذلك؟ أمه تخالفه، لا ترى أن مس المرأة ينقض، ووالده يرى... يرى ذلك». قال الشيخ محمد: «قال وأقول: أن الدين هو واحد، كيف هذا يقول ينقض وهذا يقول لا ينقض؟» قال: «وكان لي عم اسمه الشيخ سليمان، ذكرت له استغرابي وحيرتي أن أبي يرى مس المرأة ينقض، قال: ونحن في المدرسة درسنا أنه لا ينقض». قال: «فأعطاني كتاب الفقه على المذاهب الأربعة». قال: «فزاد في حيرتي، أعطاه كتابًا فيه الفقه المقارن ومذاهب وأقوال، قال: فزادت حيرتي». ثم في عام 1936 من الميلاد، عمل رحمه الله في الأوقاف، في الأوقاف. وذكر رحمه الله تعالى عن نفسه في هذه الفترة: قال: «وكان يعمل معنا شخص في سني والدي اسمه محمد صادق عرنوس». قال: «وكان شاعرًا وأديبًا، رآني أصلي وقال لي: يا محمد أفندي، هذه الأشياء التي تكثر عند المصريين سبب مخالطة الأتراك وغيرهم». قال: «وحين أن رآه يصلي يعني شاب في سنه يصلي، وكان يكثر على الناس عدم الصلاة، قال: رآني أصلي وقال لي: يا محمد أفندي، أنا أصلي معك. وكنت في ذلك الوقت أحافظ على الصلاة أنا ووالدي ولله الحمد». قال: «فكنا نصلي أنا ومحمد عرنوس ونقرأ من الكتب، مثل كتاب زاد المعاد. لمن كتاب زاد المعاد يا خان؟ يوسف، من مؤلفه زاد المعاد في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم. زاد المعاد يا أبا الحسن؟ قلت: الله أعلم. أصبت: زاد المعاد يا أبا مريم في هدي خير العباد، من مؤلفه، ونحن حديث عهد بذكره». أحسنت. من أجمل يا إخوان ما ألف ابن القيم، كتبه جميلة، لكن من أجملها زاد المعاد في هدي خير العباد. قال: «وقد أفادتني هذه القراءة، وجعل مخي يتفتح في القراءة والمناقشة، في القراءة والمناقشة».كذا ذكر رحمه الله تعالى. والشيخ يا إخوان بفطرته كان يشعر بل يعلم أن ما عليه المحيطون به من عقيدة أشعرية وأفكار صوفية أنها باطلة وأنها غير صحيحة، ولهذا فإنه كثيرًا ما يذكر فضل الله عز وجل عليه وهدايته له. قال الشيخ رحمه الله تعالى: قال: «صرت أحب القراءة، صرت أحب القراءة، وأنزل أشتري الكتب، أنزل أشتري الكتب». هذا يا إخوان لا يكفي، هذا لا يكفي: محبة القراءة ومحبة الكتب وشراء الكتب لا يكفي، هناك أمر ألا وهو التوفيق إلى الكتب النافعة. فكم من الناس من يشتري كتبًا خرافات وبدع وضلالات، ينفقون أموالًا في شرائها. لكن الشيخ رحمه الله تعالى قال: قال: «وأنزل أشتري الكتب، قال: وربنا سبحانه وتعالى إذا أراد للإنسان خيرا يوجهه إلى الطريق الصحيح». قال: «وجدت في الأزهر مكتبة صغيرة بها شاب اسمه محمد منير الدمشقي». قال: «فقلت له: أنا ما أعرف الكتب والمسلمون مختلفون، فدلني على كتب أستفيد منها». قال: «فكنت أشتري منه كتبًا بقيمة خمسين قرشًا شهريًا، جزاه الله خيرًا، ما في كتاب... ما في كتاب سلفي إلا كان يعطيني إياه». قال: «وأنا كنت ماهرا في القراءة، أقرأ... أقرأ وذاكرتي تحفظ مباشرة. انظر التوفيق». قال: «أقرأ وذاكرتي تحفظ مباشرة». قال: «وكانت تعجبنا جماعة اسمها الجماعة الشرعية، اسمها الجماعة الشرعية». لكن يا إخوان، المسلم فطن لا تغره الأسماء إلا إذا وافقت هذه الأسماء المعتقدات والمناهج والأعمال. هذه الجماعة تسمى الجمعية الشرعية، وعليها رجل يقال له الشيخ محمد أمير خطاب. قال: «وصلاتهم صلاتهم طيبة، وكنت أصلي معهم». وذكر رحمه الله تعالى أنه كان يحضر دروسهم في مسجد هذه الجماعة، وقيل الجمعية وكيلها رجل اسمه علي حلوى. علي حلوى كان يلقي دروسًا بها. قال الشيخ محمد: «وكنت أحضر يوم أو درس الأربعاء، درس الأربعاء، فكان هذا الشيخ يقرأ في التوحيد، يقرأ في التوحيد». أعجب الشيخ محمد بن عبد الوهاب البناء بالدرس في التوحيد، فسمع الشيخ في درسه يقول: «ربنا لا فوق ولا تحت ولا على اليمين ولا على الشمال، ربنا لا فوق ولا تحت ولا على اليمين ولا على الشمال». قال: «وكان مات ريديا على بذعة وفكرة المات ريدية». قال: «لأن الأشاعرة يقولون أن الله في كل مكان، وكان يقول: أي هذا الشيخ، من اعتقد أن الله في السماء فإنه كافر، من اعتقد أن الله في السماء قال: فإنه كافر، فإنه كافر، ولا يقول إنسان: أين الله، أي لا يجوز أن يسأل هذا السؤال: أين الله؟». قال الشيخ محمد: «وكان من الكتب التي أعطاني إياها محمد منير الدمشقي كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى». قال: «وقد قرأته، وقلنا الشيخ يقرأ ماذا أو يحفظ مباشرة؟» قال: «وقد قرأته، وكان في ذهني حديث معاوية ابن الحكم السلمي، يقصد حديث... ماذا؟ الجارية، الذي أخرجه مسلم». قال: «معاوية ابن الحكم السلمي، قال: كانت لي جارية ترعى غنمًا جهة أحد والجوانية، قال: فذهب الذئب بشاة من غنمها، قال: وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، أي أغضب كما يغضبون، لكني سكتّها سكة، فماذا؟ فندم، فذهب يريد أن يكفر عن خطئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن يعتقها لكي يكفر عن خطئه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة». قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب البنى: «قال: وكان في ذهني حديث معاوية ابن الحكم السلمي، فقلت لعلي حلوى، قال: قلت له: يا شيخ، تقول أن من قال إن الله في السماء فهو كافر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال للجارية إنها مؤمنة في حديث معاوية ابن الحكم السلمي في صحيح مسلم». فقال الشيخ علي: «أصلا... أصلا هي جاهلة، يعني من الجارية، أصلا هي جاهلة». قال: «فقلت له: يا شيخ، الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليقر الجاهل على كفره أم ليعلم الجاهل؟ الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليقر الجاهل على كفره أم ليعلم الجاهل أم ليعلم الجاهل؟». قال: «وكنت في أثناء هذه المناقشة ليس لدي فكرة بسلف خلف». قال: «فقال لي الشيخ علي: يا بني، علم السلف أسلم، علم السلف أسلم، وعلم الخلف أعلم وأحكم». لاحظ: قال له: «علم السلف أسلم وعلم الخلف... آه ماذا؟ أعلم وأحكم». فقلت: «أيش السلف والخلف يعني ما يفهم، إيش السلف والخلف؟» قال الشيخ علي: «السلف هم رسول الله وأصحابه، وهم رسول الله وأصحابه». قال: «فقلت: أعوذ بالله، أعوذ بالله، الخلف أعلم بالله من رسول الله؟». قال الشيخ محمد: «قال: وكأني ألقيت عليه ذنوبًا من ما... إيش الذنوب؟ سطل؟ قال: كأني ألقيت عليه ذنوبًا، ذنوبًا من ما على رأسه». قال: «فقام إلي خمسة من الرجال يريدون ضربي، ويقولون: وهابي، وهابي، هذا من أنصار السنة، هذا من أنصار السنة، حامد فقي، أكد، يقولون، وهذه كلها الغازات عند الشيخ ما يفهم: وهابي، وهابي، أنصار السنة، حامد فقي». قال: «فأراد أن يتمكنوا مني، قال: فوضعت يدي داخل جيبي لأوهمهم أن بداخلها سلاحًا، قال: وهربت منهم والحمد لله». قال: «وفي تلك الليلة لم أنم، وأخذت أفكر في كلام الشيخ علي حلوى: إيش السلف والخلف، ومن هم أنصار السنة، والشيخ حامد فقي، والشيخ حامد فقي». وهنا مرحلة أخرى سيدخل فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن مرزوق البناء، فيتعرف على السنة ومذهب السلف، ويبحث عن جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، وهكذا يبحث عن شيخها الشيخ محمد حامد فقي رحمه الله تعالى. فأصبح هذا من الأمور التي تتردد في ذهنه، تتردد في ذهنه، وسيأتي معنا إن شاء الله عز وجل الكلام حول بحثه عن الشيخ وعن هذه الجماعة، وكيف كان بعد ذلك، ماذا؟ لقاءه بالشيخ محمد حامد فقي، وبالشيخ عبد الرزاق عفيفي، وبالشيخ محمد خليل هراس، والشيخ عبد الرحمن الوكيل، وغيرهم من أعلام السنة. وهكذا انتقاله بعد ذلك إلى أرض الحرمين ونجد، إلى غير ذلك من الجوانب والصفحات في حياة هذا الشيخ العلامة رحمه الله تعالى. أفلح الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة، شكرًا.