الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع قصة جريج وكرامات الأولياء، حيث ابتلي جريج بسبب كذب امرأة عليه ولكن الله أظهر براءته بكرامة لنطق طفل في المهد. يستخرج منها فوائد منها قوة يقين جريج وخطورة الكذب وإثبات كرامات الأولياء.
يعرّف الولي بأنه المؤمن التقي الذي قد يظهر الله على يديه خوارق العادات ككرامة. أهل السنة يؤمنون بالكرامات مع التمسك بالكتاب والسنة، ويفرقون بينها وبين المعجزة والسحر.
يتناول المقطع مسألة بر الوالدين بإجابتهما على حساب صلاة النافلة، ويروي قصص إسلام أم أبي هريرة وأم سلمة، ويبرز حرص الصحابة على هداية ذويهم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، تقفنا عند عيسى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة جريج، حين دعت أمه وهو يصلي، فقال: «أي ربي أمي وصلاتي»، فاستمر في صلاته حتى فعل ذلك ثلاثا. فدعت عليه أمه أن لا يموت حتى يريه وجوه المومسات، أي الزواني، وما حصل له من إتيان تلك الراعية، وتمكينها أو تمكين نفسها لذلك الراعي. ثم اتهمت أن جريج هو الذي فعل حتى ولدت، فجاءوا إليه وهدموا صومعته. ثم سألهم عن ذلك، ما هو السبب في ضربه وهدم صومعته؟ فقالوا: إن هذه المرأة تزعم أنك زنيت بها، وأن هذا ولدك. فقال: دعوني حتى أتوضأ، ثم صلى، ثم سأل في بطن هذا الولد، فقال: من أبوك؟ فقال: فلان الراعي. ثم ذكرنا شيئا من فوائد هذا الحديث، منها قلنا أن صاحب الصدق مع الله جل وعلا لا تضره الفتن. وهكذا أيضا قوة يقين جريج، وذلك في صلاته، ووضوئه، وصلاته، ثم طعن في بطن هذا الولد، وسؤالهم من أبوه، فنطق هذا الصبي بأن أباه هو فلان الراعي. وكذلك أيضا في أن الله جل وعلا يجعل أوليائه عند ابتلائهم مطارج، يجعل لهم مطارج. وهكذا أيضا ربما تأثرت لحكمة يريدها الله جل وعلا من ذلك زيادة الأجر والثواب، تزداد البلوى وتستمر البلاء، ويكون ذلك سببا لرفع الدرجات. وهكذا أيضا من قوائد هذا الحديث خطورة الكذب، فإن هذه المرأة كذبت على جريج، فأدى هذا الكذب إلى أن اعتدي عليه في عرضه بالسب والشتم والضرب. وهذه من مفاسد الكذب، لما كذب عليه تعرض له بهذا السب والشتم. وهكذا يفعل الكذب، فالشخص ربما يكذب على شخص ويدعي فيه أشياء هو منها بريء، فيكون ذلك سببا في التكلم في عرضه والطعن فيه بما هو بريء منه. وكذلك أيضا فيه إثبات الكرامات، وذلك من طعن جريج في بطن هذا الصبي، ونطق هذا الصبي وهو في المهد أن أباه هو فلانا راعي. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بكرامات الأولياء، لكن الأولياء ليس على فهم كثير من الناس الذين اختلطت أفهامهم بما عشعش في رؤوسهم مما كان يبثه أهل البدع من الصوفية وغيرهم، أن الولي هو صاحب القبة أو صاحب المشهد أو الذي له كذا وكذا من الأفعال. بل الولي كما قال الله جل وعلا: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، فكل مؤمن تقي فهو ولي لله سبحانه وتعالى. وهذا الولي قد يظهر الله جل وعلا في يديه شيئا من خوارق العادات، يعني مما هو ليس مألوفا أن يفعله الناس، كرامة من الله جل وعلا له. فأهل السنة يؤمنون بذلك، وهم وسط بين أهل الإفراط والتفريط. فإن قوما أفرطوا في باب الكرامات وغلوا فيها، كحال الصوفية الذين غلوا في باب الكرامات وجعلوا ذلك شرطا في الولاية، وأن الشخص لا يكون وليا إلا إذا كانت له كرامات. وهكذا غلوا فيها حتى ربما وقعوا في الشعوذة والسحر، زعما منهم أن ذلك من الكرامات. وبعضهم يريد أن تظهر على يديه كرامات حتى يكون وليا، فيذهب ويستعمل السحر والشعوذة ويستعين بالشياطين حتى يظهر على يديه شيئا من خوارق العادات، فهذا من الكفر، وليس هذا من الكرامات المحمودة، بل هي من الكرامات المذمومة. وقوم أفرطوا وأنكروا الكرامات كالمعتزلة والأشاعرة، أنكروا الكرامات وقالوا إن إثباتها لا يميز بينها وبين المعجزة. وقالوا: لا يمكن أن نعرف الكرامة من المعجزة إذا أثبتناها. وقولهم باطل وليس بصواب، فإن المعجزة يدعى معها النبوة، بخلاف الكرامة. وكذلك أيضا أن المعجزة تكون في مقام التحدي، بخلاف الكرامة فإنها لا تكون في مقام التحدي. والضابط في ذلك هو اتباع الكتاب والسنة، من كان متبعا للكتاب والسنة وظهرت على يديه شيء من خوارق العادات فهي كرامة. وأما من أظهر على يديه شيء وهو مخالف للكتاب والسنة وعلى بدع وضلالات، وربما كان تاركا للصلاة ومرتكبا للمحرمات، ثم يزعم أن ذلك كرامة، فهذا يعلم أنه من فعل الشياطين والاستعانة بشياطين الجن. وكما قال الإمام الليث بن سعد رحمه الله: إذا رأيت الرجل يطير في الهواء فلا تصدقه حتى ترى اتباعه للكتاب والسنة. قال الشافعي رحمه الله: قصر الليث، بل إذا رأيت الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تصدقه حتى تنظر إلى تمسكه بالكتاب والسنة. وهذا أيضا كذلك في هذا الحديث في فعل جريج حين أراد أن يطعن أو يخبر هذا الصبي ويسأله بهذا السؤال، أنه توضأ ثم صلى. فقال بعض العلماء في ذلك إقبال العبد على الصلاة إذا حصل له أمر من الأمور المفزعة أو المخيفة، فإنه يقبل على الصلاة. وقد ورد في معنى ذلك حديث وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر صلى. وهذا الحديث رواه الطبراني وأحمد وأبو داود من حديث حذيفة، وهو ضعيف في سنده. وأيضا في قول أو في إجابة جريج لأمه حين دعته، فقال: «أي ربي أمي وصلاتي»، ثم أقبل على صلاته. ورد أثر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو كان جريج عالما لأجاب أمه»، أو «لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته». لو كان جريج فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه أفضل من عبادة ربه. وهو حديث ضعيف لا يصح. وإن كان المعنى صحيح كما مر أن إجابة الأم أو كذلك الأب إذا كان يصلي صلاة النافلة فإنه يقطع صلاته ويجيب والديه إذا كانت الصلاة نافلة، لأن إجابة الوالدين واجبة، وصلاة النافلة مستحبة، فيقدم الواجب على المستحب. وأما إذا كانت الصلاة فريضة فإنه لا يقطعها ويستمر في صلاته. قال: باب عرض الإسلام على الأم النصرانية. قال: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا عفيمة بن عمار، قال: حدثني أبو كثير السحيمي، قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما سمع بي أحد يهودي ولا نصراني إلا أحبني. إن أمي كنت أريدها على الإسلام فتأبى، فقلت لها، فأبت. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أدعو الله لها. فدعا. فأتيتها وقد أجابت على الباب، فقالت: يا أبا هريرة إني أسلمت. فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أدعو الله لي ولأمي. فقال: «اللهم عبدك أبو هريرة وأمه أحبهما إلى الناس». وهذا الأثر حسن، وكذا أصله في مسلم. وفيه إخبار أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ما سمع به أحد إلا أحبه، ولو كان يهوديا أو نصرانيا، وذلك لاستجابة الله جل وعلا لدعاء نبيه عليه الصلاة والسلام: «اللهم عبدك أبو هريرة وأمه أحبهما إلى الناس». فلهذا كان لا يسمع به أحد إلا أحبه، إلا من طمس الله بصيرته كالرافضة قبحهم الله الذين يطعنون في أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ويتهمونه بالكذب. وهكذا يطعنون في غيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. ثم أخبر أن أمه كانت كافرة، وكان يريدها أن تسلم ويدعوها للإسلام فتأبى. ومن حرصه رضي الله تعالى عنه على هداية أمه أتى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله أن يدعو الله لها، فدعى لها عليه الصلاة والسلام. فأتاها وقد أسلمت، رجع من عند النبي عليه الصلاة والسلام ووجدها قد أسلمت رضي الله تعالى عنها. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. والحديث له زيادات ذكرت في صحيح الإمام مسلم بخلاف هذا السياق.