الدرس في رسالة زجر السفهاء 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المقطع قاعدة شرعية تمنع تداول كلام العلماء في أقرانهم لاحتمال الهوى أو الحسد، مستشهداً بأقوال ابن عباس والذهبي وابن عبد البر. ويؤكد أن العالم الثقة المستقيم على السنة لا يُقبل جرحه إلا ببينة عادلة واضحة، والأصل في العلماء الثناء والتعاون لا التجريح.
يبيّن المقطع أن العلماء لا يقبلون جرح الأقران إلا ببينة واضحة، ويردّونه إذا كان دافعُه الحسد أو المنافسة، مستعرضاً نماذج تاريخية كجرح مالك وابن إسحاق، ومطين وابن أبي شيبة، والنسائي وأحمد بن صالح. وقد ردّ العلماء تلك الجروح وبقي التعديل معمولاً به.
يتميز علماء الجرح والتعديل بالعدل والإنصاف فيردون الجرح غير المبرر، وغالباً ما يثني الكبار بعضهم على بعض وينصرونهم رغم الخلافات الفقهية كما ظهر بين الألباني وابن باز وابن عثيمين والوادعي. وقد تنشأ النقد النادر من المنافسة أو الحسد أو الغضب، لكن الأصل هو المحبة والتقدير المتبادل.
يُشير المقطع إلى أن الغضب الشديد والاختلاف في المسائل المذهبية من أبرز أسباب تنازع العلماء، مع التأكيد على ضرورة تقدير حجم هذه الخلافات وعدم السماح لها بأن تؤدي إلى الفرقة والخصام بين أهل العلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمواصلةً لذكر بعض القواعد التي ينبغي أن يعامل بها العلماء، فمن تلك القواعد المهمة التي ينبغي أن نرعيها في معاملتنا مع العلماء ما ذكره أهل العلم من هذه القاعدة الجليلة العظيمة، وهي: أن كلام الأقران في بعض يطوى ولا يروى. الأقران: أي من العلماء من العلماء، فإن كلام بعضهم في بعض ينبغي طويه وإخفاؤه، ولا يروى رواية اعتبار، ورواية كذلك أخذ بهذا الكلام. وكلام العلماء في هذه القاعدة كثير. فمن ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهذا الأثر رواه ابن عبد البر في "الجامع"، أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «استمعوا علم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم في بعض». ويراد بالعلماء -كما تمت الإشارة إليه في كثير من الدروس- هم علماء السنة، علماء السنة من عرفوا بالعلم والدعوة والنصح والصبر وصحة المعتقد وسلامة المنهج. هذا هو المراد بالعلماء، فإن العلماء بشر قد يعرض لهم في كلامهم نوع من الهوى أو من العصبية، وهذا قليل نادر، وهذا قليل نادر، وأما الغالب فهو ثناء العلماء بعضهم على بعض، هذا هو الكثير الغالب، والقليل نادر ما يقع بين الأقران كما تقدم. قال الإمام الذهبي في "الميزان"، في "ميزان الاعتدال" المجلد الأول صفحة ١١١، عند ترجمته لأحمد بن عبد الله المشهور بأبي نعيم الحافظ الأصبهاني، والذي تكلم في ابن منده بغير حق، وكذلك ابن منده تكلم عليه بغير حق بكلام فضيع، فرد العلماء كلام بعضهم في بعض. فقال الإمام الذهبي معلقًا في "ميزان الاعتدال": «كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد». هذه أسباب كلام الأقران بعضهم في بعض: قد يكون لعداوة بينهما، وقد يكون لمذهب، ولي كذلك مسلك في مثلا أخذ بعض القواعد أو بعض الترجحات المذهبية أو الترجحات الفقهية كما مر معنا في الدروس الماضية، أو لحسد، فإنهم بشر قد يعرض لهم شيء من ذلك. فقال الإمام الذهبي: «لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله». وما علمت -يقول الإمام الذهبي- وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، لأن الأنبياء معصومون، والصديقون لمقامهم الرفيع ربما يتحاشون عن مثل ذلك، وأما غيرهم فقد يقعوا في هذا. هذا كلام واضح وبَيِّن. وقال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" عقب ما أورده في تحذير العلماء من قبول جرح بعضهم لبعض إلا ببينة، قال رحمه الله: «والصحيح في هذا الباب، والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر». انظروا، هذه قاعدة عند أهل السنة: وأي واحد يجرح يقبل جرحه؟ لا، إنما كما قال الإمام ابن عبد البر: لا بد في قبول الجرح من بيان بينة عادلة واضحة تصح بهذه البينة جرح ذلك المجروح، لا سيما إذا ثبتت في العلم أمانته كما قال، وبانت ثقته وعنايته بالعلم. فمن كان على السنة وعلى المنهج السوي وعلى الاستقامة وعلى العلم، فلا تتزحزح منزلته هذه إلا ببينة عادلة، إلا ببينة عادلة. ولم يلتفت، ولم يلتفت كما قال ابن عبد البر إلى قول أحد إذا لم يأتِ ببينة، والبينة تعرض على علماء عصره، على علماء عصره، فإن لم يقبلوها فيرمى بها عرض الحائط، يرمى بها عرض الحائط، إلا إذا أتى هذا المجروح ببينة، أتى هذا الجارح ببينة في ذلك المجروح، واضحة بينة، وأصر ذلك المجروح على ذلكم الزلل وعلى ذلكم الخطأ وعلى ذلكم الانحراف، فهذا يجرح ويترك كما هو معلوم. ومن كلام الأقران بعضهم في بعض ما جاء، ونحن نذكر هذا ليس على سبيل الاعتبار والأخذ بهذا الجرح، وإنما على سبيل بيان أن من العلماء من جرح، ورد جرحه، ورد جرحه، لأن العلماء علموا أن هذا الجارح لم يأتِ ببينة، لم يأتِ ببينة، وإنما الدافع له على ذلكم الجرح أمور كما سبق: إما لحسد، وإما لهوى، وإما لأغراض شخصية، وإما لوجود منافسة في البلد أو التخصص العلمي، وإما وجود الإحن والمخاصمات بينه وبين ذلك الذي جرحه، إلى غير ذلكم. وهناك أمثلة استفدناها من شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى، وقيدناه وقيدنا تلكم الفوائد من دروسه. فمن ذلكم ما جاء في كلام محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى في الإمام مالك، فتكلم على الإمام مالك، والإمام مالك تكلم عليه، فلم يقبل العلماء جرح أحدهما في الآخر، لم يقبل العلماء ذلك. قال محمد بن إسحاق: «هاتوا لي علم مالك فأنا بيطاره»، يعني: أنا سأفنده وأبين ضعفه وأبين وأبين كذلك هزالته أو هزالته. فقال الإمام مالك عن محمد بن إسحاق: «دجال من الدجاجلة». فلم يقبل العلماء ذلك، فعدلوا، وكذلك بقوا على تعديلهم لمحمد بن إسحاق، وكذلك الإمام مالك. ومن ذلك ما وقع بين مطين وهو محمد بن عبد الله الحضرمي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، تكلم أحدهما في الآخر، فلم يقبل العلماء كلام أحدهم في الآخر، حتى أن محمد بن عبد الله قال عن الإمام مالك -قال عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة-: «عصى موسى تلقف ما يأفكون». فتكلم في محمد بن عثمان بكلام شديد، بكلام شديد، فلم يقبل العلماء كلامه ذلك، لأنه من كلام الأقران بعضهم في بعض، بعضهم في بعض. كذلك من ذلك ما روي عن علي بن الجعد في مسنده، أو روى علي بن الجعد في مسنده، وكذلك الدارقطني في "المؤتلف"، روى ما وقع بين يحيى بن أبي كثير وقتادة، وقتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى، وكلاهما من أئمة أهل السنة. فذكر يحيى بن أبي كثير عند قتادة، فقال قتادة: «متى كان العلم عند السماكين؟» تكلم على يحيى بن أبي كثير. فذكر قتادة عند يحيى بن أبي كثير، فقال: «لا يزال أهل البصر بشر ما كان فيهم قتادة». انظروا: جرح، ومع هذا لم يقبل العلماء هذا الجرح، وفي تلكم العصور عصور التابعين رحمهم الله، أصحاب القرون المفضلة، ومع هذا لم يقبل العلماء جرح بعضهم في بعض، جرح بعضهم في بعض. فنظر العلماء في ذلك، فرأوا أن هذا الجرح ليس بمعتمد، وليس قائما على حجة وعلى بينة، فرد ذلكم الجرح. والأمثلة في هذا أيضًا ما يذكره أهل المصطلح، حتى أن الإمام العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته قال: «وقال: وربما رد كلام الجارح كالنساء في أحمد بن صالح». وأحمد بن صالح المصري رحمه الله تعالى من مشايخ الإمام البخاري، من مشايخ الإمام البخاري، فتكلم فيه النسائي بغير حق، وقيل أن السبب في هذا أن أحمد بن صالح لا يجلس المردان في حلقته، وكان الإمام النسائي أمرد، وكان تلميذًا عنده، فتكلم عليه. فيقول شيخنا الوادعي رحمه الله: قال العلماء: «تكلم النسائي في أحمد بن صالح بغير حق، فآذى نفسه، فآذى نفسه». انظروا إلى عدل العلماء، علماء الجرح والتعديل، علماء الكتاب والسنة، عندهم عدل، وعندهم كذلك إنصاف، وعندهم إنصاف. الجرح الذي يرونه ليس بقادح في الرجل، وليس له سبب شرعي، فإنهم يردونه، يردونه، ولا يقبلونه، ولا يقبلونه. وذكر العلماء كما تقدم أن جرح الأقران بعضهم لبعض له أسباب، له أسباب. فمن ذلك وجود المنافسة في البلد أو التخصص العلمي، فقد ينزغ الشيطان بينهما لوجود تلك المنافسة، لأن تخصصهما واحد، أو كذلك سؤال الناس لهما جميعًا لمكانتهم العلمية. وهذا يذكر العلماء حتى في أهل الصناعات الأخرى، في أهل الصناعات الأخرى. من أسباب الحسد المنافسة في بعض المهن، فتجد ذاك النجار ربما ماذا يتكلم على الآخر؟ يتكلم على الآخر النجار، لماذا؟ لأن بينهما منافسة، هذا يريد كذا وهذا يريد كذا، وتكون بينهم المخاصمة، تكون بينهما المخاصمة. فهذا كذلك يقع ربما بين العلماء، لأنهم بشر، وليسوا بمعصومين، وليسوا بمعصومين، فقد يقعون في مثل ذلك. وهذا قلنا قليل نادر، قليل نادر يعتد بالأصابع، ولكنه قد يقع. وأما الغالب فإن العلماء يثني بعضهم على بعض. انظر مثلا في مشايخ أهل السنة في هذا العصر، الكبار، الأموات منهم والأحياء، كالشيخ الألباني وابن باز وابن العثيمين والوادعي رحمهم الله، مع اتجاه الشباب السلفي لسؤالهم وأخذ العلم عنهم، مع هذا يثني بعضهم على بعض، مع وجود كذلك بعض الأبحاث العلمية بينهم كما تقدم معنا، ومع هذا يثني بعضهم على بعض. ما سمعنا أن الشيخ الألباني جرح، أو جرح الشيخ ابن باز، أو الشيخ ابن باز جرح الألباني، أو كذلك الشيخ الوادعي جرح الشيخ الألباني، أو الشيخ العثيمين، أبدًا. مع وجود الخلاف بينهم كما تقدم في بعض المسائل الفقهية، بل وبعض المسائل التي ربما يرى الشيخ الآخر أن خلاف قوله قول باطل، ومع هذا يعرف العلماء ماذا قدر الآخر ومنزلة الآخر، فلا يكون بينهم مثل ذلك. وهذا من فضل الله عز وجل على أهل هذه الدعوة، أن علماءهم ما سمعنا وجد بينهم خلاف بسببه تفرق الشباب وتفرق أهل السنة، أبدًا. بذاك الوقت ما وجدنا هذا، وهذا من بركة وجود هؤلاء العلماء الأكابر. فلما مات أولئك جاءت الفتن، وانفتح مثل ذلك الباب، باب الجرح، وباب كذلك ماذا، كلام بعضهم في بعض. وهكذا. كما تقدم أن من العلماء كذلك الكبار الأحياء ما سمعنا أنه وجد بينهم مثل ذلك، جرح بعضهم بعضًا: الشيخ الفوزان، والشيخ ربيع، الشيخ عبيد، مع وجود بعض الأمور التي ربما يختلفون فيها في أمور الفقه وفي مسائل أخرى، ومع هذا ما سمعنا أن بعضهم جرح بعضًا أبدًا، وتكلم بعضهم على بعض. فهذا هو الأكثر في علماء السنة: يثني بعضهم على بعض، ويحب بعضهم بعضًا، وينصر بعضهم بعضًا، وينصر بعضهم بعضًا، مع وجود بعض الخلافات بينهم. مع هذا يعرف كل واحد قدر الآخر ومنزلة الآخر. وقد ضربنا لذلك أمثلة في الدروس الماضية عند مبحث العدل في الحكم على العلماء، فأغنى ذلك عن الإعادة. وكذلك ذكر أهل العلم أن من أسباب كلام العلماء بعضهم في بعض الغضب الشديد، فالعالم قد يغضب، فإذا غضب تخرج منه أشياء ما يلقي لها بالًا، فيقع والعياذ بالله في جرح أخيه العالم الآخر. فهذا كذلك ينتبه له، غضب العالم وكلامه حال الغضب ينتبه له، ويعرض ذلك على أهل العلم. وقد تخرج كلمات شديدة عند الغضب، فلا يأخذ بها. كان يقال مثلا في أخيه العالم الآخر: «دجال من الدجاجلة»، أو «أعمى البصر والبصيرة»، أو كذلك «عنده هزال في العلم»، أو إلى غير تلك العبارات التي ربما الواحد إذا غضب ما يدري ما يخرج من رأسه، فينتبه لهذا. فمن أسباب كلام العلماء بعضهم في بعض كذلك الغضب الشديد، الغضب الشديد. كذلك الاختلاف المذهبي في بعض المسائل، وقلنا هذا قد تكلمنا عليه من قبل، وأن هذه المسائل ينظر فيها وفي حجمها، ولا تؤدى إلى المفارقة والمخاصمة، وكذلك التفرق. إلى هنا، والله تعالى أعلم.