الدرس في Lesson 3 Part 2، faith in the angels and the books ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن الإيمان بالملائكة كركن من أركان الإيمان، وصفاتهم وأعمالهم. نؤمن بهم دون تردد أو تحريف لما جاء في الكتاب والسنة.
يؤكد على أهمية التسليم لما جاء في الكتاب والسنة بشأن الملائكة دون رد ما ثبت بحجة مخالفته للعقل. يجب الإيمان بكل ما جاء عنهم دون تحريف.
يشرح الإيمان بالكتب السماوية والقرآن ككلام الله، ونؤمن بما جاء فيه والعمل بمقتضاه. القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية السابقة.
يبرز عناية الله بخلقه وأهمية الإيمان بالرسل. يشير إلى فضل الله وبركته ويختتم بالدعاء للنبي وآله وصحبه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي، وهو ما يتعلق بالدرس الثالث، الكلام على الركن الأول من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى. واليوم نأخذ إن شاء الله ما يتيسر من بقية أركان الإيمان. قال رحمه الله تعالى: أركان الإيمان وهي أن تؤمن بالله وملائكته... الركن الثاني من أركان الإيمان، الإيمان بالملائكة. والملائكة خلق من خلق الله، خلقهم الله عز وجل من نور، وهم عالم غيبي لا نعرف كيفيته، وهو من الغيب الذي لا يدركه الإنسان ولا يمكنه الإحاطة به. ولكننا نؤمن بما جاء من أوصافهم وأخبارهم في نص الكتاب والسنة، وما تواتر عن سلف الأمة. ومن ذلك أنهم خلق من خلق الله عابدون لله جل وعلا، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. خلقهم الله من نور، وخلقهم على خلقة يكونون فيها في غاية الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه. وهم مع ذلك ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، وهم خلق من خلق الله لا يوصفون بأنوثة كما نفى الله عز وجل عنهم ذلك في مواضع كثيرة من كتابه. وهم كذلك عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. وكل هذا نؤمن به كما جاءت الأخبار الصحيحة به، ولا نعلم عن كيفيته وحقيقته؛ لأنه من الغيب الذي لا يدرك إلا بالوحي. فما علمنا أثبتنا مما جاء في الكتاب والسنة، وما لم نعلمه توقفنا فيه لعدم علمنا به. فنؤمن بوجودهم أولا، ونؤمن كذلك بما علمنا من صفاتهم جملة وتفصيلا. فإن من أوصافهم كما سبق علمنا أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ومن ذلك أنهم يلهمون التسبيح ويوفقون له، كما قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهكذا كذلك من صفاتهم أن منهم من يدخل إلى البيت المعمور بأعداد كبيرة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، يدخلون ولا يرجعون، يعبدون الله عز وجل ويسبحونه ويكبرونه جل وعلا. ومنهم الموكل بأعمال، فهناك ملك للجبال، وملك للسحاب، وملك بنفخ الأرواح وقبضها، وهكذا ملك أو ملائكة للجنة، وملائكة للنار، وغير ذلك مما علمناه مما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. فمنهم من يكتب الأعمال، ومنهم كذلك يحفظ العباد، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، ملائكة كاتبين يكتبون ما يأمرهم الله عز وجل بكتابته، وملائكة آخرين حفظة يحفظون الناس من بين أيديهم وأمثالهم من المؤمنين. وملائكة تنصر المؤمنين وتدفع عنهم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. وهكذا يجاهدون مع المؤمنين كما أخبر الله عز وجل أنه أمد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه بألف من الملائكة مردفين. ومنهم الموكل بالوحي كجبريل عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك مما علمناه في الكتاب والسنة، نؤمن به جملة وتفصيلا. وهكذا من الإيمان بالملائكة الإيمان بما علمنا من أوصافهم في خلقتهم، وأن منهم من يتكيف كجبريل عليه الصلاة والسلام، له أكثر من ستمائة جناح يملأ ما بين المشرق والمغرب أو يملأ الأفق. ومع ذلك جاء للنبي عليه الصلاة والسلام بصورة رجل، وكان أحيانا يأتي كرجل لا يعرف أحد، كما جاء في حديث عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما حين أتى يعلمهم أمور دينهم. وهكذا كذلك أحيانا يأتي بصورة من يعرفه الناس كذحية الكلبي. فالله عز وجل أقدرهم على ذلك، وهو على كل شيء قدير. فنؤمن بذلك كله. وهكذا نؤمن بما علمنا من أعمالهم، خزنة الجنة وخزنة النار، وملك الجبال، وغير ذلك ممن يكتب الأعمال أو ينفخ الروح أو يقبض الأرواح، أو من يأتي إلى القبر فيسأل، أو غير ذلك مما علمنا، نؤمن به. وأنهم يفعلون ما يأمرهم الله عز وجل به. وهكذا من الإيمان بالملائكة الإيمان بمن علمنا من أسمائهم ممن علمنا اسمه كجبريل عليه الصلاة والسلام، ومالك، وغير ذلك مما ثبت الدليل الصحيح من الكتاب أو من السنة بثبوت اسمه. وما لم يثبت فإننا لا نثبته، كعزرائيل ملك الموت، فإنه لم يثبت في شيء صحيح أن ملك الموت اسمه عزرائيل. وهذا يدلنا على غيره من الكثير الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. ومما وقع في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أشياء كثيرة مما يتعلق بتفاصيل الإيمان بالملائكة، نؤمن به كما جاء، وينبغي أن نعلم هنا شيئين اثنين. الأمر الأول أن المؤمن ينبغي عليه أن يؤمن ويسلم بكل ما أخبر الله عز وجل به في كتابه أو رسوله عليه الصلاة والسلام بسنته، ومن ذلك الإيمان بالملائكة وسائر ما يتعلق بالإيمان به كما سمعنا جملة وتفصيلا. فإن هذا من تمام التسليم لشرع الله. والأمر الثاني أن نؤمن أن العقل لا يمكنه إدراك كل شيء، فهو يعجز عن إدراك المحسوس الذي في عالمه، عالم الشهادة، فكيف بعالم الغيب؟ ونقول هذا؛ لأنه قد دخل على بعض الناس بسبب بعض الكافرين ومن تبعهم من ضعفة المسلمين من العقلانيين من يريد أن يجمع بين الإيمان والإسلام مع نفي أشياء مما يتعلق بالدين عموما، وبالإيمان بالملائكة خصوصا، زعما أن هذا يخالف العقل. وبين الإيمان بالإسلام والإيمان وبين نفي ما ينافيه فيما زعم مما يعارض العقل في مسائل تتعلق بالدين عموما، وبالملائكة على وجه الخصوص. وزعم أن هذا يخالف العقل، وهذا أصل فاسد؛ لأن ليس كل ما نفاه العقل فهو منفي. فالعقل قد يحيل أشياء، فإذا جربها وشاهدها أثبتها. فالعقل في زمن ما كان يحيل أن يطير الإنسان في السماء، ولو قال أحد ذلك في زمن متقدم، فصار ماذا؟ مجنونا، وغير واقعي. لكن اليوم صار العقل يثبت مثل هذا. ما هو السبب؟ العقل هو العقل الذي هو اليوم، والذي هو بالأمس. السبب أنه رأى شيئا فلم يجد بدا إلا أن يؤمن به بالمشاهدة والحس. وهكذا كذلك ما يحيله العقل مما هو من الأمور الغيبية هو في الحقيقة قصور في تلك العقول، وإلا فعقول المؤمنين الكاملين في الإيمان لا يترددون في الإيمان بكل ما ثبت في الكتاب وصحيح السنة. ويعلمون أن العقل ليس هو المعيار في إثبات الحقائق؛ لأن العقل يتبع في عالم الشهادة الحس والتجربة، فكيف بالغيب مما أخبر الله عز وجل به؟ وهو أصدق حديثا، وأصدق قيلا سبحانه وتعالى. وأخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى. وأضرب مثالا لذلك: ثبت في صحيح البخاري وغيره أن ملك الموت كان فيما سبق يأتي إلى الناس بصورته، وأنه أتى إلى موسى عليه السلام في قصة، والمهم أن موسى عليه السلام ضرب عين ملك الموت. فالشاهد أن هذه القصة ثابتة في الصحيح، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بما جاء في هذا الحديث، وأن هذا حق وصدق. وأما كيفيته على التفصيل، ربما هو ليس بمقدورهم إدراكه، لكن يؤمنون بأن هذا حق وصدق كما دلت عليه الأدلة الصحيحة. فلا يجدون في ذلك حرج. لكن بعض العقلانيين وللأسف ذهبوا يطعنون في الحديث، ويردون السنة بحجة أن هذا يخالف العقل، وهكذا أشياء أخرى كثيرة. فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الله عز وجل أرسل ملك الموت لموسى عليه السلام، فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله عليه عينه، وقال: ارجع فقل له يضع يده على مثن ثور، فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فقال موسى: فالآن -يعني يموت- فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فهذا الحديث نؤمن به وبما جاء من تفصيل فيه، ونعلم أنه حق ما دام قد صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن بعض العقلانيين كالغزالي مثلا ينفي مثل هذا الحديث، ويحاول يحرفه أو يضعفه في غير حجة، وهذا المسلك غير صحيح. والواجب هو تمام التسليم بذلك؛ فإن ملك الموت خلق من خلق الله، وهو رسول من رسل الله أرسله الله، كما أن الأنبياء خلق من خلق الله ورسل أرسلهم الله. وقد وقع بما شاء الله وأراد أن يبتل بعض الأنبياء بتسلط بعض الكافرين عليهم، فكم قتل من نبي وهم أنبياء؟ ولله حكمة في ذلك. فالمهم أن المسلم ينبغي أن يكون عنده تمام التسليم لكل ما جاء، فما فهمه وفهم معناه آمن به، وما لم يفهمه سأل أهل العلم، وإلا فيقول: آمنت بالله على مراد الله، وبما جاء عن الله كما أراد الله سبحانه وتعالى. ومما يجب الإيمان به أيضا الإيمان بالكتب، فنؤمن بالكتب التي أنزلها الله عز وجل على رسله، فما علمنا منها مفصلا آمنا به مفصلا، وما لم نعلمه آمنا به إيمانا مجملا. ومن الإيمان بالكتب الإيمان أولا بأن نزولها من عند الله حقا، نزلت من عند الله عز وجل. ومن الإيمان بالكتب كذلك الإيمان بما علمنا من أسمائها، كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وصحف إبراهيم وموسى. ونؤمن بأن القرآن هو المهيمن على هذه الكتب، والناسخ لها. المهيمن يعني الذي إليه المرجع. فنؤمن بكل ما أخبرت هذه الكتب أنه حق وصدق. وأن تلك الكتب ما قبل القرآن لحقها التحريف بالزيادة والنقص، فلم تبق كما أنزلها الله، كما أخبرنا الله عز وجل في كتابه في آيات كثيرة -أي في القرآن- بأنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه -أي أهل الكتاب-. ولذلك فإن الله عز وجل نسخ تلك الرسالات برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتلك الكتب بهذا الكتاب العظيم، وهو القرآن الكريم. فنؤمن أنه -أي القرآن- كلام الله، وليس بكلام أحد من البشر ولا من الخلق، لا جبريل ولا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو تنزيل من رب العالمين بلسان عربي مبين على نبينا عليه الصلاة والسلام، نزل به جبريل من عند الله إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. وهو ناسخ لما قبله من الكتب كما سبق. فالواجب الإيمان بما جاء فيه، والعمل بمقتضاه، بامتثال أمره واجتناب نهيه والوقوف عند حدوده. وأنه مهيم على الكتب، وشاهد عليها كما أخبر الله عز وجل عن هذا القرآن العظيم. وهكذا كذلك العمل بما علمنا من الإيمان بالكتب، العمل بما علمنا من الوجوب العمل به، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. فكل ما جاء مما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأراده الله عز وجل فقد ذكر في القرآن. فالقرآن جامع لكل ما في الكتب السابقة، شاهدا عليها ومهيمنا عليها. ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. ولهذا كان القرآن ناسخا لما قبله من الكتب. وكما نرى أن الإيمان بالكتب مرتبط بالإيمان بالملائكة، وهكذا أركان الإيمان مرتبط بعضها ببعض. والإيمان بالملائكة والكتب مرتبط بالإيمان بالله؛ فإن كل ركن يستلزم الركن الآخر. الإيمان بالله يقتضي الإيمان بملائكته وكتبه، والإيمان بالملائكة يقتضي الإيمان بالله وبالكتب. وهكذا نقول في الكتب: والإيمان بالكتب، وبالقرآن العظيم على وجه الخصوص، يدلنا على حكمة الله عز وجل ورحمته بخلقه جل وعلا؛ إذ أنزل لكل قوم كتابا يهديهم. فإن الله عز وجل من حكمته أن أنزل من شرعه ودينه على لسان رسله، أو ما كان في كتبه ما يصلح به أحوال الخلق. كما قال سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾. وهكذا قال الله عز وجل عن نبينا عليه الصلاة والسلام الذي ختم الله برسالته الرسالات، وبالكتاب الذي أنزله إليه الكتب، وبالدين الذي بعث به الأديان. هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل في ضلال مبين. فالحمد لله على ما أنعم سبحانه وتعالى، وبه نعلم حكمة الله عز وجل في تشريعه لما شرع من دينه لكل أمة بما يناسب أحوالهم وأزمانهم. كما قال الله عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. فكان من حكمة الله أن ختم بهذا الدين الذي جعله سبحانه إلى قيام الساعة، وهو يصلح به أو تصلح به أحوال الناس إلى قيام الساعة. وهذا كذلك يوجب علينا شكر نعمة الله في ذلك. فنحن نرى عناية الله عز وجل بخلقه ورحمته وتفضله بهم. وهذا يدلنا كذلك إلى الإيمان بالرسل، وهذا الذي سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الدرس اللاحق. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا.