الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استهل المتحدث الدرس بالصلاة والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه، ثم شرع في تقرير أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى حقيقة تكلم به بحرف وصوت وأنزله على نبيه بواسطة جبريل. واستدل على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تثبت سماع كلام الله للقريب والبعيد، راداً على قول الأشاعرة بأنه مجرد تعبير عن المعنى النفسي.
يبيّن هذا المحور أن القرآن كلام الله تعالى تكلم به حقيقة وسمعه جبريل عليه السلام، ويرد أقوال الأشاعرة بأنه عبارة، والكلابية بأنه حكاية، والجهمية بخلقه في الشجرة. ويستدل بآيات التنزيل واستعاذة النبي بكلمات الله التامات، مؤكداً أن كلام الله صفة غير مخلوقة، وأن الإمام أحمد بن حنبل ثبت على هذا الحق في محنة خلق القرآن.
يؤكد المقطع أن القرآن نزل بلغة العرب ليفهم على مقتضاها، وأن الصحابة فهموا صفات الله كحقيقتها دون تعطيل أو تمثيل. يوضح الفرق بين علو الله العام على المخلوقات والعلو الخاص باستوائه على العرش، مبيناً أن أهل السنة يثبتون النوعين بخلاف أهل البدع، مستدلين بالكتاب والسنة والإجماع والفطرة.
بسم الله ورحمة الله. الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى، تكلم به حقاً، وألقاه إلى جبريل، فنزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾". ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الموضع فيما يتعلق بكلام الله جل وعلا أن القرآن من كلام الله جل وعلا، فكلام الله جل وعلا كثير لا يعد ولا يحصى، وأوامره جل وعلا من كلامه. وهكذا التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب التي أنزلها جل وعلا فهي كلامه سبحانه وتعالى. ومن ذلك القرآن العظيم الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالقرآن الكريم كلام الله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ يعني: طلب جوارك، وطلب الجوار والأمن، فأمر الله جل وعلا نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام أن يأجره ويسمعه كلام الله. ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، ما هو كلام الله؟ القرآن الذي سيتلوه النبي عليه الصلاة والسلام على هذا المشرك الذي طلب الجوار، لعله يهتدي بهذه الآيات التي سيقرؤها النبي عليه الصلاة والسلام. فسمى الله جل وعلا القرآن كلامه جل وعلا. فالقرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى. وكذلك قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: أمر الله جل وعلا نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام أن يتلو ما أوحي إليه من كتابه جل وعلا، ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، فسمى هذا الذي سيتلوه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما أوحي إليه الله جل وعلا إليه، كلامه، سماه كلامه: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، أي: لذلك الذي سيتلوه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما أوحي إليه عليه الصلاة والسلام من كتاب ربه جل وعلا. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عند الترمذي وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا رجل، ألا رجل يحملني إلى قومه كي أبلغ كلام ربي، فإن قومي منعوني أن أبلغ كلام ربي». ألا رجل يحملني إلى قومه كي أبلغ كلام ربي، وهو عليه الصلاة والسلام سيبلغ القرآن، فسمى النبي عليه الصلاة والسلام القرآن كلام ربه جل وعلا. فالقرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى، تكلم به حقيقة جل وعلا، والله جل وعلا يتكلم بحرف وصوت، كما ثبت في النصوص الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. والله جل وعلا يتكلم وينادي بحرف وصوت، يسمعه من بعد كمن يسمعه من قرب، وهذا من أوصاف كلام الله جل وعلا، وأنه ليس ككلام البشر. ليس ككلام البشر: كلام البشر إذا تكلم شخص، ليس الذي كان عن بعد يسمعه كمن يسمعه عن قرب. فالذي كان عن قرب يسمع كلام البشر واضحاً، أما من كان عن بعد فهو وإن كان يسمع هذا الكلام لكن لا يسمعه كذلك الذي سمعه عن قرب. بخلاف كلام الله جل وعلا، فكلام الله جل وعلا لا مماثل لكلامه سبحانه وتعالى، ولا أحد كلامه ككلام الله جل وعلا. فكلام الله سبحانه وتعالى يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، كما جاء في حديث عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه وأرضاه. هذا الحديث العظيم الذي رحل لأجله جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه لأجل تحصيله، رحل جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما إلى عبد الله بن أنيس لأجل تحصيل هذا الحديث العظيم الذي لم يبلغ جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. فالله سبحانه وتعالى يتكلم كما شاء وكيف شاء، ويتكلم حقيقة جل وعلا، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وكلامه جل وعلا حروف وأصوات، ومنه هذا القرآن، فهو حروف وأصوات: ﴿الم﴾، هذه حروف تكلم الله جل وعلا بها. ﴿كهيعص﴾، ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، ﴿المص﴾، ﴿المر﴾، هذه كلها حروف من حروف القرآن تكلم الله جل وعلا بها. فكلام الله جل وعلا حروف، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من قرأ آية فله عشر حسنات، قال عليه الصلاة والسلام: «لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». فأثبت النبي عليه الصلاة والسلام أن القرآن مكون من حروف، وهو كذلك مكون من كلمات. والقرآن كلام الله جل وعلا تكلم به حقيقة جل وعلا، فإذا هو حروف، وهكذا كذلك أصوات. وهكذا كلام الله جل وعلا يسمع، كلام الله جل وعلا يسمع. ولذلك الملائكة إذا سمعت الأمر يقضى في السماء أخذتها رعدة شديدة حين يسمعون كلام الرب جل وعلا، وأمر الله جل وعلا الذي يقضيه في السماء. فأهل السنة والجماعة يثبتون أن القرآن كلام الله جل وعلا، وهو كذلك يتكون من حروف، وهكذا من أصوات، وكذلك هو كلمات، وأن الله جل وعلا يتكلم متى شاء وكيف شاء سبحانه وتعالى. لا كما تقول الأشاعرة في القرآن إنه عبارة عن كلام الله، لم يتكلم ربنا عز وجل، وإنما جبريل هو الذي عبر، هو الذي عبر عن كلام الله جل وعلا. فالقرآن عندهم عبارة عن كلام الله، يعني أن الله جل وعلا ما تكلم بهذا القرآن، ما تكلم بهذا القرآن وسمعه جبريل من رب العالمين جل وعلا ثم نزل به إلى نبينا وعلى قلب نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يقولون: جبريل عبر عن كلام الله جل وعلا. فهذا القرآن هو عبارة عن كلام الله، أي أن الله لم يتكلم به، وإنما هو عبارة عن كلام الله، جبريل هو الذي عبر، جبريل هو الذي عبر، كأنه علم ما في نفس الله جل وعلا ثم عبر بذلك. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ولا كما يقول كذلك الكلابية الذين يقولون: القرآن حكاية عن كلام الله جل وعلا، جبريل حكى كلام الله جل وعلا. الله ما تكلم بهذا الكلام بصوت سمعه جبريل، وإنما جبريل حكى كلام الله سبحانه وتعالى. فلا الأشاعرة يقولون: عبارة، والكلابية يقولون: حكاية. جبريل حكى كلام الله سبحانه وتعالى، ويقولون كذلك: للأشاعرة، جبريل إذا عبر باللغة العربية فهذا هو القرآن، وإذا عبر به باللغة السريانية فهو إنجيل، وإذا عبر باللغة العبرانية فهو توراة. وهذا كله باطل. بل ربنا عز وجل تكلم بهذا القرآن، وتكلم كذلك بالإنجيل والتوراة وغيرها، وجبريل عليه الصلاة والسلام سمع كلام الله الذي بلغه الله سبحانه وتعالى إياه، ثم نزل جبريل بكلام الله جل وعلا إلى أنبياء الله جل وعلا، سوى كان القرآن أو التوراة أو الإنجيل أو غير ذلك مما أنزله الله سبحانه وتعالى على عباده. فالقرآن كلام الله جل وعلا تكلم به وسمعه جبريل عليه الصلاة والسلام. ولا أيضاً كما يقولون: إنما هو كلام خلقه الله جل وعلا في الشجرة، وموسى سمع ذلك الكلام من الشجرة، أي أن الله عز وجل ما تكلم، وإنما خلق الله جل وعلا خلقاً كلاما في الشجرة، وموسى سمع ذلك الكلام من الشجرة. وهذا أيضاً باطل، ظاهر البطلان: كيف للشجرة أن تقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾؟ هل تقول الشجرة هذا الكلام؟ تدعو لنفسها أنها رب العالمين وأنها الله سبحانه وتعالى؟ تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. بل القرآن كلام الله جل وعلا، بدلالة كتاب الله جل وعلا، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وإجماع السلف الصالح. وفي هذا الأمر صارت محنة عظيمة، صارت محنة عظيمة لإمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني رحمة الله تعالى عليه، حين ظهر القول بخلق القرآن، حين ظهر القول بخلق القرآن، وأجبر المأمون الناس أن يقولوا: القرآن مخلوق، القرآن مخلوق. فصدع إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بهذا القول الحق، وأن القرآن كلام الله جل وعلا، وهو غير مخلوق، وهو غير مخلوق لأن كلام الله جل وعلا صفته سبحانه وتعالى، ومن صفاته جل وعلا، وصفاته سبحانه وتعالى غير مخلوقة، صفاته جل وعلا غير مخلوقة. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بكلمات الله التامات، كما كان يقول عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». وهكذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». فكان يستعيذ بكلمات الله جل وعلا، والاستعاذة إنما تكون... أو الاستعاذة لا تكون بالمخلوق، الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز. فدل هذا على أن كلمات الله جل وعلا هي من صفاته سبحانه وتعالى. فقال المصنف رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى، تكلم به حقاً، وألقاه إلى جبريل، فنزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم". ثم ذكر الأدلة على هذا، قال: قال الله عز وجل: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾، يعني: جبريل عليه الصلاة والسلام هو روح القدس، هو الذي نزل بهذا القرآن من رب العالمين جل وعلا ﴿بِالْحَقِّ﴾، يعني: سمعه من الله جل وعلا ثم بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذا أيضاً بيان أن القرآن منزل، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾، فالقرآن الذي هو كلام الله جل وعلا هو منزل، منزل من عند الله سبحانه وتعالى. والأدلة كثيرة في كتاب الله، في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، التي تدل على أن القرآن منزل من عند الله جل وعلا. منها ما ذكر المؤلف رحمه الله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، قوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وهكذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. قال سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. وقال جل وعلا أيضاً في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال جل وعلا أيضاً في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في آيات كثيرات فيها بيان أنه أنزل جل وعلا هذا القرآن. فدل هذا على أن القرآن منزل من عند الله سبحانه وتعالى. ولا حديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام فيها بيان أن الله جل وعلا أنزل عليه هذا القرآن، فكان عليه الصلاة والسلام يقول في بعض الأحاديث: «أنزل علي الليلة آية» أو كذا. فيها أحاديث كثيرة، وهذا فيه دليل على أن القرآن ينزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم من عند ربه جل وعلا، ينزل به الروح الأمين وروح القدس وهو جبريل عليه الصلاة والسلام. وهذا كذلك أيضاً فيه بيان أن القرآن نزل بلغة العرب، لقوله جل وعلا: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. فالقرآن نزل بلغة العرب، وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. وهذا لسان عربي مبين، وهذا لسان عربي مبين. فالواجب أن يفهم هذا القرآن، وأن تفهم معانيه على مقتضى لغة العرب، على مقتضى لغة العرب. ولذلك كان السلف الصالح يقرؤون هذا القرآن ويفهمون معانيه على ما تقتضيه لغة العرب. وهذا القرآن أنزله الله جل وعلا على أولئك الذين هم على علم عظيم بلغة العرب، لأنه نزل بلسانهم وبلغتهم. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم، كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ عليهم هذا القرآن، كان يقرأ عليهم هذا القرآن المنزل بما فيه، فيسمعون فيه الصفات الثابتة لله جل وعلا من صفات الوجه واليدين، وهكذا العينين، وهكذا السمع والبصر، وغيرها من الصفات، فكان يفهمونها ويعلمون معانيها على ما تقتضيه لغتهم وهي لغة العرب. ولذلك لم يردوا شيئاً من هذه، ولم كذلك يسألوا عن كيفيات هذه الصفات، لأنهم قد علموا أيضاً أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، فكيف بعد ذلك يعلمون كيفية صفاته سبحانه وتعالى؟ ولذلك سلموا من الوقوع في ما وقع فيه المتأخرون من الخلف الذين عطلوا صفات الله جل وعلا عن معانيها التي تقتضيها لغة العرب، فصاروا يحرفون، وصاروا كذلك يعطلون المعاني، وذلك بسبب عدم التسليم الكامل بما جاء في نصوص الكتاب والسنة، وعدم كذلك السير والرضا بما سار عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فلذلك على الإنسان أن يحذو حذو السلف في فهم كلام الله جل وعلا، وخاصة فيما يتعلق بهذا المبحث العظيم، مبحث الأسماء والصفات، وإلا فإنه سيضل، وسيفهم المعاني بغير ما أمر الله جل وعلا وبما يرضي الله سبحانه وتعالى. فلذلك على الإنسان أن يسلم للنصوص، ويمر هذه يمر هذه النصوص كما أمرها السلف الصالح، فيثبتون من غير تمثيل، وينزهون من غير تعطيل. وهكذا يثبتون المعاني، يثبتون معاني هذه الصفات على ما تقتضيه لغة العرب، لأن القرآن نزل بلغة العرب، كما أخبر الله جل وعلا في كتابه الكريم. قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأنه خلق السماوات...". الصلاة... صلاة كم الصلاة؟ خمس دائم. قالوا: "نؤمن بأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يدبر الأمر". قال: "واستواؤه على العرش علوه عليه بذاته، علواً خاصاً يليق بجلاله وعظمته، لا يعلم كيفيته إلا هو". هذا فيه بيان صفة العلو لله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى له علوان: علو عام، وعلو خاص. أما العلو العام فهو علوه جل وعلا على مخلوقاته جميعا، علوه جل وعلا على مخلوقاته جميعا. وأما العلو الخاص فهو العلو على العرش، استواؤه على العرش، هذا العلو الخاص. فالمسلم يؤمن بأن الله جل وعلا هو الذي خلق السماوات، وهو الذي خلق الأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، كما أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم في آيات كثيرات، وأن استواءه جل وعلا على العرش علوه عليه بذاته، قال: علواً خاصاً. فهذا علو خاص، وهو علوه جل وعلا على العرش بذاته. نثبت هذا العلو، يثبت أهل السنة على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وعظمته، لا يعلم كيفية ذلك العلو الذي هو ثابت لله جل وعلا، سوى كان علوه العام على جميع مخلوقاته، أو كان علوه الخاص على العرش، لا يعلم ذلك أحد إلا الله سبحانه وتعالى. أهل السنة الجماعة يثبتون هذين النوعين من العلو، وأما غيرهم من أهل البدع فإنهم إنما يثبتون العلو المعنوي، العلو المعنوي وهو أن الله جل وعلا له علو القدر، وله علو القهر. فهذا يثبته حتى أهل البدع، لكن لا يثبتون علو الذات، لا يثبتون علو الذات وأن الله جل وعلا استوى على العرش، وعلوه جل وعلا على العرش. وهذا لا يثبته إلا أهل السنة والجماعة، أما أهل البدع فإما أنهم يقولون: هو في كل مكان، أو ليس داخل العالم ولا خارج العالم، ولا كذا ولا كذا. وكل ذلك مخالف لما جاء في كتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالله جل وعلا له صفة العلو سبحانه وتعالى على العرش، وعلى جميع مخلوقاته سبحانه وتعالى، وله كذلك علو القدر، وعلو القهر. وأدلة العلو في كتاب الله، في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كثيرة جداً، حتى وصلها بعض أهل السنة إلى أكثر من ألف دليل، أكثر من ألف دليل يدل على علو الله جل وعلا بذاته: دلالة الكتاب، والسنة، ودلالة الإجماع، ودلالة الفطرة. دلالات كثيرة تدل على علو الله جل وعلا بذاته، وأنه في السماء. ومن ذلك ما جاء أن الله جل وعلا إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، والتنزيل كذلك: إنزال القرآن، وإنزال الحديد، والإنزال يكون من علو إلى سفل، من أعلى إلى أسفل. وهذا الكلام يحتاج إلى ذكر أدلته من الكتاب والسنة، ودلالة العقل، والإجماع، والفطرة، إن شاء الله تعالى سيكون في الدرس اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.