كتاب الصلاة  52

كتاب الصلاة 52

الدرس في كتاب الصلاة 52، الدرس الثاني والخمسون:من( الحديث الحادي والثمانون:عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ... والخضوع والطاعة لله تعالى من أجلِّ الحِكم والإسرار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في رفع اليدين في الصلاة

يشرح الشارح حديثا نبويا عن صفة رفع اليدين في الصلاة ويبين حكم رفع اليدين في مختلف المواضع خلال الصلاة. كما يوضح الحكمة من رفع اليدين وأنه سنة نبوية ثبتت بطرق مختلفة.

آراء العلماء في رفع اليدين

اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة، فمنهم من يرى استحبابه في تكبيرة الإحرام فقط، ومنهم من يرى استحبابه في مواضع أخرى. الأحاديث الصحيحة الصريحة تدعم استحباب رفع اليدين في المواضع الأربعة.

تفاصيل كيفية رفع اليدين وأحكامه

يتناول المقطع تفاصيل حول كيفية رفع اليدين، مواضع الرفع، آراء العلماء، وأدلتهم من السنة النبوية. الرفع عند تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه سنة مستحبة.

حكم الدعاء في الصلاة

الدعاء في الصلاة مستحب، وقد كان بعض الصحابة يأمرون أولادهم بإعادة الصلاة إذا لم يدعوا بهذا الدعاء. سيتم مناقشة هذا الموضوع بشكل أكبر في الحديث القادم.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الحادي والثمانون. قال عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: «سمع الله لمن حمد، ربنا ولك الحمد». وكان لا يفعل ذلك في السجود. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث صفة الصلاة. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري، قال رحمه الله -أي الإمام البخاري-: حدثنا عبد الله بن مسلم عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فذكر الحديث بلفظه. ورواه مسلم نحوا منه، كما أشار إلى ذلك المعلق. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: الصلاة مأدبة كريمة جمعت كل ما لذ وطاب. ومعنى مأدبة: يعني ما يقرب للضيف، سواء كان على مائدة أو طاولة أو سفرة أو غير ذلك. والمقصود أنها مأدبة معنوية. قال: جمعت كل ما لذ وطاب، فكل عضو في البدن له فيها عبادة خاصة. ومن ذلك اليدان، فلهما وظائف، منها رفعهما عند تكبيرة الإحرام زينة للصلاة، وإشارة إلى الدخول على الله، ورفع حجاب الغفلة بين المصلي وبين ربه. كل هذا من حكم رفع اليدين في الصلاة. وله حكم أخرى، فمن هذه الحكم: أن رفع اليدين تنبيه للأعمى خصوصا في المواضع التي قد يحصل فيها اللبس، تنبيه للأصم الذي لا يسمع التكبير يكون له تنبيه برفع اليدين. والأعمى الذي لا يرى حركة اليدين يتنبه بالصوت. ومن حكمه كذلك: أن المواظبة على هذه الأعمال تعبدا لله سبب لحياة القلب. ومن فوائده كذلك: خروج العبادة عن معنى العادة؛ لأن الإنسان إذا صار يصلي دون أن يتعبد بأفعال في كل حركة، صارت حركاته كالعادة. ولهذا كذلك شرع في هذا المقام التنويع، فمن فوائد تنويع العبادات إخراج العبادة من معنى العادة إلى معنى العبادة. فلهذا شرع في اليدين ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى أن يحاذي المكبر بيديه المنكبين هكذا أو هكذا، يحاذي المنكبين بطرف الأصابع مع المنكبين. والكيفية الثانية أن يحاذي بيديه الأذنين هكذا أو هكذا. والكيفية الثالثة أن يحاذي بأطراف أصابعه الأذنين، وبأطراف أكفه المنكبين هكذا. وبعضهم قال: هذه الكيفية تجمع بين الكيفيتين السابقتين. وعلى كل حال، سواء رفع إلى الأعلى -يعني وسط الكفين إلى الأذنين- أو إلى الأسفل -أطراف الأصابع مع المنكبين- أو الوسط: اليدان وأصابعهما إلى الأذنين وأطراف الكفين إلى المنكبين، فكله سنة، وقد صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكون العبد ينوع في هذه العبادة، هذا يخرجه من معنى العادة إلى العبادة؛ لأن الناس إذا تعودوا أن يفعلوا شيئا واحدا دخلوا في معنى العادة، صار الإنسان يصلي لا يدري ماذا يصلي؛ لأنه لا يراقب أعماله وأقواله، بخلاف الذي ينوع، والذي يستحضر حركة اليدين وحركة الرجلين وحركة العينين والرأس والظهر، وكل حركة وسكنة له تعبد فيها لله سبحانه. قال رحمه الله تعالى: قال: ورفع حجاب الغفلة بين المصلي وبين ربه، ويكون رفعهما إلى مقابل منكبيه، وهذه أحد الكيفيات التي ذكرت. قال: ورفعهما أيضا للركوع في جميع الركعات. أو ورفعهما: يجوز هذا وهذا، يعني كذلك يرفع يديه عند الركوع في كل الركعات، يعني الأولى والثانية والثالثة. قال: وإذا رفع رأسه من الركوع في كل ركعة، وهذا واضح. قال: وفي هذا الحديث التصريح من الراوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفعل ذلك في السجود. وسيأتي معنا الكلام على هذه الجملة: هل المراد به على إطلاقه أو المراد به في هذه الكيفية خاصة؟ والصحيح -كما سيأتي إن شاء الله- أنه في هذه الكيفية خاصة. فعندنا في رفع اليدين في الصلاة كيفيتان: الكيفية الأولى أن يرفع في أربعة مواضع يديه: الموضع الأول عند تكبيرة الإحرام، والثاني عند الهوي إلى الركوع، والثالث إذا رفع من الركوع، والرابع إذا قام من التشهد الأول. فإذا فعل هذه الكيفية فإنه لا يرفع يديه في السجود، سواء في النزول إلى السجود أو في الرفع من السجود. وأما الكيفية الثانية، وهي كذلك ثابتة صحيحة عن عدد من الصحابة، منهم ابن عمر نفسه: أنه يرفع يديه في كل خفض ورفع، في كل خفض ورفع يرفع يديه، ومن ذلك أنه يرفعهما كذلك في الهوي إلى السجود والرفع منه. قال رحمه الله: اختلاف العلماء. أجمع العلماء على مشروعية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لتواتر الأحاديث في ذلك؛ حيث روي عن خمسين صحابيا، منهم العشرة المبشرون بالجنة -يعني إثبات رفع اليدين في الصلاة-. قال: واختلف العلماء في رفع اليدين عند غيرها. فذهب جمهور الصحابة، فذهب جمهور الصحابة والتابعين على ماذا؟ جر التابعين على ماذا؟ جر التابعين -هنا قال والتابعين على ماذا- نعم، على ماذا؟ جمهور الصحابة والتابعون. هنا قال والتابعين على ماذا: معطوف معطوف على الصحابة، يعني جمهور الصحابة والتابعين. فالصحابة: ماذا؟ موقعه من الإعراب: مضاف إليه، إذن هذا مضاف إليه لمضاف محذوف، تقديره: وجمهور التابعين. نعم. قال: ومن بعده، ومنهم الإمامان الشافعي وأحمد، إلى استحباب ذلك في هذه الثلاث المواضع المذكورة في هذا الحديث. قال ابن المديني رحمه الله: هذا الحديث حج على الخلق، ومن سمعه فعليه أن يعمل به. ويقول هذا رحمه الله؛ لأن بعض أهل الرأي من الحنفية لا يرون رفع اليدين في هذه المواضع. قال: وقال ابن القيم: روي رفع اليدين عنه صلى الله عليه وسلم في هذه المواطن الثلاثة نحو من ثلاثين نفسا. أو روى: روى الرفع عنه صلى الله عليه وسلم في هذه المواطن الثلاثة نحوا من ثلاثين نفسا. واتفق على روايتها العشرة -يعني المبشرين بالجنة-. وقال الحاكم: لا نعلم سنة اتفق على روايتها الخلفاء الأربعة، ثم العشرة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة غير هذه السنة. وفي رواية عن الإمام أحمد اختارها -عندي المسجد- صوابه: المجد. هذا تصحيف فاحش. قال: اختارها المجد -يعني جد شيخ الإسلام وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية، وصاحبها الفائق والفروع-. واختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي، ورواية للإمام الشافعي، وطائفة من أصحابه، وجماعة من أهل الحديث: أن رفع اليدين يستحب في موضع رابع، وهو إذا قام من التشهد الأول في الصلاة ذات التشهدين. وسبقت الإشارة إلى ذلك. فأكثر الأحاديث فيها هذه المواضع الثلاثة المذكورة في حديث ابن عمر، وجاء موضع رابع، وهو إذا قام من التشهد الأول. قال: لما روى البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله -يعني يرفع يديه- إذا قام من التشهد الأول. قال رحمه الله: ولما في حديث أبي حميد عند أبي داود والترمذي وصححه: ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. وذهب مالك في أشهر الروايات عنه، وأبو حنيفة، إلى أنه لا يستحب رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام. وبعضهم ضعف الرواية عن إمام مالك. قال: وحجتهم حديث البراء بن عازب عند أبي داود: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه، ثم لم يعد». قال: وقد اتفق الحفاظ على أن قوله: «ثم لم يعد» مدرجة من يزيد بن أبي زياد أحد رواة الحديث. واحتجوا أيضا بما روي عن ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والترمذي: «لأصلين لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة». حسنه الترمذي، وصححه ابن حزم. ولكنه لم يثبت عند ابن المبارك، وعده ابن أبي حاتم خطأ -يعني ابن المبارك لم يصحح هذا الحديث، وابن أبي حاتم أعل هذا الحديث-. قال: وصرح أبو داود بأنه ليس بالصحيح بهذا اللفظ. فتلخص من هذا استحباب رفع اليدين في المواضع الأربعة. وخلاصة ما استدل به يدور حول أحد معنيين اثنين: الأول أن يكون صحيحا لكنه غير صريح، ومثل هذا لا يجوز أن يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي فيها رفع اليدين. والثاني أن بعضها صريح لكنه ضعيف. ولو قدر أنه صحيح مع صراحته، لحمل أنه كان قبل العلم بهذه السنة، والمثبت مقدم على النافي، فكيف وهو ليس بالصحيح؟ قال رحمه الله تعالى: فتلخص من هذا استحباب رفع اليدين في المواضع الأربعة، وهي عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وبعد الرفع منه، وبعد القيام من التشهد الأول. وهذه -كما قلنا- أحد كيفيتين، وهي الأكثر الغالب الأعم من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وما رواه الصحابة أحيانا -وهو قليل نادر- يرفع في كل خفض ورفع. وجاء ذلك -كما ذكر الشيخ أحمد شاكر- عن أكثر من إحدى عشر رجلا من الصحابة، منهم عبد الله بن عمر نفسه. وجاء في صحيح مسلم من حديث علي معناه. قال: ما يأخذ من الحديث استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام بإجماع العلماء، وعند الركوع وبعد الرفع منه عند الجمهور. وهذا على الخلاف الذي سبق، والراجح ما لخصه أخيرا. قال: الثاني أن يكون الرفع لمقابل المنكبين. وقلنا أن هذه أحد الكيفيات إذا لم نقل بالجمع. قال: الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل الرفع في السجود. وهذا على الصحيح أنه إذا كان فعل ذلك في الأربع المواضع المذكورة. وأما إذا فعل الكيفية الأخرى -وهذا قليل نادر- فإنه يجوز أن يرفع في كل خفض ورفع؛ فقد صح -كما سمعتم- فيما ذكره الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلى عن أكثر من إحدى عشر صحابي، ومن هؤلاء الصحابة عبد الله بن عمر نفسه. قال: الرابع حكم الله في ذلك كثيرة. وأجمع العلماء على أنه عبادة لله باليدين، وتلمسوا حكما أخرى. فمنهم من قال: زينة للصلاة. ومنهم من قال: رفع لحجاب الغفلة بين العبد وربه. وقالوا: بتحريك القلب بحركة الجوارح. وقال الشافعي: تعظيم الله واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ولا منافات بين هذه الأقوال وغيرها؛ فلله بشرائعه حكم وأسرار كثيرة. والقبول والطاعة لله تعالى من أجل الحكم والأسرار -يعني كونك تخضع لله وتطيعه في كل حركة من حركات الصلاة هذا وحده حكمة- فكيف إذا انضافت له حكم أخرى كما سبقت الإشارة إلى ذلك؟ وبهذا يعلم خطأ قول من يقول: إنه لا يستحب رفع اليدين. بل الصحيح: يستحب، لكن بالوصف الذي وردت به السنة. ولا يجوز بعد هذا أن يعارض الدليل بالرأي. ويذكر أنه قيل لبعض إمامه وقد رفع يديه: قال له بعض الرأي: ما لك ترفع يديك كأنك تطير -يعني في كل رفع وخفض رفع يديه- فقال: إذا طرت في الثانية طرت في الأولى -يعني كما أن الأولى أنت تقر فيها بالرفع ولم تقل أنها للطيران، فكذلك ما بعدها ينبغي أن يكون له التسليم-. طيب لهنا والله تعالى أعلم. هذا يقول: هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفع يديه قبل القيام من التشهد الأول؟ وردت بهذا كيفية. والأمر في هذا واسع -يعني إن رفع يديه وهو أسفل أو رفع يديه وهو أعلى-. وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام يرفع يديه مع التكبير، ويرفع يديه قبل التكبير، ويرفع يديه بعد التكبير. وقد أشهار الشيخ العلامة الألباني رحمه الله لهذه الكيفيات الثلاث في كتابه العظيم «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»، بل يرجع إليه. يقول: ذكر بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل وقد سترت سهوة لها بقرام فيه تصاوير. ما معنى سهوة لها؟ السهوة: الفتحة التي تحفظ فيها الأشياء، والغالبا تكون للطبخ -يعني توضع فيها أدوات الطبخ-. وكان في ذلك الزمان أدوات الطبخ يسيرة -يعني عندهم في الغالب الناس قدر واحد يطبخون فيه كل الطعام- وربما إذا زاد شيء آخر لأجل ما يشربون مما يحتاج إلى تسخين، فمثل هذا يوضع في مثل هذا، ويستر بالستار صغير. وما زال بعض الناس إلى يومنا هذا في البيوت القديمة عندهم مثل هذا: سهوة صغيرة -يعني مثل المنفذ في الجدار يكون للطبخ ويغطى هذا بالستار إذا كان هناك ضيوف، وطي بالستار، وإذا لم يكن ضيوف فتح الستار وطبخ في هذا المكان. يقول: هل رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، عند الركوع، عند الرفع من الركوع، عند القيام من التشهد الأوسط واجب؟ الصحيح: أنه سنة. وكما قلنا: بعضهم ذكر أن ما جاء فيه المواضع عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو يدل على الوجوب. وعلى هذا المعنى ممكن أن يقال بذلك، لكن والله أعلم؛ لأنه فعل مجرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس فيه أمر، فالأصل في فعله الاستحباب والسنية والله أعلم. يقول: هل الدعاء في التشهد الأخير بعد التعوذ من الأربع مستحب في كل صلاة أو الأفضل أحيانا؟ الصحيح: أنه مستحب في كل صلاة، حتى أن بعض الصحابة كان يأمر أولاده أن يعيدوا الصلاة إذا لم يدعوا بهذا الدعاء. وسيأتي معنا الكلام عليه إن شاء الله في الحديث. طيب باقي الأسئلة نتركها إلى وقت آخر، الله أعلم.