مباحث في الأخلاق  1

مباحث في الأخلاق 1

الدرس في مباحث في الأخلاق 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في أهمية الأخلاق

يتناول أهمية الأخلاق في الإسلام وتفريط الكثير من المسلمين فيها، ويعرف الأخلاق لغة واصطلاحا. الأخلاق جزء مهم من الدين وسيحاسب عليها الإنسان.

ارتباط الأخلاق بالعقيدة وتأثيرها

يبرز ارتباط الأخلاق بالعقيدة وتأثيرها على الإيمان، مستدلا بالقرآن والأحاديث النبوية التي تصف المؤمنين بالأخلاق الحسنة. الأخلاق جزء من العقيدة.

تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم للأخلاق وتأصيلها في الإسلام

يظهر أهمية الأخلاق في بداية الدعوة وتطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لها، حيث بعث لإتمام مكارم الأخلاق وكان خلقه القرآن. الأخلاق الحميدة تشريع قرآني ونبوي.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى وقدرته. ثقة بالله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، أَمَّا يَتَعَلَّقُ كَتَنْبِيهِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ بِالدُّرُوسِ الْمَاضِيَةِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخَطِّ التَّارِيخِيِّ لِلنُّشُوءِ الْبِدَعِ وَالْفِرَقِ وَظُهُورِ أَهْلِهَا، يُتْرَكُ هَذَا فِي مَقَامَاتٍ أُخْرَى إلَى حِينِهَا وَإِلَى وَقْتِهَا. وَأُذَكِّرُ وَإِيَّاكُمْ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي أَبْوَابٍ أُخْرَى عَلَى وَعَسَى أَنْ يَنْفَعَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِهَا. وَفِي هَذَا الْمَقَامِ بِصَدَدِ الْكَلَامِ عَلَى مَوْضُوعٍ أَوْ عَلَى أَمْرٍ لَرُبَّمَا الْكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ مَا بَالَوْا بِهِ فَضْلًا أَنْ يَعْتَبِرُوهُ شَيْئًا مِنْ دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَهُمَا يَتَعَلَّقُ بِبَابِ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ. فَمَنْ تَأَمَّلَ فِي حَيَاةِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَرَى مِنْهُمْ التَّفْرِيطَ الْعَظِيمَ فِي هَذَا الْبَابِ، الْكَثِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى حَدٍ سَوَاءٍ، الْكَثِيرُ مِنْهُمْ مَا يُبَالِي بِأَخْلَاقِهِ وَلَا يَنْظُرُ وَلَا يَتَفَحَّصُ فِي سُلُوكِيَّاتِهِ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجِبِلَّةِ الْعَادِيَةِ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حِسَابٌ وَلَا عِقَابٌ. وَلِهَذَا يُوجَدُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ إذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ أَوْ فِي نَمَطٍ مِنْ أَنْمَاطِ السُّلُوكِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُبَدِّلَ، يَقُولُ: أَخِي هَذَا طَبْعِي أَوْ أَنَا عَلَى هَذَا اعْتَدْت، فَأَكْتَفِي بِهَذِهِ الْإِحَالَةِ، بِظَنِّهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ، هَذَا طَبِيعَتِي وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُنِي عَلَى مَا طُبِعْت وَعَلَى مَا جُبِلْت عَلَيْهِ. وَهَذَا خَطَأٌ، بَلْ إنْسَانٌ إخْوَانِي فِي اللَّهِ سَيُحَاسَمُ، وَسَيَأْتِي مَعْنَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَبْحَثِ. فَمَبْحَثُ الْأَخْلَاقِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ الْمَقَامَاتِ الْعَظِيمَةِ وَمِنْ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ فِي دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَمَا يَتَعَلَّقُ بِكَلِمَةِ الْخُلُقِ، فَذَكَرَ عُلَمَاءُ فِي تَعْرِيفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِدَّةَ مَعَانٍ. أَمَّا فِي اللُّغَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ مُخْتَارِ الصِّحَاحِ بِأَنَّ الْخُلُقَ بِمَعْنَى السَّجِيَّةِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ بِأَنَّ الْخُلُقَ يَأْتِي بِمَعْنَى السَّجِيَّةِ وَالطَّبْعِ وَالدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ. هَذِهِ مِنْ مَعَانِي الْخُلُقِ فِي اللُّغَةِ: الدِّينُ، وَالسَّجِيَّةُ، وَالطَّبْعُ، وَالْمُرُوءَةُ. وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ أَهْلِ التَّرْبِيَةِ وَمِمَّنْ انْشَغَلَ بِهَذَا الْبَابِ، وَفِي هَذَا الْفَنِّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِدَّةُ تَعَارِيفَ. فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَرِّفُ الْأَخْلَاقَ أَوْ الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ بِقَوْلِهِ: هِيَ بَذْلُ النَّدَى، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى. بَذْلُ النَّدَى أَيْ بَذْلُ الْخَيْرِ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى، كَوْنُكَ تَكُفُّ أَذَاكَ عَنْ النَّاسِ، وَأَيْضًا تَتَحَمَّلُ أَذَى النَّاسِ. هَذِهِ الْأَخْلَاقُ: بَذْلُ النَّدَى، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى. وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَ الْأَخْلَاقَ بِقَوْلِهِ: هُوَ الْكَفُّ أَوْ بَذْلُ الْجَمِيلِ، وَكَفُّ الْقَبِيحِ. بَذْلُ الْجَمِيلِ وَالْكَفُّ عَنْ الْقَبِيحِ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَ كَذَلِكَ الْأَخْلَاقَ بِقَوْلِهِ: هُوَ التَّخَلِّي عَنْ الرَّذَائِلِ وَالتَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ. التَّخَلِّي عَنْ الرَّذَائِلِ كُلُّ مَا كَانَ رَذِيلَةً وَمِنْ قَصَدِهِ تَتَخَلَّى عَنْهُ، وَبِالْمُقَابِلِ تَتَحَلَّى بِمَا يُزَيِّنُكَ مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْ الْأَخْلَاقِ وَالْأَقْوَالِ، وَالتَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَعْرِيفِ الْأَخْلَاقِ بِقَوْلِهِ: هِيَ غَرَائِزُ كَامِنَةٌ تَظْهَرُ بِالاخْتِيَارِ وَتَقْهَرُ بِالاضْطِرَارِ. غَرَائِزُ كَامِنَةٌ أَيْ مَكْنُونَةٌ مَضْمُونَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي بَنِي آدَمَ فِي مَشَاعِرِهِمْ وَأَحَاسِيهِمْ، غَرَائِزُ كَامِنَةٌ تَظْهَرُ بِالاخْتِيَارِ أَيْ تَظْهَرُ عَلَى سَجِيَّةِ الْمَرْءِ دُونَ تَكَلُّفٍ، تَظْهَرُ بِالاخْتِيَارِ وَتَقْهَرُ بِالاضْطِرَارِ. أَشْهَدُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى تَعْرِيفٍ شَتَّى، وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى مَا ذُكِرَ. هِيَ التَّحَلِّي بِالْأَخْلَاقِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ مُعْتَبَرٌ مِنْ الْفَضَائِلِ، بِالْمُقَابِلِ تَتَخَلَّى عَمَّا يُدَنِّسُ دِينَكَ وَدِيَانَتَكَ مِنْ الرَّذَائِلِ. وَالْخُلُقُ قَالَ عُلَمَاءُ: هُوَ لَفْظٌ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْطِنَيْنِ، فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْقُرْآنِ جَاءَ لَفْظُ الْخُلُقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ذُكِرَ الْخُلُقُ وَلَمْ تُذْكَرْ فِي غَيْرِهِمَا. وَيَهْتَمُّ الْعُلَمَاءُ بِأَمْرِ الْأَخْلَاقِ لِأُمُورٍ عَدِيدَةٍ، بَلْ يَنْبَغِي لَيْسَ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ، بَلْ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْأَخْلَاقِ، وَأَنْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ السُّلُوكِ وَالْآدَابِ وَالْأُمُورِ الَّتِي تَحُثُّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إلَى هَذَا التَّمَسُّكِ وَعَلَى هَذَا التَّحَرِّي. أُمُورٌ مِنْهَا: أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ أَمْرَ الْأَخْلَاقِ لَهُ ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ بِالْعَقِيدَةِ. يَرْتَبِطُ الْأَخْلَاقُ أَوْ بَابُ الْأَخْلَاقِ بِالْعَقِيدَةِ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا، ارْتِبَاطٌ قَوِيٌّ. وَمَنْ تَأَمَّلَ بَيْنَ بَابِ الْعَقِيدَةِ وَبَيْنَ بَابِ الْأَخْلَاقِ يَرَى التَّوَافُقَ يَتَزَاحَمَانِ يَسِيرَانِ مَعَ بَعْضٍ، وَيَدُلُّكَ عَلَى أَهَمِّيَةِ ارْتِبَاطِ الْأَخْلَاقِ بِالْعَقِيدَةِ مَسَائِلُ مِنْهَا: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّكَ لَوْ نَظَرْت فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا تَرَى أَوْ تَجِدُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إذَا أَمَرَ بِخُلُقٍ أَوْ بِأَدَبٍ، يَذْكُرُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا قَبْلَ هَذَا الْخُلُقِ صِفَةَ الْإِيمَانِ وَوَصْفَ الْإِيمَانِ؛ لِكَيْ يَعْرِفَ الْمُسْلِمُ أَنَّ مِنْ مُقْتَضَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنَّكَ تَفْعَلُ هَذَا الْخُلُقَ. مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ مِنْ مَسْأَلَةٍ عَقَدِيَّةٍ. مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنَّكَ تُسَارِعُ إلَى تَطْبِيقِ الْأَخْلَاقِ وَكَذَلِكَ الْآدَابِ الْمَرْضِيَّةِ. فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، أَمَرَ بِالْعَدْلِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ نَادَى بِاسْمِ الْإِيمَانِ. أَيْ: مِنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ حَقًّا وَصِدْقًا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَادِلًا، عَادِلًا فِي أَقْوَالِهِ وَفِي أَفْعَالِهِ. وَهَكَذَا عِنْدَمَا أَمَرَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بِالصِّدْقِ نَادَى أَهْلَهُ بِاسْمِ الْإِيمَانِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. تَكُونُ صَادِقًا فِي أَقْوَالِكَ، صَادِقًا فِي أَعْمَالِكَ وَأَفْعَالِكَ، صَادِقًا حَتَّى فِي ضَمِيرِكَ وَفِي نِيَّتِكَ. يُبَيِّنُ يَبَيِّنُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنْ تَكُونَ عَلَى خُلُقٍ. وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى ارْتِبَاطٍ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ وَالْأَخْلَاقِ. بَلْ جَاءَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ بَيَّنَ عَلَى أَنَّ أَمْرَ الْأَخْلَاقِ يُعْتَبَرُ مِقْيَاسًا وَمِعْيَارًا لِضَبْطِ الْإِيمَانِ. إذَا أَرَدْت يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَتَعَرَّفَ عَلَى إيمَانِ عَبْدٍ مِنْ النَّاسِ أَوْ شَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ، انْظُرْ فِي أَخْلَاقِهِ. فَبِالْأَخْلَاقِ يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَعَرَّفَ عَلَى مِقْدَارِ الْإِيمَانِ الَّذِي أُوتِيَهُ هَذَا الرَّجُلُ. ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». وَالْحَدِيثُ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا مُقْبِلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ. فَإِذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَنْ الَّذِي يَكْمُلُ إيمَانُهُ الْكَمَالَ النِّسْبِيَّ، أَنَّهُ فِي أَخْلَاقِهِ. فَالْأَخْلَاقُ يُعْطِيكَ هَذَا الْبَابُ يُعْطِيكَ أَنْ تَعْرِفَ مَدَى كَمَالِ الْإِيمَانِ الَّذِي قَدْ وُجِدَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ. وَجَاءَ كَذَلِكَ بِسِيَاقٍ أَطْوَلَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَلامُ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوطِئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يُؤْلِفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُؤْلِفُ وَلَا يُؤْلَفُ». هَذَا ضَابِطٌ مِنْ ضَوَابِطِ الْإِيمَانِ: التَّعَرُّفُ عَلَى أَخْلَاقِهِ. «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا، صِفَتُهُمْ الْمُوطِئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يُؤْلِفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَا خَيْرَ فِي الَّذِي لَا يُؤْلِفُ وَلَا يُؤْلَفُ». لَهُ يَتَأَلَّفُ لَدَى النَّاسِ، وَالنَّاسُ يَتَأَلَّفُونَ لِشَرِّهِ. هَذَا مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ، لَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ. «وَلَا خَيْرَ فِي الَّذِي لَا يُؤْلِفُ وَلَا يُؤْلَفُ». الشَّاهِدُ: أَنَّ الْأَخْلَاقَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الْإِيمَانِ. وَأَيْضًا مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى ارْتِبَاطِ الْأَخْلَاقِ بِالْعَقِيدَةِ: أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا ذَكَرَ الْأَخْلَاقَ وَالْآدَابَ فِي السُّوَرِ الْمَكِيَّةِ. وَهَذَا مِمَّا يَشِدُّ الِانْتِبَاهَ. مِنْ دَرَسٍ فِي بَابِ الْقُرْآنِ وَعُلُومِ الْقُرْآنِ يُعْرَفُ أَنَّ الْقُرْآنَ وَصُوَرِ الْقُرْآنِ عَلَى قِسْمَيْنِ: سُوَرٍ مَكِيَّةٍ، وَسُوَرٍ مَدَنِيَّةٍ. وَالْمَكِيَّةُ مَا نَزَلَ وَأُنْزِلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَيُذْكَرُ الْفُرُوقُ بَيْنَ السُّوَرِ الْمَكِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ. تَجِدُ مِنْ الْفُرُوقِ فِي السُّوَرِ الْمَكِيَّةِ أَنَّهَا فَارَقَتْ وَتَمَيَّزَتْ عَنْ الْمَدَنِيَّةِ بِأَنَّ فِيهَا الْمَسَائِلَ الْعَقَدِيَّةَ. الْمَسَائِلُ الْعَقَدِيَّةُ: التَّرْصِيخُ لِلْعَقِيدَةِ فِي السُّوَرِ الْمَكِيَّةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْجَزَاءِ، وَالْحِسَابِ، وَالْعِقَابِ، يَقْصُرُ هَذَا فِي السُّوَرِ الْمَكِيَّةِ. تَجِدُ مَعَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَقَدِيِّ تَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ فِي سُوَرٍ مَكِيَّةٍ ذِكْرٌ لِبَابِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. ذِكْرُ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. تَنْظُرُ مَثَلًا فِي سُورَةِ الْمُطَفِّفِينَ مِنْ السُّوَرِ الْمَكِيَّةِ، نَزَلَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فِيهَا الْأَمْرُ بِالْأَخْلَاقِ. تَنْظُرُ مَثَلًا فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ الَّتِي فِيهَا أَمْرُ رَبِّنَا جَلّ وَعَلَا بِالْإِيفَاءِ بِالْعَهْدِ وَالْإِيفَاءِ بِالْمَكَايِيلِ، وَكَذَلِكَ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا. عَدَمُ الْفَخْرِ وَالْبَطَرِ. هَذَا فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، وَهِيَ سُورَةٌ مَكِيَّةٌ. إِذَنْ فِي سُورَةٍ مَكِيَّةٍ: تَثْبِيتٌ وَتَأْصِيلٌ وَتَقْعِيدٌ لِلْعَقِيدَةِ مَعَ الْأَخْلَاقِ قَبْلَ الْعِبَادَاتِ. سَيَأْتِي مِنْ دَرَسٍ عِنْدَكُمْ فِي بَابِ الْفِقْهِ: أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى قَوْلِ الرَّاجِحِ، وَالْحَجَّ، وَالْجِهَادَ جَاءَ فِي سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ أَيْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِفَتْرَةٍ. لَكِنَّ فِي بِدَايَةِ الْبَعْثَةِ فِي الْهِجْرَةِ الشَّرْعُ كَانَ يُبْنِي الْمَسْأَلَةَ الْعَقَدِيَّةَ وَالْمَسْأَلَةَ الْأَخْلَاقِيَّةَ، يُبْنِي الْأَصْلَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي الْبُنْيَانُ. فَيَدُلُّكَ عَلَى أَهَمِّيَةِ الْأَخْلَاقِ فِي دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنَّهَا تَزَامَنَتْ مَعَ الْعَقِيدَةِ. وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَدُلُّكَ عَلَى ارْتِبَاطِ الْأَخْلَاقِ بِالْعَقِيدَةِ. أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَهَمَّاتِهِ عِنْدَمَا بَعَثَهُ رَبُّهُ جَلّ وَعَلَا إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً أَنَّهُ يُعَلِّمُ النَّاسَ أَمْرَ الْأَخْلَاقِ. ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَاءَ كَذَلِكَ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ». حَصْرٌ مِنْ نَبِيِّنَا الْبَعْثَةَ: أَيْ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ مِنْ رَبِّهِ جَلّ وَعَلَا بِوَحْيٍ مِنْ السَّمَاءِ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لِمَهَمَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، انْحَصَرَتْ مَهَمَّتُهُ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ: «إنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ». وَجَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ لِشَيْخِنَا مُقْبِلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَكِنْ بِاللَّفْظِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ». «إنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ». فَيَدُلُّكَ هَذَا أَخِي الْمُسْلِمِ عَلَى أَهَمِّيَةِ الْأَخْلَاقِ. وَأَنَّهَا كَذَلِكَ جَاءَتْ فِي أَوَّلِ مَهَمَّاتِ دَعْوَةِ نَبِيِّنَا وَدَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ. فَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ، أَوْ قُلْ بِالْمَعْنَى الْأَصَحِّ: تَزَامَنَتْ مَعَ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ. وَكَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّكَ، وَهَذَا وَجْهٌ وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَدُلُّكَ عَلَى أَهَمِّيَةِ الْأَخْلَاقِ فِي دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنَّهَا تَزَامَنَتْ مَعَ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الْوَجْهُ الثَّانِي أَوْ الْأَمْرُ الثَّانِي: يَدُلُّكَ عَلَى أَهَمِّيَةِ الْأَخْلَاقِ، وَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَهْتَمُّوا بِهَذَا الْبَابِ اهْتِمَامًا بَالِغًا. مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ وَمَا جَاءَ فِي حَيَاةِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَقَدْ اهْتَمَّ نَبِيُّنَا بِأَمْرِ الْأَخْلَاقِ أَمْرًا عَظِيمًا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَا كَانَ مِنْ تَطْبِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَمْرِ الْأَخْلَاقِ. مَا فَرَّطَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ. مَا مِنْ خُلُقٍ، مَا مِنْ أَدَبٍ، مَا مِنْ سُلُوكٍ مِنْ سُلُوكِيَّاتِ الطِّيبِ الْمَحْمُودِ الْمَرْضِيِّ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا إلَّا وَسَارَعَ نَبِيُّنَا إلَى تَطْبِيقِهِ. وَيَكْفِيكَ فِي ذَلِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ شَهَادَةُ الرَّبِّ جَلّ وَعَلَا لِنَبِيِّهِ بِذَلِكَ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فَكَفَى بِشَهَادَةِ اللَّهِ شَهَادَةً عَلَى حُسْنِ خُلُقِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَانَ نَبِيُّنَا مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا». أَحْسَنَ النَّاسِ، لَا أَحَدَ يُدَانِيهِ وَلَا أَحَدَ يُوَازِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ. مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. بَلْ انْظُرْ مِنْ شِدَّةِ تَحْرِيهِ لِلْأَخْلَاقِ مَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ: تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَمَا عَسَى أَنْ تُجِيبَ وَهِيَ تَرَى الْآدَابَ وَالْأَخْلَاقَ الَّتِي تَحَلَّى بِهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ فَأَتَتْ بِإِجَابَةٍ جَامِعَةٍ مَانِعَةٍ. سُئِلَتْ عَنْ أَخْلَاقِهِ فَقَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ». خُلُقُهُ الْقُرْآنُ. مَا مِنْ خُلُقٍ، مَا مِنْ أَدَبٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا إلَّا وَسَارَعَ نَبِيُّنَا إلَى تَطْبِيقِهِ، حَيْثُ أَصْبَحَ كَأَنَّهُ قُرْآنٌ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ شَيْءٍ تَحَرَّيهِ لِهَذَا الْبَابِ الْعَظِيمِ. وَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا. إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.