الدرس في مباحث في الأخلاق 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول أهمية الأخلاق في الإسلام واستدلالاتها من السنة النبوية، ويشير إلى تدهور الأخلاق في العصر الحديث. يحث على التمسك بالأخلاق الحسنة والتضرع إلى الله لتحسينها.
يُشدد على أهمية الدعاء بحسن الخلق والاستعاذة من سيئها، مستشهدًا بأدعية النبي. يبين أن حسن الخلق سبب لدخول الجنة وأن تقوى الله وحسن الخلق هما من أهم الأسباب التي تدخل العبد الجنة.
يُبين أهمية حسن الخلق في دخول الجنة ونيل أعلى منازلها، حيث يُذكر أن أكثر ما يدخل الناس الجنة هو تقوى الله وحسن الخلق. يُشير إلى أن صاحب الخلق الحسن يصل إلى درجات عالية في الجنة.
يتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه والتسليم، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي عَنْ مَبْحَثِ الْأَخْلَاقِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَعْرِيفِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ وَعِنْدَ أَهْلِ شَأْنِهِ، وَبَيَّنَّا أَهَمِيَّةَ هَذَا الْبَابِ، فَكَمْ نَحْنُ -أَخَوَانِي فِي اللَّهِ- بِأَمْسِ الْحَاجَةِ لِلتَّخَلُّقِ بِالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَالتَّأَدُّبِ بِالْآدَابِ السَّامِيَةِ، وَكَذَلِكَ التَّأَسِّي بِمَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مِنْ نَمَطٍ وَسُلُوكٍ. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي حَيَاةِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ خَاصَّةً، يَرَى كَيْفَ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ وَالْأَخْلَاقِ الشَّرْعِيَةِ، بَلْ إنَّهَا تَغَيَّرَتْ وَانْقَلَبَتْ، لَمْ يَبْلُغْ بِهِمْ الْحَالُ إلَى تَرْكِ الْأَخْلَاقِ، بَلْ بَدَّلُوا الْأَخْلَاقَ، وَأَصْبَحَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَرُبَّمَا يَفْتَخِرُ بِقِلَّةِ أَدَبِهِ، يَفْتَخِرُ بِقِلَّةِ أَدَبِهِ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمْ الْأَمْرُ أَنْ يَتَحَلَّى بِالْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ الرَّذِيلَةِ وَيَفْتَخِرَ بِهَا وَيَتَفَاخَرَ بِهَا. وَصَدَقَ نَبِيُّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا جَاءَ فِي مُسْتَدْرَكِ إمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «قَبْلَ السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ» . وَالْحَدِيثَ يُحَسِّنُهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بِشَوَاهِدِهِ. فَهَذَا مَا سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهَذَا الَّذِي يُوجَدُ وَنَرَاهُ وَنُلَامِسُهُ فِي وَاقِعِنَا الْمُشَاهَدِ: «يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ» . رَجُلٌ لَا خُلُقَ لَهُ وَلَا دِينَ، عَلَى انْحِرَافٍ وَعَلَى ضَيَاعٍ فِي دِينِهِ، مُبْتَلًى بِالْكَذِبِ وَالْغِشِّ وَيَتَعَاطَى الرِّشْوَةَ، وَمَعَ ذَلِكَ مُفْتَخَرٌ بِهِ لَدَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ، يَتَمَادَحُونَ بِهِ وَيَفْتَخِرُونَ بِهِ. وَبِالْمُقَابِلِ يُنْتَقَصُونَ وَيُزْدَرَوْنَ مَنْ كَانَ عَلَى الْخَيْرِ، عَلَى خُلُقٍ وَعَلَى أَدَبٍ، وَيُنْتَقَصُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِالذَّكِيِّ وَلَا بِالْفَطِنِ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَغِلَّ الْمَوَاقِفَ وَالْمَسَائِلَ وَالْمَصَاعِبَ بِأَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ فُلَانٍ وَعَلَانٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَهَذِهِ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَتَغَيَّرَ الْأَخْلَاقُ إِلَى الْأَسْوَأِ، وَيَفْتَخِرَ النَّاسُ بِهَا. وَبَيَّنَّا مِمَّا يَدُلُّكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- عَلَى أَهَمِيَّةِ الْأَخْلَاقِ مَا مَضَى، وَذَلِكَ فِي الرَّبْطِ الْوَثِيقِ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ وَالْأَخْلَاقِ. وَكَذَلِكَ عَرَجْنَا إلَى مَوْقِفِ السُّنَّةِ، وَكَيْفَ أَنَّ نَبِيَّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَمِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ فِي الْخُلُقِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- حَتَّى إنَّ رَبَّهُ جَلّ وَعَلَا شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وَأَيْضًا مِمَّا يَتْبَعُ هَذِهِ الْفِقْرَةَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِنَاءِ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِأَمْرِ الْأَخْلَاقِ أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَرُبَّمَا دَعَا وَالتَجَأَ إلَى رَبِّهِ جَلّ وَعَلَا، وَرَفَعَ أَكُفَّهُ إلَى السَّمَاءِ وَسَأَلَ رَبَّهُ وَمَوْلَاهُ فِي أَنْ يُعِينَهُ وَأَنْ يَدُلَّهُ عَلَى هَذَا الْبَابِ. ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَنَّ نَبِيَّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ» . تَأَمَّلْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- وَانْظُرُوا فِي هَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي بِهِ نَبِيُّنَا فِي قِيَامِهِ لِلَّيْلِ وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ جَلّ وَعَلَا، مُتَبَتِّلًا وَدُعَاءً وَتَضَرُّعًا: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ» . التَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، رَبُّنَا هُوَ الَّذِي يُوَفِّقُ الْعِبَادَ لِلْأَخْلَاقِ كَمَا وَزَعَ الْأَرْزَاقَ. فَالْتَجِئْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- إلَى رَبِّكَ جَلّ وَعَلَا. وَاعْتَصِمْ لَا يُعِينُكَ إذَا وُجِدَ مِنْكَ صِدْقٌ فِي إلْحَاحِكَ وَفِي دُعَائِكَ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ أَخْلَاقِكَ. فَالْتَجِئْ لَرُبَّمَا ابْتُلِيتَ بِهَا: «اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ» . وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا-، وَجَاءَ كَذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- فِي «الصَّحِيحِ الْجَامِعِ» ، قَالَ: «كَانَ مِنْ دُعَائِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» . فَتَسْأَلُ رَبَّكَ جَلّ وَعَلَا كَمَا أَنَّهُ أَعْطَاكَ الْجَسَدَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، تَدْعُو اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَهَبَكَ الْخُلُقَ الْحَسَنَ، أَنْ تَمْشِيَ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنْ تُعَامِلَ الْخَلْقَ عَلَى أَخْلَاقٍ وَعَلَى آدَابٍ سَامِيَةٍ. وَأَيْضًا مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى اعْتِنَائِهِ فِي أَمْرِ الدُّعَاءِ أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ يَسْتَعِيذُ بِرَبِّهِ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، فَقَدْ جَاءَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَنَّ نَبِيَّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ يَدْعُو اللَّهَ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْأَدْوَاءِ» . يَسْتَعِيذُ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مِنْ هَذَا الْبَابِ، مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ. فَمَنْ مِنْ إخْوَانِنَا فِي اللَّهِ سَجَدَ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ لِرَبِّهِ جَلّ وَعَلَا فِي صَلَاةٍ، أَوْ فِي قِيَامِهِ، أَوْ دَعَا رَبَّهُ جَلّ وَعَلَا لِهَذَا الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ يُدَلُّ عَلَى أَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ. وَعَلَيْنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نَتَأَسَّى بِنَبِيِّنَا، وَأَنْ نُلِحَّ عَلَى رَبِّنَا جَلّ وَعَلَا فِي أَنْ يُبَدِّلَ أَخْلَاقَنَا. فَمَنْ كَانَ عَلَى خُلُقٍ حَسَنٍ فَهَذِهِ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلْيَسْأَلْ رَبَّهُ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَهْدِيَهُ لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَأَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ سَيِّئِهَا. وَأَيْضًا مِمَّا يَدُلُّكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- عَلَى أَهَمِيَّةِ الْأَخْلَاقِ فِي دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنَّ هَذَا الْبَابَ وَهَذَا الْفَنَّ -يَعْنِي عِلْمَ الْأَخْلَاقِ- كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ جَلّ وَعَلَا سَبَبًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، سَبَبًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ. وَهَذَا الْأَمْرُ قَلِيلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَتَفَطَّنُ إلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَمَّتْ الْغَفْلَةُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَجَاهَلَ النَّاسُ أَنَّ الْأَخْلَاقَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، كَثُرَ مَنْ عَزَفَ عَنْهُ. تَجِدُ -كَمَا قُلْنَا- رَجُلًا عَلَى أَخْلَاقٍ سَيِّئَةٍ، سَبَّابٍ شَتَّامٍ لَعَّانٍ، صَاحِبِ غِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ، قَاطِعٍ لِأَرْحَامِهِ، عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ، مَثَلًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ الْقَوْلِيَةِ وَالْعَمَلِيَةِ. إنْ نُصِحَ -مَثَلًا- بِتَرْكِ ذَلِكَ مَا يَرْفَعُ رَأْسًا بِمَا تَقُولُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ. كَمَا قُلْنَا: بَعْضُهُمْ يَقُولُ: «هَذَا طَبْعِي» ، «وَهَذِهِ عَادَتِي» ، «وَأَنَا عَلَى هَذَا اعْتَدْتُ» ، «وَأَنَا عَلَى كَذَلِكَ تُرْبِيت» ، «وَأَنَا شَأَتْ مُنْذُ صِغَرِي عَلَى حِدَّةِ الْأَعْصَابِ» . فَيَحْتَجُّ بِمَا وُلِدَ عَلَيْهِ وَمَا نَشَأَ عَلَيْهِ، أَنَّ هَذِهِ تَكْفِيهِ، وَلَا يَظُنُّ أَنَّ الْجَزَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ يَصِلُ إلَى الْجِنَانِ. بَلْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- الْأَخْلَاقُ مَنْ صَبَرَ عَلَيْهَا وَاسْتَمَرَّ بِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ جَلّ وَعَلَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُجَازِيهِ بِهَا الْجِنَانَ. ثَبَتَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ، قَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» . «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» . فَفِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ أَسْبَابٌ قَوِيَّةٌ تُدْخِلُ الْعِبَادَ الْجَنَّةَ بِكَثْرَةٍ. وَتَفَطَّنَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ «تَقْوَى اللَّهِ» وَبَيْنَ «حُسْنِ الْخُلُقِ» ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ فِي «تَقْوَى اللَّهِ» عِلَاقَةُ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ، وَفِي «حُسْنِ الْخُلُقِ» عِلَاقَةُ الْعَبْدِ مَعَ، تَقْوَى اللَّهِ تَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ يَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ. فَمَنْ وُفِّقَ إلَى هَاتَيْنِ الْمُعَامَلَتَيْنِ، وُفِّقَ لِكُلِّ خَيْرٍ. «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» . فَعَامِلْ رَبَّكَ جَلّ وَعَلَا بِتَقْوَاهُ، وَعَامِلْ الْخَلْقَ بِمَاذَا؟ بِالْأَخْلَاقِ. وَبِهَذَا تَحُوزُ عَلَى هَذِهِ الْكَرَامَةِ. بَلْ لَيْسَ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِحُسْنِ خُلُقِهِ يَدْخُلُ إلَى أَيِّ جَنَّةٍ، لَا، بَلْ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِأَخْلَاقِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يَنْعَمُهُ بِأَعْلَى مَنَازِلِ الْجَنَّةِ. ثَبَتَ فِي السُّنَنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «أَنَا زَعِيمٌ -أَيْ أَنَا كَفِيلٌ وَضَامِنٌ- أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ -أَيْ فِي أَسْفَلِ الْجَنَّةِ- لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَزَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَزَعِيمٌ لِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» . أَعْلَى مَنَازِلِ الْجَنَّةِ يَنَالُهَا صَاحِبُ الْخُلُقِ؛ لِمَ؟ لِجَزَاءِ عَمَلِهِ. صَبَرَ النَّاسُ رُبَّمَا يُجَافُونَهُ، وَيُقَابِلُ هَذَا الْجَفَاءَ وَيُقَابِلُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ السَّفَاهَةِ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ، لَا يَعْرِفُ الِانْتِقَامَ لِلنَّفْسِ، مَا يَكُونُ فِي صَدْرِهِ إلَّا الْمَحَبَّةَ وَالْوَفَاءَ وَالِاحْتِرَامَ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، عِنْدَهُ الْمُسَامَحَةُ وَالصَّفْحُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الْأَخْلَاقِ الطَّيِّبَةِ. يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ سِنِينَهُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَلِجَزَاءِ وَعِظَمِ هَذَا الْخُلُقِ الَّذِي صَبَرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُجَازِيهِ أَعْلَى جِنَانِ الْجَنَّةِ. وَأَيْضًا كَذَلِكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى عِظَمِ هَذَا الْبَابِ -أَيْ يَدُلُّكَ عَلَى عِظَمِ بَابِ الْأَخْلَاقِ- كَثْرَةُ الْفَضَائِلِ فِي هَذَا الْبَابِ. مَنْ نَظَرَ إلَى الْكُتُبِ الَّتِي أُلِّفَتْ فِي ذِكْرِ فَضَائِلِ الْأَخْلَاقِ، يَرَى أَنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مُبْلَغًا كَثِيرًا وَوَفِيرًا. أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَحُثُّكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَذَا الْبَابِ. وَهَذَا إنْ دَلَّ عَلَى عِظَمِ هَذَا الْأَمْرِ فِي دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، تَأْتِي هَذِهِ الْفَضَائِلُ تِلْوَ الْفَضَائِلِ، تَحُثُّ الْخَلْقَ حَثًّا شَدِيدًا إلَى أَنْ يَتَخَلَّقَ وَيَتَحَلَّى بِالْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ. وَهَذِهِ الْفَضَائِلُ مِنْهَا مَا هِيَ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْهَا مَا هِيَ فِي الْآخِرَةِ. وَانْظُرْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- لِمَا جَاءَ فِي السُّنَنِ: التِّرْمِذِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا-، وَجَاءَ كَذَلِكَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَفِي «الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ» ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ بِحُسْنِ خُلُقِهِ» . إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ بِمَاذَا؟ بِحُسْنِ خُلُقِهِ. انْظُرْ لِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ. الْوَاحِدُ مِنْ إخْوَانِنَا فِي اللَّهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَوْ رُبَّمَا مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَامِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْقِيَامِ فِي جُنْحِ الظَّلَامِ، مَا اسْتَطَاعَ لِكَثْرَةِ أَعْمَالِهِ وَأَشْغَالِهِ وَلِلسَّهَرِ وَلِلتَّعَبِ. فَيَئِسَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَامِ، فَيَلْجَأُ لِلصِّيَامِ، عَلَى وَعْدٍ أَنْ يُوَفَّقَ مَعَ أَهْلِ الصِّيَامِ، يُحَاوِلُ أَنْ يُكَابِدَ النَّهَارَ، لَكِنْ يَتْعَبُ لِكَثْرَةِ أَعْمَالِهِ، لِشِدَّةِ أَشْغَالِهِ، يُحَاوِلُ لَكِنْ مَا اسْتَطَاعَ. فَمَنْ يَئِسَ مِنْ أَمْرِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، فَعِنْدَكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- بَابُ الْأَخْلَاقِ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ بِحُسْنِ خُلُقِهِ» . تُدْرِكُ هَؤُلَاءِ بِمَاذَا؟ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ. تَصِلُ إلَى مَنْزِلَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْتَ يَئِسْتَ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمْ أَوْ تُحْشَرَ فِي زُمْرَتِهِمْ. لَكِنْ لَكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- بِإِمْكَانِكَ أَنْ تُدْرِكَ هَؤُلَاءِ بِهَذَا الْبَابِ، أَنْ تُرَبِّيَ نَفْسَكَ عَلَى الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. تَسْأَلُ: كَيْفَ كَانَ خُلُقُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؟ مَا هِيَ الْأَخْلَاقُ الَّتِي فَضَّلَهَا الرَّبُّ لِعِبَادِهِ؟ تَسْأَلُ عَنْهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ مَاذَا؟ تَأْتِي بِهَا. وَكَذَلِكَ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا هَذِهِ نُبَذٌ لِأَهَمِيَّةِ هَذَا الْبَابِ. وَسَأَتِي كَذَلِكَ تَتَبُّعُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. فَأَسْأَلُ مَوْلَايَ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.