الدرس في قراءة في فتاوى العلامة العثيمين في الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تارك الصلاة تهاونا كافر عند أهل العلم، بينما تارك الصيام ليس بكافر، ويجب تعزير تارك الصيام عند الإفطار علانية.
ركن الصيام هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والحكمة من الصيام هي تحقيق التقوى بترك المحرمات وفعل الواجبات.
الصيام يجب أن يحقق التقوى ويغير سلوك المسلم، فلا يكفي الامتناع عن المفطرات بل يجب اجتناب المحرمات وتحسين الأخلاق.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. ما بعد: سئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: هل يعتبر تارك الصيام تهاولا وتكاسلا مثل تارك الصلاة من حيث أنه كافر؟ فأجاب فضيلته بقوله: تارك الصيام تهاولا وتكاسلا ليس بكافر، وذلك لأن الأصل بقاء الإنسان على إسلامه حتى يقوم دليل على أنه خارج من الإسلام، ولم يقوم دليل على أن تارك الصيام خارج من الإسلام إذا كان تركه إياه تكاسلا وتهاولا، وذلك بخلاف الصلاة، فإن الصلاة قد جاءت النصوص من كتاب الله، سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أن تاركها -أي الصلاة- تهاولا وكسلا كافر. قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة». ولكن يجب أن يدعى هذا الرجل الذي ترك الصيام تكاسلا وتهاولا إلى الصوم، فإن أبى فإنه يعذر حتى يصوم. هذا السؤال هو: هل هناك فرق بين تارك الصيام وتارك الصلاة، حيث إن تارك الصلاة كافر؟ وهل تارك الصيام تهاولا وكسلا كذلك كافر؟ فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى بأن تارك الصيام تهاولا وكسلا ليس كتارك الصلاة تهاولا وكسلا، فتارك الصلاة وإن كان تهاولا وكسلا من غير جحود لها، وإنما تكاسل وتركها وتهاون فتركها، فهو كافر على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأن الأدلة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وأقوال الصحابة تدل على أن تارك الصلاة كافر وإن كان تهاولا وتكاسلا. وهذا قول لبعض الصحابة وغيرهم من السلف الصالح. فأما في القرآن، قوله جل وعلا: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾، فرتب الله جل وعلا الأخوة الإيمانية على إقام الصلاة وعلى إيتاء الزكاة، لكن دلت الأدلة على أن تارك الزكاة تهاونا وتكاسلا ليس بكافر، وهو كذلك قد ثبتت له الأخوة الإيمانية. ففي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم رحمه الله تعالى في ذلك الرجل الذي يعذب الذي ترك الزكاة، يعذب بإبله وببقره وبغنمه وبذهبه وبفضته، ثم بعد ذلك يطلق سراحه، إما إلى جنة وإما إلى نار، يخلى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار، فدل على أنه لم يكفر ويخرج من الملة الإسلام. لكن تارك الصلاة دلت الأدلة على أنه يكفر، وأن الأخوة الإيمانية عنه منتفية. ففي حديث جابر بن عبد الله في صحيح الإمام مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وهكذا في حديث بريدة عند أهل السنن قال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وجاء عن عمر أنه قال في آخر حياته: «لا حظ لأحد في الإسلام لمن ترك الصلاة»، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فهذا الصحابي الجليل يرى أن من ترك الصلاة لا حظ له في الإسلام. قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة»، فدل على أنهم يرون كفر تارك الصلاة. لكن بين المؤلف رحمه الله تعالى أن تارك الصيام يعذر، ليس معنا أنه ليس بكافر، إذن خلاص يترك لا، وإنما يعذر على ولاة أمور المسلمين أن يعذروا هؤلاء التاركين للصيام، يعذرونهم. فعمر رضي الله تعالى عنه في عهده جاء برجل سكران في رمضان، جاء برجل سكران في رمضان في نهاي رمضان، فعزره رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال له: «ويحك تفعل هذا وصبياننا صيام، صبياننا صيام، وأنت تفعل هذا، الصغار صائمون وأنت تفعل هذا». فعلى ولاة أمور المسلمين أن يعذروا هؤلاء المفطرين، لا يجعل لهم الحرية كما يقال يفتحون المطاعم أو يفتحون المحلات، من شاء أن يفطر يأتي إليهم، لا، بل على ولاة أمور المسلمين أن يشددوا على هؤلاء ويمنعونهم من بيع الطعام والشراب للمفطرين المفسدين، فإن ذلك مما أمر به الشرع. وسئل رحمه الله تعالى عن أركان الصيام، فأجاب فضيلته بقوله: الصيام له ركن واحد، وهو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. والمراد بالفجر هنا الفجر الثاني دون الفجر الأول. ويتميز الفجر الثاني عن الفجر الأول بثلاث مميزات: الأولى أن الفجر الثاني يكون معترضا في الأفق، والفجر الأول يكون مستطيلا أي ممتدا من المشرق إلى المغرب، أما الفجر الثاني فهو امتد من الشمال إلى الجنوب. الميزة الثانية أن الفجر الثاني لا ظلمة بعده، بل يستمر النور في الزيادة حتى طلوع الشمس، وأما الفجر الأول فيظلم بعد أن يكون له شعاع. الميزة الثالثة أن الفجر الثاني متصل بياضه بالأفق، وأما الفجر الأول فبينه وبين الأفق ظلمة. والفجر الأول ليس له حكم في الشرع، فلا تحل به صلاة الفجر، ولا يحرم به الطعام على الصائم، بخلاف الفجر الثاني. هذا فيه بيان أركان الصيام، وهو التعبد لله جل وعلا بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والمراد به الفجر الثاني، ليس الفجر الأول «فجر الكاذب». وذكر رحمه الله تعالى بعض المميزات التي تميز الفجر الصادق عن الفجر الكاذب فيما يتعلق بمطلعه وبانتشار نوره. وكذلك أيضا الفجر الأول لا تحل به صلاة الفجر، وكذلك لا يمنع من الطعام والشراب. وفي هذا بيان خطأ من يمنع الناس قبل طلوع الفجر، قبل طلوع الفجر الثاني، بزعم الاحتياط خمس دقائق أو غير ذلك. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، فأباح الله جل وعلا الأكل والشرب إلى طلوع الفجر، لم يبح ربنا جل وعلا الطعام والشراب والجماع إلى قبل طلوع الفجر، لا، وإنما إلى طلوع الفجر. فمن يمنع من الأكل أو الطعام في هذا الوقت فهو خاطئ، وهو كذلك يمنع على الناس ما أحل الله سبحانه وتعالى لهم. وسئل رحمه الله تعالى عن الحكمة من مشروعية الصوم، فأجاب فضيلته بقوله: إذا قرأنا قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، عرفنا ما هي الحكمة من مشروعية الصوم، وهي التقوى والتعبد لله سبحانه وتعالى. والتقوى هي ترك المحارم، وهي عند الإطلاق تشمل فعل المأمور به وترك المحظور. قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يضع طعامه وشرابه»، رواه البخاري. وعلى هذا يتأكد على الصائم القيام بالواجبات، وكذلك اجتناب المحرمات من الأقوال والأفعال، فلا يغتاب الناس، ولا يكذب، ولا ينم بينهم، ولا يبيع بيعا محرما، ويجتنب جميع المحرمات. وإذا فعل الإنسان ذلك في شهر كامل، فإن نفسه سوف تستقيم بقية العام. ولكن المؤسف أن كثيرا من الصائمين لا يفرقون بين يوم صومهم ويوم فطرهم، فهم على العادة التي هم عليها من ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولا تشعر أن عليه وقار الصوم. وهذه الأفعال لا تبطل الصوم، ولكن تنقص من أجره، وربما عند المعادلة ترجح على أجر الصوم، فيضيع ثوابه. بيّن رحمه الله تعالى أن الحكمة من الصيام التقوى، تقوى الله جل وعلا، فهذا هو المراد من الصيام، وهذه هي الحكمة من الصيام، تقوى الله جل وعلا تكون بامتثال أوامره والجناب نواهيه والابتعاد عن محارم الله جل وعلا والإكثار من الطاعات وترك المحرمات. فهذه تقوى الله جل وعلا أن يحقق العبد التقوى لله جل وعلا في لسانه وفي بصره وفي سمعه وفي يده وفي رجله وفي جوارحه كلها. وذلك بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه، يعني ما فائدة من صائم يصوم النهار ويقوم الليل وهو قد أطلق لسانه على الناس، يكذب على هذا وينم على هذا ويغتاب هذا ويسب هذا ويلعن هذا. أو ينظر الحرام والعياذ بالله من مسرحية إلى تمثيلية، أو يسمع الحرام، ينظر الحرام ويسمع الحرام والعياذ بالله. أو يحمل قلبه الأحقاد والضغائن والحسد على عباد الله جل وعلا، هذا ما حقق التقوى، ما حقق التقوى. أين الثمر من الصيام؟ الثمر التقوى. أين التقوى عند هذا الذي إنما امتنع عن الطعام والشراب؟ نعم هو حينما طلع الفجر لم يشرب ولم يأكل ولم يجامع. وليس الصيام والامتناع عن الطعام والشراب والجماع فقط، لا، الصيام عبادة جليلة لها غايات ولها حكم عظيمة سامية، وأعظم هذه الحكم تحقق التقوى. فإذا لم تحقق التقوى، عبد الله من صيامك؟ أين الأجر؟ إذن قد ضاعت عليك الأجور، ضاعت عليك الأجور، سيئات ارتكبتها بسبب لسانك وسيئات ارتكبتها بسبب بصرك وسيئات بسبب سمعك وسيئات بسبب يدك وهكذا. إذن جمعت سيئات كثيرة، ما معك من حسنات ذلك الذي فعلته من ترك للطعام والشراب والجماع، فربما هذه السيئات ترجح بتلك الحسنات. فإذا تخرج من الصوم بلا شيء. ولذلك يصدق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يحسن بعضها العلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وحظه من قيامه السهر والتعب». هذا حظه من الصيام الجوع والعطش، امتنع عن الماء، امتنع عن الطعام فجاع وعطش. وحظه من القيام التعب والسهر والسهر لماذا؟ لأن تلك الآثام التي وقع فيها أذهبت بتلك الحسنات التي أتى بها. فلذلك على المسلم أن يحقق التقوى من صيامه، وأن يكون عليه هيئة وقار الصائم، فالصيام والطاعة لها وقار على صاحبها، لابد من أن تظهر الطاعة على صاحبها، فالباطن لو أثر على الظاهر والظاهر له أثر على الباطن، الأمر مترابط. فمن كان ظاهره فمن كان باطنه حسنا وطيبا ظهر ذلك الباطن على ظاهره، ومن كان والعياذ بالله باطنه سيئا ظهر ذلك الباطن على ظاهره. فصلاح الظاهر بصلاح الباطن، كما أن الظاهر له أثر على الباطن. فإذا من صام لابد أن يكون لذلك الصيام أثر على أخلاقه على هيئته، فيكون عليه الوقار، ويكون عليه أثر الطاعة في وجهه وفي كلامه، حتى في مشيه، حتى في مشيه يجب أن يكون للصيام الأثر عليك يا عبد الله، حتى في مشيك في بيعك وشرائك في كلامك، حتى في جلستك في معاملتك. هذا أثر الطاعة على هذه الجوارح. فإذا ظهرت آثار الطاعات على الجوارح، علم أن صاحبها انتفع، علم أن صاحبها انتفع من هذه الطاعات. أما صيام وامتناع عن طعام وشراب وجماع، وأما بعد ذلك الأخلاق سيئة، وسب ولعن وشتم واعتداء على أموال الناس وظلم وفجور ورشاوي وكذب وإلى آخر ذلك، فأين التقوى يا عباد الله؟ ولذلك قال بعض السلف: «أسهل الصيام الامتناع عن الطعام والشراب والجماع»، هذا أسهل الصيام، سهل جدا أن يمتنع الإنسان عن الطعام وعن الشراب وعن الجماع، فهذا سهل جدا، لكن ما هو الصعب؟ الصعب أن تمتنع عن الغيبة والنميمة، الصعب أن تمتنع عن النظر المحرمات، هذا يحتاج منك إلى اجتهاد. أما ترك الطعام والشراب والجماع يحتاج منك إلى اجتهاد، لكن أسهل من الاجتهاد الذي أنت مطالب به في منع بصرك عن النظر المحرم، ومنع سمعك من سماع المحرم، ومنع لسانك من قول الغيبة والنميمة والكذب وغير ذلك. فهنا المحك كما يقال، وهنا الابتلاء العظيم، وهو يسير لمن يسره الله جل وعلا. العبد يدعتاد في رمضان وفي غير رمضان على أخلاق حسنة، ويجاهد نفسه عليها، صار بعد ذلك الأمر من أسهل الأمور عليه، لأن العلم بالتعلم، الجاهل إذا كان جاهلا وتعلم بعد ذلك يصير متعلما. وهكذا إنما الحلم بالتحلم، فالأمر يحتاج إلى مجاهدة، مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، ومجاهدة هذه الجوارح في طاعة الله جل وعلا. ورمضان هو أعظم الأوقات وأعظم الأزمنة التي تعين العبد على مجاهدة نفسه، على مجاهدة بصره، وعلى مجاهدة قلبه، وعلى مجاهدة سمعه، وعلى مجاهدة جوارحه جوارحه كلها. فهو من أعظم الأزمنة ومن أعظم المواسم التي يعين العبد على مجاهدة هذه النفس الأمارة فيمنعها من الوقوع في الحرام، وهكذا الجوارح الأخرى يمنعها من الوقوع في محارم الله جل وعلا. فالعبد يستغل هذه الفرصة وهذا الزمن، فما هو إلا في وقت من السنة، وهو في رمضان، فهو مدرسة عظيمة للتخلق بالأخلاق الحسنة والتخلي عن الأخلاق السيئة. فلذلك ذكر رحمه الله تعالى الحكمة من الصيام، وهي تقوى الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.