التعليق على شرح الأصول الستة  8

التعليق على شرح الأصول الستة 8

الدرس في التعليق على شرح الأصول الستة 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الأصل الثاني: الاعتصام بالكتاب والسنة وعلاج الاختلاف

يشرح هذا المحور الأصل الثاني من الأصول الستة وهو الاعتصام بالكتاب والسنة وترك التفرق، مبيناً أن علاج الاختلاف يكون بالرجوع إليهما. ويضرب أمثلة من سيرة الصحابة في حل نزاع الخلافة بحديث «قريش أولاة هذا الأمر» واختلاف أبي بكر وعمر في قتال المرتدين، مؤكداً خضوع الصحابة للحق المستمد من الوحي فوراً.

منهج الصحابة العملي في حسم الخلافات بالرجوع للوحي

يبرز المقطع موقف أبي بكر الصديق الحازم في قتال مانعي الزكاة مستنداً إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة، وكيف حسم خلاف دفن النبي بحديث «ما من نبي إلا ويدفن حيث قبض». ويؤكد أن مرجع الخلافات كلها هو الكتاب والسنة ثم أهل العلم، وأن اتباع هذا المنهج يزيل الشقاق ويحقق الوحدة.

ضوابط الاجتهاد والاختلاف الفقهي المعتبر

يؤكد هذا المحور أن الرجوع إلى الكتاب والسنة هو المرجع الوحيد المقنع للجميع، فالمؤمن ينشرح صدره للتحاكم إليهما بينما يعرض المنافق. كما يبين أن الخلافات تحسم بالأدلة الشرعية، وفي مسائل الاجتهاد المتكافئة الأدلة لا إنكار على من قلد عالماً ثقة، مع التنبيه أن ليس كل اجتهاد معتبراً بل ما دعمه أدلة قوية وكثيرة لكل طرف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: تقدم الكلام على ما ذكره الشارح الفوزان رحمه الله في شرحه على الأصل الثاني من الأصول الستة، وكان هذا الأصل في الاعتصام بالكتاب والسنة والنهي عن التفرق والاختلاف. وقد بينا حفظه الله الأدلة من الكتاب والسنة على تقرير هذا الأصل العظيم، ألا وهو الاعتصام بالكتاب والسنة وترك التفرق والاختلاف. وبينا العلاج في الاختلاف الواقع بين الأمة، وأوضح حفظه الله أن العلاج في ذلك إنما يكون بالرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبين أيضاً أن الخلاف لا يسلم منه بشر، وقد اختلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في مسائل، ولكن الشأن كل الشأن في كيفية التعامل مع هذا الاختلاف، وفي كذلك كيفية القضاء على هذا الاختلاف، وهذا يكون كما تقدم بخضوع الجميع واستسلام الجميع للحق المأخوذ من الكتاب ومن السنة، من الكتاب ومن السنة. فقال حفظه الله تعالى: فقد حصل بينهم اختلاف، أي بين الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حول من الذي يتولى الأمر من بعده. وسرعان ما حسموا النزاع ورجعوا، وولوا أبا بكر الصديق، وانقادوا له وأطاعوا له، وزال الاختلاف، وانحسمت الفرقة التي حصلت في من يتولى الأمر بعد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا مثال واحد من الأمثلة التي تبين لنا فقه الصحابة، وكذلك عمق علم الصحابة، وهكذا رجوعهم في اختلافهم إلى الكتاب والسنة. فهذه الحادثة التي ذكرها، وهو نزاع الصحابة في من يتولى الخلافة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، هذا قد رواه أهل السير، وأيضاً روى الإمام أحمد طرفاً من ذلك في مسنده من حديث أبي بكر، أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال الأنصار: نحن الذين آوينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحن أحق بالخلافة. فانحازوا واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، يريدون الإمرة، يريدون أن يكون الأمير منهم من الأنصار رضي الله تعالى عنهم. فلما سمع إخوانهم المهاجرون بيولوس الأنصار في تلكم السقيفة، ذهب المهاجرون إليهم، وفي المهاجرين أبو بكر رضي الله تعالى عنهم وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. فدخلوا عليهم وجلسوا معهم، وتكلم أبو بكر رضي الله تعالى عنهم، وكان سيد الأنصار أنا ذاك هو سعد بن عبادة. فقال عمر بن الخطاب... فقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: قال يا سعد، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «وأنت قاعد»، أي وأنت موجود شاهد، وأنت قاعد: «قريش أولاة هذا الأمر»، قريش أو قريش أولاة هذا الأمر. فقال سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه: صدقت، صدقت، تذكر هذا الحديث. انظروا: ذكرهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه بحديث واحد من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الحديث فيه أن الأمر إنما يكونون من قريش لا من غيرهم، والأنصار ليسوا من قريش، فكيف يطلبون الإمرة؟ هذا فيه مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فذكرهم، فذكرهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث، حديث واحد. فماذا كان من الأنصار؟ هل قالوا: هذا حديث لا نعلم به، أو أنكروا هذا الحديث؟ حاشاهم. أو أنهم أولوا هذا الحديث؟ حاشاهم. فما كان من سعد بن عبادة إلا أن قال لأبي بكر لما ذكره بهذا الحديث: قال له: صدقت. ثم قال سعد بن عبادة: أنتم الأمراء ونحن الوزراء. فتمت البيعة بعد ذلك لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ولم يختلف في ولايته مسلم واحد، فالكل بايعوا أبا بكر رضي الله تعالى عنه، وانفض ذلكم النزاع. كيف انفض هذا النزاع؟ بالرجوع إلى السنة، إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كم من حوادث وقعت في عهد الصحابة يختلفون فيها، فيطلبون الدليل الذي يبين صواب هذه المسألة من الكتاب أو من السنة. كم من مسائل لما ولي أبو بكر الخلافة، ارتد من ارتد من العرب، ارتد من ارتد من العرب. فشرح الله سبحانه وتعالى صدر أبي بكر لقتال أولئك المرتدين. فوجد بعض الصحابة في أنفسهم: كيف يقاتل هؤلاء وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون؟ بعضهم من طوائف المرتدين يصلي، لأن طوائف المرتدين هم يعني فرق وطوائف، منهم من منع فقط الزكاة، ومنهم من ترك الإسلام بالكلية، ومنهم من تأول في ذلك كما هو معلوم. فأبو بكر هم بقتال أولئك المرتدين جميعاً، فجاء عمر، اختلف مع أبي بكر في هذا، وعمر كما يرى القتال، وقال: يا أبا بكر، كيف تقاتل هؤلاء وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله»؟ كيف أنت تقاتل هؤلاء؟ ففهم عمر من هذا الحديث أن من شهد أن لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه. لكن انظروا إلى فقه أبي بكر، وإلى كذلك استنباط أبي بكر، فقال رضي الله تعالى عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، فإن الزكاة حق المال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»، وفي حديث آخر: «ويقيم الصلاة ويؤت الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم»، والزكاة من حق المال. ثم قال رضي الله تعالى عنه: والله لو منعون عناقاً أو عقالاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاربتهم عليه. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: فما أن رأيت أن الله عز وجل شرح صدر أبي بكر لهذا الأمر إلا علمت أنه الحق، إلا علمت أنه الحق. فشرح الله عز وجل صدر عمر رضي الله تعالى عنه، واتفق جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على قتال المرتدين. رجعوا في خلافهم هذا إلى الكتاب والسنة. وهكذا حتى في دفن النبي عليه الصلاة والسلام، أين يدفن؟ اختلف الصحابة في هذا، منهم من يقول: يدفن في المقبرة، مقبرة المسلمين، ومنهم من يقول: يقبر في غير ذلك. اختلف الصحابة، فذكرهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعني هذا الحديث سبباً في فض ذلك النزاع. فقال أبو بكر كما عند الإمام أحمد، الحديث يحسنه شيخنا مقبل رحمة الله تعالى في بعض كتبه: يقول أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي إلا ويدفن حيث قبض». انظروا: حديث «ما من نبي إلا ويدفن حيث قبض»، المكان الذي يموت فيه النبي يدفن فيه. وقد توفي النبي عليه الصلاة والسلام في حجرة عائشة، فدفن في حجرة عائشة، واستسلم الجميع لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما من أمر يختلف فيه الناس إلا وسيجدون علاجه، وسيجدون شفاءه في هذا الدين العظيم، كما تقدم أن هذا الدين العظيم ما من شيء إلا وقد بينه. وإذا خفي هذا الأمر، فهناك حملة هذا الدين، حملة هذه الشريعة، وهم العلماء، فإنهم يستنبطون، وإنهم كذلك يجتهدون في معرفة علاج ذلكم الداء، وذلكم المرض، وذلكم الاختلاف، وذلكم الاختلاف. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾. وقال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، تبياناً لكل شيء. فكل شيء قد بيّن في هذه الشريعة، فما على المسلم إلا أن يرجع إليها إذا اختلفت مع أخيك، أو مع جارك، أو مع كذلك يعني طالب علم آخر، أو إلى غير ذلك، فقل له: بيني وبينك الكتاب والسنة. وبيني وبينك: إن لم نهتدي إلى الدليل من الكتاب والسنة في حل هذه المعضلة وهذه المشكلة، فعلينا أن نرجع إلى حملة هذه الشريعة وحملة هذا الدين، وهم العلماء، نرجع إليهم ونسألهم، ونطلب منهم أن يبينوا لنا الدليل من الكتاب والسنة، ووجه الصواب في هذه المسألة من الكتاب والسنة. فإن العلماء هم أهل الاستنباط، وهم كذلك أهل المعرفة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. هذه تزكية من الله عز وجل للعلماء، وأنهم يعلمون تفاصيل هذه الشريعة، ويعلمون ما يحتاجه الناس من مشكلات ومعضلات، في حل تلكم المشكلات والمعضلات. فإذا ما عليك يا أخي المسلم إلا أن يكون هذا الأمر نصب عينيك، أو نصب عينيك، ألا وهو الرجوع إلى الكتاب والسنة، وإلى حملة الشريعة. فإذا كان جميع المسلمين على هذا الأصل العظيم، لما وجدت بينهم الاختلاف، ولما وجدت بينهم التفرق، ولما وجدت بينهم الشحناء والبغضاء، وآثار ذلكم التفرق والاختلاف. فعلينا أن نلزم هذا الأصل العظيم. قال حفظه الله تعالى: قال فهم يحصلوا بينهم اختلافات، لكن يرجعون، أي الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهم قدوتنا وهم أسوتنا، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فسبيلهم في الاختلاف والتفرق الرجوع إلى الكتاب والسنة، وإلى حملة تلكم الشريعة العظيمة. فإن أردت البعد عن الشقاق والاختلاف والتفرق وآثار ذلك، فعليك بلزوم طريقتهم، واتباع سبيلهم، ففي هذا النجاح. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. فكما ذكر المؤلف: فهم يحصلوا بينهم اختلافات، لكن يرجعون إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يذهب الاختلاف فيما بينهم، يذهب الاختلاف فيما بينهم. قال: وإن الرجوع إلى كتاب الله يزيل الأحقاد، ويزيل الأضغان، فلا أحد يعترض على كتاب الله. فإنك عندما تقول للإنسان: تعال إلى قول الإمام الفلاني، أو إلى العالم الفلاني، لا يقتنع، لا يقتنع إلا إذا بين الدليل من الكتاب والسنة، فالكل يقتنع بذلك، لأنه كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والعلماء هم أدلاء على الكتاب والسنة. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. فالعالم يبين البينة، ويبين الحجة التي تؤكد صحة قوله، التي تؤكد صحة قوله. فهكذا لما تدعو جميع الناس إلى الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، الكل يقتنع. أما إذا قلت لهم: نرجع إلى القانون، أو نرجع إلى قول فلان أو قول علان من الناس، فربما فلان ما يقتنع بفلان، أنت تقتنع بذاك، وأنا لا أقتنع به، وهو بشر، إلى غير ذلك. لكن لما يرجع الجميع إلى الكتاب والسنة، فالكل يقتنع بذلك، فالكل يقتنع بذلك. قال: لكن قال الله... لكن لو قلت: لو تعالى إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن كان فيه إيمان فهو يقتنع ويرجع. هذه صفات أهل الإيمان. إذا قلت للمؤمن: تعالى نحتكم إلى الكتاب والسنة، فمن مقتضى إيمانه أنه سرعان ما ينشرح صدره لذلك، وسرعان ما يوافق على ذلك. أما المنافق فإنه يشق عليه أن يرجع إلى الكتاب وإلى السنة، ويجد من الحرج، ويجد من الفضيحة، ويجد كذلك من الأمور الأخرى ما الله به عليم، لأن في قلبه النفاق والهوى والحقد والغل، وإلى غير ذلك على الإسلام والمسلمين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. هذا هو حال أهل الإيمان إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، إلى الله، إلى كتاب الله، إلى رسوله بعد موته، إلى سنته. فهذا المؤمن إذا دعي إلى الكتاب، إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة، يقول: سمعنا وأطعنا، سمعاً وطاعة لأمر الله، لأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وعلا. وبَيّن ربنا عز وجل أن هذا الأمر من أسباب الفلاح، وأولئك هم المفلحون. هذا هو قول أهل الإيمان، هذا هو قول أهل الإيمان، أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة، فإنهم سرعان ما يبادرون إلى ذلك. قال: هذا قول المؤمنين. أما المنافقون: ﴿إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ وَإِنْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ يُوَلُّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، كما ذكر الله عنهم. هذا هو حال المنافق إذا دعوته إلى كتاب الله وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام: إذا كان هذا الحكم لصالحه، ولتلك تحقيق مآربه، أذعن وخضع لهذا الحكم، أما إذا كان الحكم على خلاف ما يريد، فإنه يعرض، يعرض أن يتحاكم إلى الكتاب والسنة. هذا هو حال المنافق. أما حال المؤمن فإنه ينشرح صدره بحكم الكتاب والسنة، سواء أكان هذا الحكم له أو عليه، سواء كان هذا الحكم له أو عليه، لأنه يعلم أنه لا فلاح له ولا سعادة له إلا بأن يترك هواه، وأن يترك شهوته، وأن يترك عناده، فبرجوعه إلى الكتاب والسنة يهتدي إلى الصراط المستقيم بإذن الله سبحانه وتعالى. قال: فلا يسع المؤمنين أن يبقوا على اختلافهم في جميع الاختلافات، لا في الأصول ولا في الفروع، كلها تحسم بالكتاب والسنة، يعني بالرجوع إلى الكتاب والسنة والأخذ بأدلة الكتاب والسنة. قال: وإذا لم يتبين الدليل مع أحد المجتهدين، وصار لا مرجحاً لقول أحدهم على الآخر، ففي هذه الحالة لا ينكر على من أخذ بقول إمام معين. ومن ثم قال العلماء: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، أي المسائل التي لم يظهر الدليل فيها مع أحد الطرفين. هذه مسائل نادرة، المسائل التي تتنازع فيها الأدلة، وكلا الطائفتين معها من الأدلة، ومن قوة الأدلة، مما يجعل المطلع على هذه المسألة في حيرة وفي توقف. فهنا يذكر بعض أهل العلم أنه لا بأس أن يأخذ بقول أحد هذين العالمين، أحد هذين العالمين الذي يثق فيه، ويرى فيه التحري، ويرى كذلك فيه الورع، وكذلك العلم، وإلى غير ذلك، فلا بأس أن يأخذ بقوله، ولا يشنع على من أخذ بالقول الآخر، لأن المسألة اجتهادية، وفيها من تجاذب الأدلة، ومن قوة الأدلة. وهذا ربما يقع فيه علماء كبار، كان الشيخ ابن عثيمين يقول رحمه الله: إذا لم يترجح لي في مسألة شيء، في هذه المسألة آخذ بقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. هكذا يقول الشيخ ابن عثيمين، وهو الشيخ ابن عثيمين، بل والشيخ ابن باز أحياناً ربما يسأل في مسألة فيقول: المسألة أنا متوقف فيها، تحتاج إلى نظر، تحتاج إلى بحث، وإلى غير ذلك، وهم علماء أجلاء. فلربما تعترض لطالب العلم مسألة يرى فيها من تجاذب الأدلة، ومن قوة الأدلة بين عالمين من علماء أهل السنة، فهنا لا بأس أن يأخذ بقول أحد العلماء كما تقدم، ولا ينكر على الطرف الآخر. وليست هذه القاعدة على إطلاقها: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وإنما المسائل التي فيها هذا الشرط وهذا القيد، ألا وهو قوة الأدلة وتجاذب الأدلة ووضوح الأدلة مع كلا الطرفين. فهنا تكون هذه القاعدة، وهذا التعامل مع هذا الاختلاف. أما أن يخالف الشخص دليلاً واضحاً بيناً بحجة يعني الاختلاف والاجتهاد، فليس كل اجتهاد يعني له حظ من النظر، وليس كل اختلاف له حظ من النظر، وإنما الذي ينظر فيه هو الاختلاف الذي كل كلا الطرفين معه من قوة الأدلة، ومن كذلك كثرة الأدلة ما يقوي قوله، ويقوي كذلك أخذه في هذه المسألة. فنكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.