كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية  2

كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 2

الدرس في كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 2، الدرس الثاني:من( وقول الإمام أحمد وغيره من السلف وصية الصبي صحيحة ... قال أبو العباس:وما أظنهم قصدوا والله أعلم إلا هذا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صحة وصية الصبي واختلاف العلماء

اختلف أهل العلم في صحة وصية الصبي تبعًا لاختلافهم في تصرفات الصبي، والراجح التفصيل في ذلك. يرى بعض العلماء أن الوصية تصح إذا كانت موافقة للشرع.

حكم تصرفات الصبي ووصيته وفقًا للسن والعقل

يتناول حكم تصرفات الصبي ووصيته، حيث يرى بعض العلماء أنه يصح تصرفه إذا بلغ سنًا معينة أو كان عاقلًا. يستدلون بآثار عن الصحابة والتابعين في ذلك.

توجيهات حول صحة وصية الصبي وتفسير إصابة الحق

يناقش توجيهين حول صحة وصية الصبي وتفسير إصابة الحق فيها، حيث يشترط أن تكون الوصية موافقة للشرع أو تتضمن ما يستحب أن يوصى به. المراد بإصابة الحق هو ما يوافق الشرع وجرى به العرف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وقول الإمام أحمد، وقول الإمام أحمد وغيره من السلف: وصية الصبي صحيحة إذا أصاب الحق، يحتمل في بادي الرأي وجهين: أحدهما أنه إذا أوصى بما يجوز للبالغ، لكن هذا فيه نظر، وفي نسخة: بما يجوز للبائع. قال: فإن هذا الشرط ثابت في حق كل موصٍ، فلا حاجة إلى تخصيص الصبي به. والثاني: أنه إذا أوصى بما يستحب أن يوصى به، مثل أن يوصي لأقاربه الذين لا يرثون، فعلى هذا لو أوصى لبعيد دون القريب المحتاج لم تنفذ وصيته، بخلاف البالغ. وفي نسخة البائع. قال: لأن الصبي لما كان قاصر التصرف، فلا بد أن ينضم إليه نظر الشرع، كما احتاج بيعه إلى إذن الولي، وكذلك إحرامه بالحج على إحدى الروايتين». أشار رحمه الله تعالى إلى القول بصحة وصية الصبي، لكن بشيء من القيد. فوصية الصبي اختلف فيها أهل العلم تبعًا لاختلافهم في تصرفات الصبي. والصحيح من أقوال أهل العلم التفصيل في تصرفات الصبي، كما مر معنا الكلام على هذه المسألة في فترة ليست ببعيدة في مسائل البيوع. ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه فصولًا تتعلق بهذا المبحث، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وأن الراجح في ذلك التفصيل. ومن أحسن ما ذكره رحمه الله في «أحكام أهل الذمة» تفصيلًا في فصل: «متى يحكم بإسلام الصبي»، ثم قال رحمه الله: «ضمي كلام متقدم ومتأخر، إلى أن جماع من الفقهاء ذهبوا إلى صحة وصية الصبي، وطلاقه، وظهاره، وإيلائه». كما سبقت الإشارة، أن الصحيح في هذه المسألة التفصيل في تصرفات الصبي. فما كان من تصرف يوافق الشرع، وجرى العرف بإمضائه على مثلهم، فهو من المأذون فيه. فالصبي يبيع ويشتري، لكن بما يليق بالصبيان ما دام عاقلًا مميزًا. فليس مما جرى به العرف، ولا يأذن بمثله الشرع، أن يبيع الصبي الذهب أبدًا. ما أحد يشتري ذهبًا من صبي إلا وهو نصاب شرعًا وعرفًا. لكن الصبي يبيع المسواك، يبيع بعض الحوائج الذي قضى العرف ببيع مثلها. أما بيع الذهب والمجوهرات، لا يبيعه الصبيان. ولو أن إنسانًا اشترى مثل ذلك من صبي، لعد أنه له غرض سيء، لأن هذا مما لم يجري به العرف، ولم يأذن بمثله الشرع. وهكذا يقاس عليه سائر التصرفات. وعلى هذا جاء الخلاف في قضية وصية الصبي. ثم اختلف أهل العلم على أقوال كثيرة. وأشار رحمه الله أن الإمام أحمد وغيره من السلف روي عنهم الإذن بوصية الصبي. وهذه الروايات اختلفت عن الإمام أحمد. فروي عنه سبع سنوات، وعشر سنوات، واثنتي عشرة سنة. فروى ابن المنذر، وجاء نحوه في مسائل عبد الله عن إسحاق، والإمام أحمد: أنهم أذنوا بتصرف الصبي ووصيته إذا كان ابن اثنتي عشرة سنة. وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد ذكرها صاحب «المغني»: أنه يؤذن بتصرفه إذا كان عاقلًا، وابن سبع سنين. وفي رواية: عشر سنوات. وأشار صاحب «المغني» أنه روي عن عمر رضي الله عنه، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، وعطاء، والزهري، والشعبي، والنخعي، ومالك، وإسحاق، وأحمد، وجماعة: القول بصحة تصرف الصبي إذا كان عاقلًا. وذكر في ذلك أثرًا استدل به الإمام أحمد وإسحاق. وذكر في مسائل أحمد: عن عمر رضي الله عنه في صبي من غسان، أنه أوصى، فأمضى عمر رضي الله عنه وصيته. والأثر رواه سعيد بن منصور. وهكذا كذلك ذكره «المحلى»، وصححه إسحاق، واستدل به الإمام أحمد رحمه الله. وجاء أثر آخر عن عمر رضي الله عنه في صبي في المدينة له مال كثير، وليس له في المدينة إلا ابنة عم، وورثته في الشام، فاستأذن أو استؤذن له أن يوصي لابنة العم، فأذن عمر رضي الله عنه أن يوصي لها بالثلث. وفي هذا فتوى وإقرار أمير المؤمنين، وإمضاء لوصية الصبي. وعلى هذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم إمضاء وصية الصبي بشرطين: أن يوافق الحق، وأن يكون قد جرى بمثله العرف، وهو مما يقره الشرع. فإذا كان كذلك فهو يمضي. قال الشيخ رحمه الله: «وصية الصبي صحيحة إذا أصاب الحق، هذا المروي عن إمام أحمد، حكاه عنه شريح وعبد الله بن عتبة كما ذكره في «المغني» وغيره. وقوله: يحتمل في بادئ الرأي وجهين، يعني هذا التصحيح لوصية الصبي يوجه بأحد توجيهين أولًا». قال: «أنه إذا أوصى بما يجوز للبالغ، لكن هذا فيه نظر، فإن هذا الشرط ثابت في حق كل موصٍ، فلا حاجة إلى تخصيص الصبي به. وهذا القول حكاه في «المغني» عن الخرق في توجيه ما روي عن إمام أحمد رحمه الله. ومعنى أن وصية الصبي تصح إذا كان تصرفه كتصرف البالغ، يعني يجاز بما يجوز للبالغ». قال شيخ الإسلام: «وهذا في الحقيقة يقال في كل موصٍ، يعني لا يخصص به الصبي. لماذا يخصص الصبي إذن؟ لا فائدة منه. فلا حاجة إلى تخصيص الصبي به. فكأنه يقول: هذا الوجه فيه شيء من البعد أن يكون هو المقصود». وعلى نسخة «للبائع» يكون معناه: أنه إذا أوصى بما يجوز للبائع الصبي. البائع يمكن أن يوجه بأن معناه الصبي البائع، أي الذي يجوز لمثله أن يبيع مثله. وهذا على ما تقدم من التفريق في تصرفات الصبي بين ما يؤذن له عرفًا وشرعًا، وبين ما لا يؤذن. قال: «والثاني: أنه إذا أوصى بما يستحب أن يوصى به، مثل أن يوصي لأقاربه الذين لا يرثون، فعلى هذا لو أوصى لبعيد دون القريب المحتاج لم تنفذ وصيته، بخلاف البالغ. لأن الصبي لما كان قاصر التصرف، فلابد أن ينضم إليه نظر الشرع، كما احتاج بيعه إلى إذن الولي، وكذلك إحرامه بالحج على إحدى الروايتين». قال: «ويدل على ذلك أن أصحابنا عللوا الصحة بأنه إن مات كان صرف ما أوصى به إلى جهة القرب. وما يحصل له به الثواب أولى من صرفه إلى ورثته. وهذا إنما يتم في الوصية المستحبة. فأما إن كان المال قليلًا والورثة فقراء، فترك المال لهم أفضل». قال أبو العباس: «وما أظنهم قصدوا والله أعلم إلا هذا. وهذا هو الصحيح: أن ما روي عن الإمام أحمد والجماعة من السلف الذين سمعنا بعض أسمائهم في إمضاء وصية الصبي إذا أصاب الحق، المراد بإصابة الحق هو المعنى الثاني: بما يوافق الشرع وجرى به العرف». نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.